ما هي التحديات التنموية التي تواجه المملكة اليوم؟.. ربما كان من السهل رصد مثل تلك التحديات، وهي تحديات ليست جديدة، إلا ان الصعوبة في رصد التقدم في مسارات حلولها أو مواجهتها.
ربما كان من الممكن قراءة التحولات في مجتمعنا، والتطورات التي خلقت أزمات واختناقات والقت بظلالها على مسار التنمية، لكن السؤال ما هي الادوات التي واجهنا بها مثل تلك التحديات وكيف تبدو النتيجة اليوم، وهل ثمة فعل مشروع وطني يعالج مفاصل تلك الاختناقات أو الازمات أو التحديات ليس بمعزل عن بعضها البعض ولكن باعتبارها عناصر مترابطة ومتصلة ببعضها البعض وفاعلها في التأثيرات التي تتبادلها.
ليس من العدالة أو الانصاف ان يقال لا ثمة نتائج ولم تتحقق أي أهداف، لكن مهمة القارئ بنزاهة للمشهد الوطني ان يكون عيناً على الحقائق السلبية أيضاً، التعاطي مع الشأن العام يتطلب تجرداً من الاهواء والمصالح الذاتية واخضاعا مستمراً للنقد.
التحديات الاقتصادية أو الثقافية أو السياسية، لا يمكن قراءتها بمعزل عن بعضها البعض، مسألة الفصل هذه قد لا تبدو مشروعة، بل ان النتائج المترتبة على معالجة كل جانب بمعزل عن معالجة الجانب الآخر ربما جعل التحولات الايجابية في أي منها ضعيف إذا لم يكن أقل من قدرته على الاستمرار والتقويم.. فلا اصلاح بلا تحديات، ولا امكانية لمواجهة التحديات بلا مشروع وطني كبير يأخذ بعين الاعتبار كل عناصر الانجاز وكل مجالات التحدي. ولا تنمية حقيقية بدون قدرة على قراءة تأثيرها في حياة أي مجتمع تستهدفه تلك التنمية.
عندما نتحدث عن مؤشرات البطالة فنحن نتحدث عن تنمية اقتصادية أو تحد اقتصادي واجتماعي في آن، وعندما نتحدث عن سوق العمل فنحن نتحدث عن تنمية ثقافية وتعليمية وعندما نتحدث عن الإصلاح في التطوير والنظم فنحن نتحدث عن التنمية في كل تلك المجالات، وعندما نتحدث عن مواجهة الإ رهاب أو التطرف فنحن نتحدث عن تحديات ثقافية وتعليمية وسياسية واقتصادية، وعندما نتحدث عن الوطنية فنحن نتحدث عن حقوق وواجبات وبالتالي نتحدث عن كل تلك التحديات التي تصب في تكوين انتماء وطني لا مجرد شعار مواطنة وهوية وعنوان سجل مدني.
لا اميل للفصل غير المشروع بين التحديات، واعتقد ان الخلل في معالجتها، انها معالجة قد تكون جزئية وقد تدار باليومي، وهذا مدعى لتراكم الازمات واستفحالها حتى يأتي يوم لا تجدي معها تلك المسكنات أو الاجراءات السريعة التي قد تسيطر على ظاهرة ما مؤقتاً لكنها تراكم ازماتها مع الوقت. الحل يكون بالبحث في مشروع وطني كبير يستلهم كل تلك التحديات ضمن سياق تطوير شامل وضمن حالة مواجهة دائمة وضمن قراءة مستجدة للمتحقق وضمن رقابة دائمة على الاداء وضمن آلية تضمن التعديل والتطوير الدائمين وضمن مراكز دراسات موثوقة وأمينة تقرأ بدقة في سجل تنمية بعيداً عن القطاعات التنفيذية وتستشرف المستقبل وتقرأ تحولاته وتضع السيناريوهات المحتملة.. والخطط البديلة.. انها حزمة كاملة لا تحتمل سوى النظر إلى التحدي التنموي كمشروع دائم لا مشروع مؤقت أو مسترخ.
هناك مكتسبات كبيرة وهناك سجل تنموي حافل، لكن هناك تحولات اصابت المجتمع وتحديات افرزتها طبيعة الحياة وتطورها، هناك أزمات تكبر كل يوم، وهناك مشكلات بلا حلول جذرية.. من يقوى على انكار تلك الحقائق؟
عندما نتحدث مثلا عن مشكلة التعليم الجامعي أو ما بعد التعليم العام، والتي تكاد تصيب كل اسرة بالقلق العميق في نهاية كل عام دراسي، نتساءل ألم تكن تلك المشكلة تطل برأسها منذ أكثر من عشر سنوات.. ماذا فعلنا خلال العشر سنوات الماضية، كيف واجهنا هذا الاستحقاق، ما هي الخيارات التي كانت متاحة وكيف كان التعاطي معها؟ كيف يمكن لنا قياس التطور في حل هذه المشكلة.. هل حلت الجامعات الجديدة المشكلة؟ هل حلت المشكلة الجامعات الاهلية أو الخاصة؟ هل كان الابتعاث للخارج هو الخيار الأمثل؟ اقرؤوا اليوم في سجل القبول في الجامعات ستذهلون من النتائج.
عندما نتحدث عن البطالة، وهو شبح مرعب يكاد يطال كل بيت؟ أين وصلنا بحلول هذه المشكلة، ماذا تحقق حتى اليوم؟ كيف تبدو الوسائل والقرارات والادوات التي واجهنا بها مثل هذه القضية الاجتماعية الحساسة والخطيرة؟ المشكلة انه لا توجد مؤشرات احصائية يمكن على ضوئها قياس أي تقدم حقيقي في المشكلات أو التحديات التي تواجه مجتمعنا.. وتظل دوائر معالجة مثل هذه القضية ضمن دائرة الاختصاص دون التعاطي معها باعتبارها قضايا وطنية حساسة لا بد من اخضاع معالجتها لمؤشرات احصائية واضحة وجلية تكشف حجم المنجز وقدرة القرار وفاعلية الاستراتيجية.
عندما نتحدث عن المسألة الثقافية وهي مسألة شائكة ومعقدة، ما هي المؤشرات اليوم على قدرتنا على صياغة اجندة ثقافية وطنية، أين ذهب مشروع الحوار الوطني، ما هي نتائجه بعد خمس سنوات على تأسيس مشروعه.. لماذا تولد الأفكار وتقوم المؤسسات ثم لا امكانية لقياس أي تقدم أو انجاز. لا تكفي تعداد المؤتمرات أو الندوات أو مشاريع المستقبل.. المعول عليه انزال التوصيات إلى ارض الواقع وقياس اثرها واكتشاف قدرتها على معالجة خلل نعاني منه ولا نقوى على مواجهته سوى بنثر رماد الأفكار هنا وهناك.
إليكم مثالاً آخر ربما يكون شاهدا واضحا على العجز الفاضح عن اختراع حل مجد والبقاء دائماً في مواجهة نفس المشكلات وذات الخلل، وهو ما مر منا كأزمة وطنية في فبراير الماضي عندما حدث الانهيار لسوق الأسهم المحلية، والذي القى بظلاله على كل بيت، اليوم تعود نفس المشكلة وبقوة لواجهة السوق وتحمل في داخلها ذات المسببات التي خلقتها الأزمة السابقة، فالمضاربات على أسهم شركات لا تحقق سوى الخسارة هو واجهة السوق وهي عنوانه.. شيء يكاد يصيب أي عاقل ناهيك عن قارئ للقوائم المالية والمحاسبة بالخلل.. هذا الخلل ليس فقط في سوق المال، أو في عقول المضاربين، انه خلل اكثر يعبر عن نزعة غير عاقلة تجتث معها كل امكانية النهوض على أسس واضحة وسليمة تجعل للإنتاج معنى، ولتراكم الثروة مقومات، وللمقومات أسس لا بد منها. وقبل هذا هو مؤشر على عجز إداري فاضح على مواجهة مأزق مستمر وكارثي.
هذه الأمثلة وغيرها كثير، لكن الشاهد في كل تلك الأمثلة انه ثمة شيء لا يمكن قياس نتائجه الايجابية والتحقق من مساراته باطمئنان، ويحمل في داخله حمولة باهظة الكلفة مع الوقت ستطال الجميع بلا استثناء.
الشواهد التي تنشر بعضها الصحافة اليومية، والمعايشة اليومية لحالة مجتمع يرزح تحت مخاوف من هذا النوع وفي غياب أي امكانية لقياس المنجز الحقيقي لا المنجز الوهمي الذي غالباً ما تكون عناوينه لجان عمل وفرق دراسة وبحث وقرارات قادمة.. كل هذا يعد جزءا من نشاط لا يكفي للاطمئنان على حالة تقدم.. ما يشعر به الناس وما يعيد الاطمئنان هو ما يمكن قياسه على ارض الواقع نتيجة متحققة لا وعوداً منتظرة.
اعود مرة اخرى للفكرة التي بدأ بها المقال، وهي تلك النزعة لقراءة مشهد أي تحد من خلال نافذة صغيرة دون اكتشاف الخلل في الصورة الكلية، التي تعني ان التحديات لها جذور ولها تأثيرات ببعضها البعض تتطلب ان تحمل الحلول صفة مشروع وطني يحمل معه مشاريع انجاز لا مجرد هواجس قلق. هناك أهداف استراتيجية عنوانها الاساسي البحث عن حلول حقيقية وخلال فترات زمنية محددة مع وضع الامكانات اللازمة تحت تصرف المسؤول، لكن هناك أيضاً شيء اسمه الرقابة والمحاسبة والشفافية في قراءة حالة تقدم. ما لم تخضع كل عناوين التحديات التنموية لرقابة إدارية صارمة سنظل نعيش أزمات بلا حلول حاسمة، ما لم يعط لأي مسؤول فترة زمنية محددة لمواجهة أي مشكلة واضحة المعالم والابعاد وتعطي له فرصة كافية لعلاجها وتتم المحاسبة وفق تلك المعادلة الموضوعية بين الهدف الاستراتيجي الكبير وبين قياس المتحقق عملياً وبدقة ستكون هناك حالة استرخاء وربما تعويم لمشكلات التحدي اما قلقاً في مواجهة المأزق أو عجزاً عن استخدام الادوات الكفيلة بمعالجة التحدي. وهذا يقودنا أيضاً إلى ما يعرف بالرقابة الشعبية التي تساند الرقابة الإدارية، وهذا في النهاية لا يعني سوى التحرك باتجاه الإصلاح الإداري الذي يطال نظم المحاسبة والرقابة ويطور ادواته ويعمق معنى المشاركة الشعبية ودورها في اتخاذ القرار أو في الرقابة على الاداء، وهذا يؤكد انه لا بد من معالجة تطال حزمة كاملة في عناصر مشروع وطني للإصلاح.. لا امكانية لمواجهة تحديات تنموية دون كفاءات ولا كفاءات قادرة على الانجاز دون صلاحيات ولا امكانية لقياس أي اداء وتقويمه دون رقابة صارمة تحمل تفويضاً إدارياً وشعبياً.
تمر المملكة اليوم بفرصة مناسبة ونادرة وثمينة لوضع ملامح مشروع إصلاح وطني يطال هذه العناصر، ويضع حداً للمعالجات الجزئية أو ردود الافعال المسكنة، ليطال أسسا تحمل مقومات البقاء والتمكين لبلد حقق الكثير لكن امامه مواجهة استحقاقات لا تنتظر وأي تراخ في معالجتها أو استخدام وسائل غير مناسبة هو استدعاء لتراكم التحديات وتعاظم مخاطرها.
1
لا فض فوك يا أخ عبدالله، وضعنا محير أموال تزيد فيضانا و مشاكل تزيد تراكما و قيادة تبذل بسخاء و مسؤولين كل يغني على ليلاه.
سؤال كبير أطرحه و يشغل كل مراقب لوضعنا : هل لدينا رؤية واضحة معلنة تبنى عليها الخطط و يعرف كل فرد دوره في تحقيق تلك الرؤية و تتكاتف جميع القطاعات الحكومية و مؤسسات المجتمع في تحقيق أهدافها و قياس مستمر للتقدم و الإنجاز و تنسيق في حال التعارض أو الاختناق ؟ أشك في ذلك
أبو عادل - زائر
10:27 صباحاً 2007/04/16