يقال إن الحكم على الشيء فرع من تصوره، ولذا فلمن لا يعرف الجمعية فلعله من المفيد أن يعلم أن اسم الجمعية الرسمي هو: الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون
تأسست هذه الجمعية في بداية التسعينيات الهجرية، بمبادرة كريمة من الرئيس العام لرعاية الشباب المرحوم الأمير فيصل بن فهد بن عبدالعزيز، وتحت رعاية وإشراف الدولة، عبر الرئاسة العامة لرعاية الشباب، وذلك بهدف تشجيع الإبداع، ورعاية المواهب الشابة، اكتشافاً وتحفيزاً وتنمية للموهبة، في مختلف ألوان الفنون التعبيرية، في الريشة والحركة والإيقاع والكلمة.. ولتكون مقار الجمعية في مناطق المملكة (منصّات) لتحقيق هذه الأهداف.
والهدف من أن تكون الجمعية ذات صفة جماهيرية، بدلاً من إدارة حكومية، هو منحها المرونة الكافية للحركة، وإعطاؤها صفة المجتمع المدني، الذي يتيح للموهوبين والواعدين أن يجتمعوا في خيمة واحدة؛ ليديروا نشاطاتهم ومواهبهم وإبداعاتهم، بعيداً عن القيود الإدارية الخانقة.
من أجل هذا تشكل للجمعية مجلس إدارة يضم نخبة من أبناء الوطن، الذين لهم اهتمامات بالمجالات التي تقع ضمن رسالة الجمعية، بهدف أن يخطط هذا المجلس، ويشرف على برامج الجمعية؛ لتحقيق الأهداف التي أُنشئت من أجلها.
وكانت الجمعية منذ تأسيسها تحت مظلة الرئاسة العامة لرعاية الشباب إلى أن تم سلخ قطاع الثقافة منها، وضُم إلى وزارة الثقافة والإعلام، وهكذا انتقلت الجمعية إشرافاً من رعاية الشباب إلى وزارة الثقافة والإعلام، منذ ثلاث سنوات.
هذا، باختصار شديد، تاريخ الجمعية ومضمون رسالتها، وبالتالي، فهي معنية بحكم رسالتها أن توفر الأدوات الأولية؛ لكي يتمكن المبدع الشاب من (التنفيس) عن موهبته، وأبسط هذه الأدوات هي المسرح والمرسم والمقهى الثقافي.
ومن هنا تعمل الجمعية على توفير هذه (الأدوات) في كل مقر، لتعطي للموهوب (عنواناً) يجده؛ لكي يمارس موهبته، تحت سمع وبصر وإشراف القائمين على الجمعية وفروعها، وفي رابعة النهار.
وقد افتتح في كل منطقة - تقريباً - فرع للجمعية، لإتاحة الفرصة للمبدعين في كل منطقة؛ لكي يجدوا منصة قريبة منهم لتبرعم مواهبهم وتشجّعها، والاعتراف بها مجتمعاً ووطناً.
وتباشر هذه الفروع نشاطاتها عبر لجان متخصصة شملت: المسرح، والفن التشكيلي، والخط العربي، والتصوير الضوئي، والفن الشعبي، والإيقاع المرتبط بالأغاني الوطنية والأهازيج الشعبية، التي تعبر عن بيئات المملكة الثرية والمتنوعة.. فضلاً عن عرض بعض المواد الفيلمية (القصيرة)، التي يعدها الهواة من الشباب، وتشمل مضامين هادفة في نقد ممارسات اجتماعية خاطئة، كالتفحيط والسفر غير المنضبط للخارج، وهي مواد مجازة من وزارة الثقافة والإعلام.
ولقد نجحت هذه الفروع - أيضاً - في تقديم مسرحيات هادفة، نالت إعجاب الجمهور، وحصدت بعض الجوائز الوطنية، وحتى العربية.. ولا يختلف ما يقدم في خشبات مسارح الجمعية عما يقدم في مسارح المدارس التابعة لوزارة التربية والتعليم، بل إن المسرحيين المشاركين في مسرحيات الجمعية هم إما أنهم طلاب في المدارس، أو موظفون حكوميون.
وفي مجال الفن الشعبي، فإن الجمعية ترعى المواهب الشبابية، وتقيم دورات مبسطة لتشجيع هذا الفن، والتدريب على الإيقاع المرتبط به، وبالأغاني الوطنية والأوبريت، الذي يُعجب به الناس، في الأعياد والمناسبات الوطنية الكبرى كالجنادرية - على سبيل المثال -.
ولا أحسب أن في هذه النشاطات الفنية الهادفة ما يثير المشاعر أو القلق، أو يدعو للتوجُّس منها.. بل إن هذه المواهب، وتلك الطاقات، إذا لم تجد من يعطيها فسحة للتنفيس، تحت سمع وبصر المجتمع والدولة، فإنها قد تتحول إلى طاقات قد تؤذي الشاب نفسه، فضلاً عن المجتمع.
ولا ينبغي أن توصد الأبواب والمنافذ أمام هؤلاء الشباب خاصة والجميع يعلم أن الفضاء مفتوح بكل ألوان الغثاء، ووقود ما يعرض فيه، والمقبلين عليه، والمستهلكين له، هم - تحديداً - فئة الشباب.
إن حماية شبابنا، من أصحاب المواهب الواعدة، لا يأتي عبر التضييق عليهم، والشطط في حملهم على التخلي عن مواهبهم، التي ستجد طريقها إلى التعبير شئنا أم أبينا.
إذاً، لماذا لا تكون لدينا قنوات مشروعة، ومنضبطة، وفي وضح النهار، يجد فيها الشاب (المنصة) للتعبير عن مواهبه الفنية؟
أما المتوثبون، فإنهم من محبتهم للجمعية، وإيمانهم برسالتها، يريدونها أن تكون عصا موسى، وخاتم سليمان، وسفينة نوح، وخزينة قارون. يا ليتها كذلك.
المتوثبون هم خير من يعلم أن الجمعية - على اسمها جمعية - نجاحها مرهون بالمجموع، وليس بقرار إداري يصدره رئيسها.. الجمعية - في التحليل النهائي - منصة جماهيرية، تعتمد في نجاحها وفاعليتها على تفاعل المحبين لها، والمؤمنين برسالتها، والداعمين لمناشطها.
إن الجمعية ليست إدارة خدمية، وإنما هي مؤسسة جماهيرية، وكل ما تستطيع الجمعية عمله - كإدارة - هو توفير (البنية التحتية) للعمل الفني عبر توفير المنصات، كأداة للتعبير عن مختلف الفنون والإبداعات، ثم يبقى دور الموهوبين أنفسهم وأعضاء الجمعية.. وكما يقال: تستطيع أن تجلب الحصان للنهر، ولكنك لا تستطيع أن تجبره على الشرب.
المرجو أنه، وكما في جميع أنحاء العالم، أن تأتي موارد الجمعية من خارجها وعبر الرعاة، مثل الصحف والبنوك ورجال الأعمال والمؤسسات المالية، فضلاً عن أعضائها أو المنتسبين لها، والذين هم المستفيد الأول من خدماتها.
وهذا يقودني إلى كلمة أخيرة، وهي أنه إذا أراد المتوثبون والمهتمون بالشأن الفني، الذي رأس حربته هذه الجمعية، أن تنجح - فعلاً - في هذه المرحلة التاريخية من تطور مجتمعنا، فإن عليهم حث المبدعين للمسارعة في الإلحاح على تنفيذ فكرة تأسيس الكيانات النوعية لكل فرع من فروع الفنون، والتي تشمل المسرح، والفنون التشكيلية، والخط العربي، والتصوير الضوئي، والفن الشعبي، ومسرحة و(تنويت) الإيقاع المرتبط به.
وأن تتحول هذه الكيانات الفرعية إلى جمعيات مستقلة، بمجالس إداراتها، وجمعياتها العمومية، وبموارد مستقلة تأتي عبر دعم وزارة الثقافة والإعلام، والرعاة، واشتراكات أعضائها، وأن تتم هذه التشكيلات عبر الانتخابات، أسوة بما هو حاصل في الجمعيات العلمية في الجامعات، وفي الجمعيات الخيرية، وعلى غرار ما سوف يحصل في النوادي الأدبية، ثم يصار إلى تشكيل مجلس للفنون يمثل مختلف هذه الكيانات الفرعية، تكون مهمته التنسيق والإشراف، ومراقبة أداء هذه الجمعيات النوعية، بما يتيح للحركة الفنية أن تكون تعبيراً حقيقياً للحراك النشط الذي تشهده الساحة هذه الأيام.
إن التسريع في إيجاد هذه الجمعيات ودعمها هو أفضل ضمانة لإعطاء الفرصة الحقيقية لإعادة الوهج الذي كانت عليه جمعية الثقافة والفنون في يوم من الأيام، وخير وسيلة لإعادة الحياة في أوصال الشأن الفني في البلاد، وأسرع آلية لتوسيع دائرة الموهوبين، وتشبيكهم تحت خيمة كل جمعية من هذه الجمعيات المقترحة.. وهذا سوف يحقق آمال وطموحات المتوثبين.
أيها المتوجسون: اطمئنوا، وأيها المتوثبون تفاءلوا.