(إذا وجدت نفسك مع الأغلبية، فقد آن الآوان للتغيير!) مارك توين .
نشر الزميل محمد عبد الرزاق السعيد في جريدة "الرياض" مؤخراً عن فكرة خطيرة بعنوان (رسملة الإيجار) طبعاً الفكرة بخلاف ما يوحي بها الاسم، تقوم على مبدأ رائع يحقق نظاماً متكاملاً، ينظم العلاقة بين المستثمر (المؤجر) والممول والمطور العقاري والمستفيد بشكل يمكنّ كل الأطراف من تحقيق أهدافهم في دورة مالية عقارية متكاملة يمكن إعادة تدويرها باستمرار بحيث تحقق ضمان موازنة العرض والطلب والأمان من تقلبات السوق الناتجة من قلة المعروض .
طريقة الفكرة.. أنه عندما تبحث مثلاً عن شقة سكنية - في حي الشفا مثلاً - لتستأجرها فإنك تتوجه إلى شركة الرهن العقاري، لتقوم بتوقيع عقد شراء شقة سكنية بنفس قيمة أقساط الإيجار تقريبا كبديل أكثر نفعاً من الاستئجار التقليدي، ويتم تسجيل الوثيقة باسمك ثم توضع في البنك وتبقى فيه حتى انتهاء فترة العقد أو حتى ترغب في تبديل شقتك والانتقال إلى مكان آخر أو السفر ومغادرة البلاد، وإذا حدث أيّاً من ذلك فإنه يتم تقييم العقار، والذي لاتنقص قيمته بل عادة ما تتعاظم لكونه مسكناً عالي الجودة في حي متكامل التطوير، ومن ثم يتم احتساب القيمة المتبقية لتحصل على الفرق الذي قد يتجاوز ما دفع من أقساط أو يساويها أو يكون أقل منها بقليل، فإن رغبت الانتقال إلى مسكن أكبر مع نفس شركة الرهن العقاري تم احتسابه لك ضمن تكاليف المسكن الجديد وإذا كنت ترغب المغادرة تم دفع المبلغ لك نقداً.
الفكرة بحد ذاتها ستجد لها آلاف المناصرين لما تحتويه من إيجابيات :
@ الموازنة بين العرض والطلب المتحقق من خلال سهولة المناقلة التي ستتولى شركات الرهن العقاري، كافة تفاصيلها من إبداء الرغبة.. حتى سكنى العقار .
@ توحيد الإجراءات ودقة تطبيقاتها وهو ما سيسهّل عمل الجهات القضائية وشبه القضائية (كتابات العدل - التسجيل العيني للعقار)، ذلك أنها ستتعامل مع من يملك الخبرة والفهم الدقيق لآليات حجز ورهن العقار وهو ما سيختصر الأوقات المهدرة، الناتجة عن انعدام الثقافة القانونية .
@ دخول الشركات العابرة للقارات في السوق السعودي، ونقل التجربة والخبرة المتمرسة لهذه الشركات الدولية، مما يعني منافسة شرسة سيكون المستفيد (المستأجر) هو الطرف الرابح.. هل يحتاج أن نقيس عليها تجربة حرب الأسعار بين شركات الألبان ؟!!
@ سيكون هناك ما يشبه بورصات عقارية لكل شركة رهن عقاري، بدل بورصة واحدة يستأثر بها هامور عقاري، مما يسهّل بالتالي جانب الإحصاءات التي تقوم بها الجهات المعنية، مما يعني سرعة إيجاد الحلول الإسكانية لمركز البحوث المتخصصة كمركز الملك عبدالله لوالديه للإسكان التنموي ونحوها .
لكن ما إن تظهر بعض العيوب عند التطبيق سواء كانت فقهية أو قانونية أو حتى إجرائية محضة، وهو شيء بديهي.. عندها ستجد هؤلاء المناصرين.. ينسحبون واحداً تلو الآخر.. ! ومن هذه السلبيات :
@ شركات الرهن العقاري، ستتحول إلى ما يشبه الغول الاقتصادي، في تجرية ربما ستكون أسوأ من تجربة البنوك السعودية، والتي بقدر ما تمثّل أعلى البنوك ربحية في العالم، بقدر ما يصعب التعرض لها لما تملكه من حصانة اقتصادية!! والسوابق القضائية للجنة المصرفية خير شاهد على ذلك.. فالعميل (الطرف الأضعف) هو الخاسر في النهاية!!
@ كيف تكيّف العملية فقهياً في شركات الرهن العقاري.. هل هي بيع.. أم إجارة.. أم هي إيجار منتهٍ بوعد التمليك.. وهل يصنّف العقد كإيجار تمويلي أو إيجار بيعي.. هذه الإشكاليات الفقهية ترد عليها استشكالات قضائية أيضاً.. فالإيجار المنتهي بالتمليك له سبع صور، كل صورة تختلف عن الأخرى، وقد صدر بها قرارات عدة بالتحريم.. وعندما تعرض تطبيقاتها على القضاء.. يصحح العقد إلى بيع خالص أو إجارة خالصة.. فإن قلبها القاضي إلى بيع كانت الشركة هي الخاسر لأن أرباحها في كونها شركة رهن عقاري!! .. وإن حولّها إلى إجارة كان المستفيد (العميل) هو الخاسر الأكبر!!
@ هل الحرس القديم في سوقنا العقاري البسيط القائم على 3أضلاع.. متقبل لهذه الفكرة.. ويعي حتماً ما ستؤدي إليه من ازدهار اقتصادي.. أشك في ذلك!!
اعتقد بأنه لا يختلف أحد على كون (الرسملة) مفيدة لكل أطراف العملية الإيجارية إن صحت التسمية.. كونها بعيدة تمام البعد عما تعارف الناس عليه ب (الدم الفاسد).. لكننا في الحقيقة نحتاج إلى عدة أمور حتى تتحقق مصلحة التاجر والشركة والمستفيد، وبدونها ستكون التجربة ناقصة ومشوهة :
@ أن ينص العقد على تحويل ملكية الأصل للمستأجر في نهاية فترة الإيجار.
@ ألا يوجد شك بشأن تحمل المؤجر لأي تكلفة مستقبلية خلال فترة الإيجار (بمعنى أن يكون المؤجر قد أكمل التزاماته التعاقدية).
@ أن يكون للمستأجر الحق الاختياري لشراء الأصل بسعر يقل بدرجة جوهرية عن القيمة العادلة للأصل في تاريخ انتهاء فترة الإيجار.
@ أن تغطي فترة الإيجار معظم العمر الاقتصادي للأصل المستأجر.
@ أن تكون القيمة الحالية للحد الأدنى لدفعات الإيجار مساوية لمعظم القيمة العادلة للأصل المستأجر في تاريخ نشوء الإيجار.
وهذه كلها تم بحثها في تقرير منشور على موقع الهيئة السعودية للمحاسبين القانونيين، نشرتها بشكل مستفيض من الممكن أن يستفيد منه المشرّع .
@ الباحث في أنظمة العقار
oalessa@alriyadh.com