ينهي "محمود" عمله يوميّاً بجولة سريعة على مقاعد الباص الذي يمتلكه ليتأكّد من عدم إضافة ركّابه لأية كتابات جديدة خلالَ اليوم وهو اشترى لهذه الغاية مزيلا للحبر لمحو ما خلّفه الركّاب من مدوّنات.
يواجه سائقو وسائل النقل في لبنان مشكلة مدونات الشباب على المقاعد ويعمدون الى مسحها لإزالة آثارها يوميا صباحا وظهرا ومساء، وبين "نقلة" وأخرى "جولة" تنظيف منهكة لسائقين وظيفتهم مرهقة أصلا. هكذا يمضي محمود أوقاتاً طويلة في إزالة هذه المدوّنات مقترحا على الشباب الاستعاضة عن ذلك "بالقراءة في كتاب مفيد بدلاً من الكتابة في مواضيع سطحيّة".
بالأمس قرأ محمود الكتابات الآتية: "زينة الإنسان العقل والأدب"، "لبنان أولاً"، رقم هاتف وإلى جانبه عبارة "للبنات فقط"، بالإضافة إلى بعض الكلمات غير اللائقة التي تدفع "محمود" الى الإسراع في إزالتها لأنها قد تتضمن كلاما تخجل العين من قراءته مما يسيء بسمعته كسائق ويلحق به الضرر.
يقول محمود "الشباب وخصوصا طلاّب الجامعات يحملون أقلاما ويقومون بالكتابة على المقاعد والعبث بها". يضيف: "لا يتوقف الأمر على الشبان فحسب إنما تشارك الفتيات بهذا العمَل في بعض الأحيان". يضيف: "هذه الظاهرة غير حضاريّة وغير لائقة بطلاّب متعلّمين واعدين".
الأمر ذاته يزعج خليل (سائق باص) حيث دوّن ركاب بعض الكتابات للسياسيين اتسمت بالشتائم، يقول: "إنّ الشتائم السياسية جديدة، اعتدنا في السابق على الرسائل الغراميّة والأمثال الشعبيّة"، ويلفت اليوم طغت كتابات الأولى على الثانية
تماشيا لما تشهده الساحة اللبنانيّة من تطوّرات ومواقف سياسيّة ساخنة يقول خليل وهو منهمك في إزالة الشتائم بمساحيق خاصة عن أثاث باصه الذي يجول فيه يوميا بين العاصمة بيروت ومدينة طرابلس الشمالية.
في الوقت عينه، حافظ خليل على بعض الكتابات التي يجد متعة في قراءتها ومن تلكَ العبارات حِكَم وأمثال شعبيّة يدونها ركّاب الباصات تذكاراً على مقاعدهم، مثل "يومَ لا ينفع مالُ ولا بنون"، أو "يوم إلك ويوم عليك"، أمّا رسائل التعارف وأرقام التلفونات فلا يعير لها أيّ أهتمام، باعتبارها "تصرّفات طائشة تصدر عن شباب غير واع!"؟
أما إيلي (سائق) وبعدما ضاق ذرعا من أعمال التنظيف اليومي و"فكّ طلاسم العبارات المكتوبة" كما يقول، فقد لجأ إلى اعتماد تغليف المقاعد بالنايلون المقوّى، الذي لا يتيح الكتابة عليه، وبذلكَ انتهى من مشكلة واجهته مرارا في الآونة الأخيرة
إنها "طوشة راس" يقول شارحا عن مشكلة جديدة من نوع آخر تتمثّل "بقيام بعض الشبّان باختراق النايلون، للكتابة على جلد المقعد"!.
يبرر إبراهيم تصرفّات زملائه الطلاب في الكتابة على المقاعد بأنها "وسيلة من وسائل التعبير عن الرأي"، ويذكر أنّ "المسافة الطويلة التي يقطعها الطلاّب خلالَ توجّههم إلى جامعاتهم، تجعلهم في حيرة من أمرهم في كيفيّة قضاء هذا الوقت، وبالتالي الأمر ليسَ أكثر من تقطيع للوقت وللتسلية!".
من جهتها تجد ميراي متعة في قراءة ما كتبه الركاب السابقون وهي "تتابع" في رحلتها اليومية من جبيل الى الفنار حيث تدرس الأدب الفرنسي "جديد" مواقع الانترنت وعناوين البريد الإلكتروني المدوّنةّ! تنتقد ميراي أولئكَ الذين يكتبون أسماء حبيباتهم في شكل قلب يخترقه سهمان، وتصفهم "بأنهم يعانون من مشكلة عاطفيّة".
لكنّ أحمد يربط هذه الظاهرة بالإحباط الموجود لدى الشباب العربي بشكل عام، "فالشاب المراهق الذي لا يعطيه القانون حقّ الانتخاب إلاّ في حدود سنّ معيّنة يلجأ إلى التعبير عن ذاته عبرَ وسائل يبتكرها بنفسه"، ويضيف: "عدم اتاحة الفرص أمام الطاقات الشابّة يسهم في بروز هذا الأسلوب في التعبير عن الرأي".
يشرح عضو المركز العربي للأبحاث النفسيّة والتحليليّة المعالج النفسي غسان عسّاف ل "الرياض" بأنّ "هذه الظاهرة قديمة قِدَم الإنسان نفسه فالشعوب القديمة عَرفت ظاهرة الكتابة في المغاور ساعية من أجل إثبات ذاتها. الأمر سيّان بالنسبة لشباب اليوم، لكن مع اختلاف في الوسائل، وانتشار هذه الظاهرة يدلّ على أزمة وجود لدى الشباب".
يوضّح عسّاف "التعبير عن رغبات ومشاعر وآراء معيّنة عبر الكتابة عنها يفصح عن عدم القدرة على التعبير اللفظي، وهذا يعبّر عن مخاوف أو رغبات محظورة لا يمكن التعبير عنها لأنها لا تتوافق مع السياق العام للقيم الاجتماعيّة".
يضيف : "عادةً ما تدلّ الكتابات على فكر أو مشاعر أو رأي صاحبها".
يتابع: "إنّ استخدام الشتائم للتعبير عن الآراء هو إسقاط للعدائية تجاه الآخر وتقليص نتائج هذه العدائية عبر تفريغ شحنات الغضب في الكتابة والتشهير بالغير". ويعتبر أنّ "هذه الظاهرة تشكّل في الوقت عينه منبرا للرأي تصل رسائلها بسهولة للجميع".