الرئيسية > مقالات اليوم

مع فهمي هويدي..

الخطر الإيراني والخطر الإسرائيلي!


عبدالله بن بجاد العتيبي

ليس غريباً في هذا الزمن الرديء ما نشهده من تناسل المحلّلين والمفكرين و"هتيفة" الفضائيات، يصرخون على الشاشات تارة ويعولون على صفحات الجرائد تاراتٍ وتارات

يجترّون لغةً مهترئة منقرضة من أرشيف الخطابات القوميّة البائد أو من ترّهات الإسلام السياسي التي بان عوارها.

يتميّز أمثال هؤلاء بالقدرة الخارقة على رؤية المشاهد بالمقلوب، ولأنهم لا يرون الواقع إلا في مرآتهم الصدئة فإن المرآة بطبيعتها تحيل اليمين يساراً واليسار يميناً، فتختلط لديهم الأولويات، وتنحرف النتائج تبعاً لانحراف الرؤية.

لم يعد محل شكٍ أن إيران وطموحاتها التوسعية في المنطقة باتت تشكل تحديّاً حقيقياً لا لدول الخليج فحسب، بل للدول العربية جمعاء، باعتبار أن أمن الخليج جزءٌ من أمن الدول العربية، هذا الاعتبار الذي يفترض أن ثمّة أمناً قوميّاً عربياً مشتركاً، أدّت دول الخليج واجبها فيه تجاه أشقائها عندما شاركت وبقوّة في حروب دول الطوق مع إسرائيل، وخاصة في حرب

73.كانت إيران قبل الجمهورية الإسلامية وبعدها تشكّل تهديداً لأمن الخليج، لأنها تسعى على الدوام لفرض هيمنتها وبسط نفوذها وسيطرتها عليه، وتلك خطة إيرانية إن كانت غير معلنةٍ في السابق فهي اليوم معلنةٌ وتتناقلها وسائل الأنباء على ألسنة المسئولين الإيرانيين.

لذا فإن الدهشة والاستغراب هما الشعور الأوليّ الذي راودني وأنا أقرأ مقالة الأستاذ فهمي هويدي في صحيفة الشرق الأوسط الأربعاء الماضي، والتي حاول فيها بتذاكٍ لا يحسد عليه أن يقلّل من الخطر الإيراني على الدول العربية في مقابل الخطر الإسرائيلي الذي يرى أنه الخطر الحقيقي.

بعيداً عن لا منهجية هكذا مقارنة، فإنني لن أنازعه في أن إسرائيل شكّلت خطراً على الدول العربية منذ إنشائها، ولكنني أذكره أن المقارنة هنا لا تسعفه، فإسرائيل خطرها واضح ومعلن ومتفقٌ عليه بين الدول والشعوب العربية على حدٍ سواء، ولم يعد لها طموح إلا في التواصل مع العرب وإيجاد صيغة لتمرير شروطها عليهم في خطة سلام أنجز منها الكثير، بينما الخطر الإيراني غير واضح لدى الكثيرين في الدول العربية -والأستاذ أحدهم- واستطاعت إيران أن تخترق الصفّ العربي بزرع عملاء لها بوعي منهم أو بدون وعي، كما أن الخطر الإيراني لديه طموحات توسعية معلنة في الدول العربية، ولديه أرضية طائفية يحاول إنعاشها لتخدم مصالحه وتمنحه موضع قدمٍ للتوسّع، فمن هذا الباب إيران دون شكٍ أخطر من إسرائيل.

نعم مشكلة إسرائيل مشكلة قائمة مع الدول العربية لاحتلالها لأراضٍ عربية، غير أن ما يغيب عن الأستاذ هو أن هذه مشكلة في طريقها للحل وهناك مبادرةٌ عربية موحدّة قدمها الملك عبدالله بن عبدالعزيز وتبنتها الجامعة العربية في قمة لبنان، ، بعكس الوضع مع إيران، فلا خطة عربية موحّدةٌ ولا مبادرة متفق عليها.

وإن أراد الأستاذ التفكير بشكلٍ إقليمي ضيّق، فإن إسرائيل لم تعتد على دول الخليج بشكل مباشرٍ قط، بينما اعتداءات إيران متوالية ومتتابعة، فمحاولات إيران لنزع المشروعية عن دول الخليج مستمرةٌ منذ قيام الثورة، وسعيها لزعزعة الأمن في عدد من هذه الدول أوضح من أن يدلل عليه، ولا أدري كيف يخفى على شخص يدعي لنفسه المتابعة ما صنعته إيران في البحرين على سبيل المثال، أو في السعودية، سواء بدعمها لجماعات العنف الديني السنيّة كتنظيم القاعدة، أو بدعمها لتنظيمات مسلّحة تنتمي للطائفة الشيعية كأحزاب الله في الخليج، والتي خططت عدداً من العمليات داخل دول الخليج، تمكنت هذه الدول من منع كثيرٍ منها، وتمّ تنفيذ بعضها!

إن المواطن الخليجي غير قادرٍ على نسيان أعمالٍ تمّت بدعمٍ مباشرٍ من الجمهورية الإسلامية في إيران، اتسمت هذه الأعمال بالوحشية وإظهار العداء الصارخ وغير الإنساني، حتى في أطهر البقاع وأشرف الأزمنة وليست أحداث حج عام 1407ه عنّا ببعيد، وبعدها بسنوات ما تمّ ضبطه من متفجرات تمكّن الأمن السعودي من ضبطها وحماية الحجيج من شرّها، وما جرى من تفجيرات في نفق المعيصم في منى، والتي أعلنت السلطات الأمنية عن مرتكبيها في حينه وبثّت اعترافاتهم في أجهزة الإعلام.

ولئن كانت إسرائيل تحتلّ أراضي عربيّة -وهذا صحيح- فإن إيران تحتلّ كذلك أراضي عربية، وكانت حرب السنوات الثماني مع العراق بسبب هذه الأراضي، وهي لا تكتفي بهذا بل تحتلّ ثلاث جزرٍ إماراتية بالكامل، والفرق بين رؤية كثير من الخليجيين ورؤية الأستاذ فهمي، أننا ندين الاحتلالين ونشارك بقوّةٍ في رفعهما، بينما الأستاذ فهمي وأمثاله يمتلكون رؤيةً بعينٍ عوراء لا ترى إلا جهة واحدة فحسب.

مع كلّ هذه الخلفيّة وغيرها، لا أدري كيف يستطيع الأستاذ أن يشرح لنا ما هو الهدف الحقيقي حول التفاني الإيراني في التسلّح بالأسلحة التقليدية التي يُنفق عليها كثيرٌ من موارد إيران الاقتصادية، ويُجبَرُ المواطنون الإيرانيون على العيش في الفقر لأجل شراء هذه الأسلحة؟ مع الأخذ بالاعتبار أن هذه الأسلحة لا يمكن أن تكون موجّهةً ضد الولايات المتحدة ولا إسرائيل لأنها غير قادرة على الوصول إليهما، خاصةً ونحن لا نفتأ نسمع تصريحات المسئولين الإيرانيين بضرب المصالح الحيوية للولايات المتحدة في المنطقة، وهذه التصريحات ليس لها إلا معنىً واحد هو ضرب الدول الخليجية التي تمتلك مصالح مشتركة مع الولايات المتحدة.

كما لا أدري في هذا السياق، كيف يستطيع الأستاذ فهمي أن يطمئننا تجاه نوايا إيران في امتلاك التقنية النووية التي ستجعلها قاب قوسين أو أدنى من حيازة القنبلة النووية.

إن سياسة التسلّح الإيرانية تحمل شعاراً عريضاً، هو الإخلال بموازين القوى مع الدول العربية في المنطقة، بغرض فرض الهيمنة الإقليمية، الأمر الذي لا يمكن لدول المنطقة أن تقبله فضلاً عن أن ترضخ له.

ثمّ إن الخطر البيئي يمثّل هاجساً ملحّاً على مواطني دول الخليج، وربما لا يعني الأستاذ في شيء أن يستحضره لكنه يقلقنا في كلّ لحظةٍ ذلك أن أية كارثة نووية في إيران المعروفة بزلازلها المتكررة والعنيفة، سيكون الخليج ومواطنوه أوّل المتضررين منها، وما حادثة تشيرنوبل عنّا ببعيد، وحبذا لو أتعب الأستاذ فهمي نفسه قليلاً في القراءة عن تلك الحادثة وويلاتها، ليتفهّم ولو إنسانياً مثل هذه المخاوف.

إن ما يجب ألا ينساه الأستاذ هو أن إيران دولة ثورية لم تتخلّ عن ثورتها يوماً، ولم تستبدل تفكير الدولة بتفكير الثورة إلى اليوم، بل هي مستمرة في التفكير الثوري وممعنة فيه من "تصدير الثورة" إلى "عمليات التشييع" في أكثر من بلد عربي وإسلامي، ولا أدري أي ناقوسٍ خطرٍ يحتاجه الأستاذ وأمثاله ليعوا ما يجري من حولنا!!

وأخيراً لا أملك وأنا أقرأ كلام الأستاذ وهو يفكّر لإيران أكثر مما تفكّر لنفسها عندما تحدث عن ضعف الدبلوماسية الإيرانية في التواصل مع العرب، لا أملك إلا أن أذكره بقول المتنبي:

وسوى الروم خلف ظهرك رومٌ// فعلى أيّ جانبيك تميلُ

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 7

  • 1
    لماذا نحن الذين دائما الذي نرفض اليد التي تبادر لنا بالسلام؟
    ولماذا نرفض فرص السلام حين نكون في موقف قوة ولا نقبل بها إلا بعد أن نكون في موقف ضعف؟
    ألم نتعلم من دروس التاريخ بعد؟
    لن أناقش في الأمثلة التي أوردها الأستاذ العتيبي وسأفترض بأنها مسلمات، وأسأل متى سيتم تجاوز هذه الأمور؟
    نحن ورغم ما سببته لنا إسرائيل من آلام ومأسي قبلنا بالأمر الواقع وصرنا ننشد السلام لأننا نراه الخيار الوحيد، أليس من باب أولى أن ننسى ماضينا مع إيران؟
    نحن نسينا ما فعله الأتراك في أراضينا ولم نعد نشكك في أتراك اليوم.. فهلا ننسى مآخذنا على إيران ونفتح صفحة جديدة من أجلنا ومن أجيال المستقبل؟
    إن كثيرا من المشاكل حدثت بين دول عربية وجاراتها العربيات ومع ذلك تجاوزت هذه الدول مشاكلها.. فلماذا لا نتجاوز نحن مشاكلنا مع إيران؟
    نحن وللأسف نفتل عضلاتنا على الدول التي نرى بأنها في موقف ضعف.. ولأننا نرى إيران في موقف ضعف انبرينا للحرب الإعلامية عليها.. لكن هل إيران في موقف ضعف فعلا؟
    أظن بأننا وللمرة المليون سنكتشف بأنا مغفلون وأن حساباتنا كما كانت دائما خاطئة.

    سلمان محمد - زائر

    07:15 صباحاً 2007/04/16


  • 2
    الكاتب العزيز
    من المستغرب ان ترى امكانية التفاوض مع اليهود
    وصعوبة الاتفاق مع ايران !
    ومن المستغرب الانسياق مع الدعايه الامريكيه المكشوفه
    وفي ضني ان السلاح الذري عديم الفائده لكلا الطرفين ا سرائيل وايران
    والجميع يعلم بذلك لا سباب جغرافيه
    هذا مع تأكيد ايران الاستخدام السلمي لمفاعلاتها النوويه
    والقبول بالمتابعه الدوليه لنشاطها
    اضافة الى توجه الجميع بما فيها الدول العربيه لانشاء مفاعلات نوويه مستقبلا
    هذا ما تردده بعض القيادات
    للاسف ان السبب الحقيقي هو محاولة احتكار للطاقه من قبل امريكا والغرب
    وايهام الدول وشعوب المنطقه بالخطر ليس الا للضغط على ايران
    بهدف اضعافها وتجريدها من محيطها الاقليمي والاسلامي
    للاستمرار في الاستغلال والسيطره للمنطقه وشعوبها واستنفاذ ثرواتها
    بضرب بعضهم ببعض.
    فمتى سنرى الحقائق بمنظار المصالح المشتركه لدول المنطقه ؟؟
    دمت بخير

    بن عبيد - زائر

    07:15 صباحاً 2007/04/16


  • 3
    مقال موفق بارك الله فيك

    محمد عبدالرزاق - زائر

    01:42 مساءً 2007/04/16


  • 4
    لاحظت اكثر من مره فى مقابلات مع علماء ومفكرين مصريين انهم يقفون فى صف النظام الايرانى ويدافعون عنه ويشرحون انهم ذهبوا الى ايران وقابلوا الخمينى وقال لهم اننا مسلمين مثلكم ونحبكم وان هذا القرآن هو قرآننا مثلكم وفعلا ذهبوا الى مساجدهم ووجدوا انه هو نفس القرآن فحملوا حقاءبهم وعادوا يبشرون الناس بالدوله الاسلاميه الجديده واصبحوا يدافعون ويبررون اى عمل تقوم به ايران مع ان اى قارى عادى يستطيع ان يلاحظ وجود مخطط للسيطره على المنطقه ويقومون بالايحاء للمسلمين انه يجب التكيز على قضية فلسطين وان اى حديث عن ايران انما هو صرف للمسلمين عن القضية الحقيقيه وهذا المكر معروف عن اخواننا الفرس

    ماجد - زائر

    02:49 مساءً 2007/04/16


  • 5
    مهما كان الخطر الإيراني إلا أن اسرائيل هي العدو الأول والتاريخ والجغرافيا والسياسة و كلها تشهد بذلك
    ملحوظة: لماذا ارتفعت الاصوات التي تعمل دعاية لإسرائيل؟؟؟

    عبدالله الرشيد -تبوك - زائر

    05:08 مساءً 2007/04/16


  • 6
    من يوم خلق الله الدنيا ونحن نعرف انا اسرائيل عدو الاسلام الاول وقتلت الانبياء.

    منصور الدوسري /الخرج - زائر

    10:04 مساءً 2007/04/16


  • 7
    منذ فترة طويلة لم أقرأ مقالا أصاب كبد الحقيقة كهذا المقال0
    فعلا ما ذكرته اخي الكاتب العزيز بل هو الحق بعينه ولكن وين الي يفكر 0
    كل تقديري وتحياتي وشكري لك اخي عبدالله العتيبي على هذا المقال العظيم

    مساعد - لندن - زائر

    04:06 مساءً 2007/04/17



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة