الرئيسية > فن

ابتداء من العلوم الشرعية وانتهاء بالرياضيات واللغات العالمية

حلقات العلم في الحرم المكي.. خلايا نحل تدرس طلابها كل الفنون



تقرير - سعد الثقفي:

كان الحرم الشريف ولم يزل منارة للعلم والعلماء، شأنه في ذلك شأن تلك الجوامع الكبيرة التي أخذت على عاتقها نشر العلم لقرون عدة، كالمسجد النبوي الشريف، والجامع الأزهر وجامع الزيتونة والقائمة ستطول لو أردت لها سرداً.

ومكة المكرمة حرسها الله قام مسجدها المبارك بدور ريادي في هذا الجانب، حيث يحتضن بين جوانبه حلق الدرس التي تكون صباحية ومسائية. وكانت تدرّس العلوم الشرعية والعربية، إضافة إلى الخطباء والمحدثين الذين يبصرون الناس بدينهم وخاصة في موسم الحج وشهر رمضان المبارك.

وجاء التعليم الحديث بمدارسه ومناهجه الجديدة، ليسلب الجامع (المدرسة الأولى) طلابه في الصباح، لكنه لم يسلبهم في المساء، حيث يتحلق الطلاب عادة حول أستاذهم الذي يدرسهم في موعد محدد؛ يبدأ عادة بعد صلاة العصر درسه، في الدور الثاني من المسجد، وتتسع الحلقة حتى تخال التلاميذ لا يسمعون أستاذهم من كثرتهم! وحين موعد صلاة المغرب تقام الصلاة ثم تعود الحلقة كما كانت حتى وقت صلاة العشاء.

هؤلاء الذين يُدرسون لوجه الله، ولا يسألون الطالب عن مستواه بقدر سؤالهم عن انتظامه وورعه أولاً وحبه في العلم. لا يعطون شهادة تجلب وظيفة؛ لكنهم يعطون إجازة حين يتبيّن له أن التلميذ قد فقه الكتاب الذي انتظم في دراسته.

وقد يستمر الشيخ في تدريس مادة ما شهوراً أو سنوات. لا يخلف موعداً، ولا ينقم على طالب، ولا يسأل عن أجر متى يأتي. فالأجر عن مقسم الأجور يوم القيامة، وسيناله في اليوم الآخر كاملاً غير منقوص. وبهذه الطريقة بارك الله في علم هؤلاء الأفذاذ المنزوين عن الشهرة، وبهرج الحياة. لقد عاشوا للعلم ومن أجل العلم. ويكفي أحدهم أن يحضر ثلاث صلوات في المسجد. ويفوز بأجر تعليم مسلم.

وفي الآونة الأخيرة تنوعت طرق التدريس وأغراضه، فصار هناك من يدرّس طلابه دروس تقوية في المسجد، وهذه الدروس تتنوع في كل مشارب العلوم من رياضيات وعلوم طبيعية ولغة وسواها.

وهناك من يدرّس الخط العربي. أما تحفيظ القرآن فهو يمثل شأناً عظيماً حيث يكون له النصيب الأكبر من حلقات العلم هذه، فإذا ما اقتربت من حلقة تحفيظ؛ يسرك أن تستمع إلى أصوات الطلاب والجميع خلية نحل، وهم منكبون على مصاحفهم في منظر أخاذ، قلما تجد له مثيلاً في سائر الأرض، وحين يعلن التربويون عن مدارسهم الجديدة وطرائق التدريس المتعددة، وكل طريقة تحارب الأخرى؛ تجد طريقة هؤلاء وهم بألواحهم التي مازالوا يستخدمونها في تدريس العلوم المكتوبة، أو طريقة التحفيظ وهم يحفظون القرآن جزءاً جزءاً، طريقة متجددة لا تبلى، وباقية ما بقي الدّهر.

من هذه المدرسة البسيطة تخرّج قضاة، ومحامون، وشعراء، وكّتاب عظام. حرص آباءهم منذ القدم أن يأخذوا أبناءهم إليها، ليتعلموا ما لم يتعلموه في المدرسة النظامية. وكان منظر أبناء المكيين وهم يتقاطرون إلى الحرم بعد صلاة العصر مألوفاً جداً، ابتغاء للعلم وفضيلته المنشودة.

وحتى بعد أن توسعت مكة حرسها الله وتناءت الأحياء عن الحرم، مازال هذا النهج متبعاً في تدريس الأبناء بعد صلاة العصر. وحتى من فاته قطار التعليم أو لم يستطع أن يتعلم في المدارس الحكومية يجد له نصيباً هنا. في حلقات العلم التي لا تنظر لعامل السن في الدخول إليها، فالعلم هنا مشاع وفي قارعة الطريق. مازلت التقي بشيخي الشنقيطي الذي حرص على أن أتعلم منه "قطر الندى وبل الصدى" وكتب ابن هشام الأنصاري في النحو والحواشي، و"الورد الصافي في الأوزان والقوافي" وهو متأبط كتبه ذاهباً أو آيباً إلى الحرم.

ومن قام بمكة آتياً من سائر أصقاع العالم الإسلامي سمي "مجاوراً" وكان للمجاورين هؤلاء الفضل الأكبر في نشر العلم وتداوله من وإلى حلقات العلم في مكة المكرمة، لقرون عدّة.

التدريس في حلقات العلم في الحرم المكي الشريف، تجربة مدرسة تربوية إيمانية، لم أجد أحداً من طلاب العلم خصص لها بحث ماجستير أو دكتوراه في التربية ليقارن بين نتائجها المذهلة، وطرائق التدريس الحديثة التي نستخدمها اليوم، ولو عرف العالم تجربتنا هذه التي يزيد عمرها عن ألف وأربعمائة سنة إجلالاً لنا واحتراماً، فهل أجد من يقف على مثل هذه الحلقات معدداً خصائصها ومحاسنها ومساوئها إن كان لها من مساوئ؟

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 3

  • 1
    الحرمين شرف لنا
    الحمد لله على نعمة الاسلام ووجود الحرمين الشريفين في بلدنا هذه الارض الطاهره الشريفه حفظها الله من كل شر ,
    مقال رائع جدا فكما ذكرت كم من عالم وكاتب وقاضي ومفكر تخرجوا منها فاللهم لك الحمد ,, اخي سعد اشكرك على الموضوع الجميل واتمنى استمرارية على هذا النهج المتميز والكتبات النافعه للجميع وشكرا لك.

    عبدالله ال عبدالله - زائر

    10:24 صباحاً 2007/04/15


  • 2
    ولكننا نتمنى من المعلمين الأفاضل تبيين جميع الآراء في المسائل الفقهية، وترك الأخذ برأي واحد فقط.
    فالاختلاف رحمة من الله على عباده، ولا مانع من تعدد الأراء إذا سلِمت العقيدة.

    علي العراد - زائر

    12:42 مساءً 2007/04/15


  • 3
    الحمد لله رب العالمين و الصلاة والسلام على اشرف المرسلين.
    اشكرك اخي سعد على مقالك القيم الموجز حول حلقات العلم في الحرم المكي الشريف وهو نشاط بلا شك من اوكد مميزاته بعد المناسك و العبادة الا انني وددت ان تسلط الضوء حول افاق تنظيم الحلقات و مدها بالاعلام اللازم للمواطنين او الزوار.فهدا النبع الصافي للعلم قد يجهله كثير منا.و نستطيع في اسبوع او اثنين اواكثر وهي مدة برنامج العمرة و الحج. ان يستفيد منه زوار الحرم مما لا يجدونه ميسرا في اوطانهم.
    شكرا مرة اخرى.
    حفظ الله ارض الحرمين قيادتها.علماءها و شعبها.
    والسلام عليكم

    نصر الدين - زائر

    03:20 مساءً 2007/04/15



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة