• انت الآن تتصفح عدد نشر قبل 815 أيام

ايقاع الحرف

فتاة أمريكية تُدرّس طالبًا سعوديًا بالساعات

ناصر الحجيلان

    من الحكايات التي يتداولها السعوديون الذين درسوا في أمريكا حكاية أحد الطلاب السعوديين مع فتاة أمريكية تعرّف عليها في الجامعة ورغب أن تعلّمه اللغة الإنجليزية وتساعده في نطق بعض الكلمات وكتابتها. واتفقا على أن تكون الأجرة بالساعات كما هو متبع في النظام الأمريكي، على أن يدفع لها اثني عشر دولاراً عن كل ساعة.

وكان هذا الطالب سعيدًا بحضور الطالبة إلى شقته والجلوس عنده لمدة من الزمن تعلمه فيها بعض الكلمات والجمل، وكان باستمرار يعرض عليها أن يعلّمها العربية وكانت تُقدر له ذلك العرض ولكنها تعتذر بأنها لا تهتم بتعلّم اللغات الأخرى. ويبدو أن هذا الطالب كان مغمورًا بالفرح والتألق الذي لا يخلو من الارتباك بسبب حضور هذه الفتاة الجميلة إلى جواره؛ ذلك أن حضورها - بوصفها أنثى - بحد ذاته يجعله يفقد الاتزان قليلا وتختلط عنده الأمور إلى حد ما. ولهذا فقد حرص على أن تبقى عنده أطول وقت ممكن، ليس لكي يتعلم منها الإنجليزية فحسب ولكن لكي يطيل أمد النشوة التي يشعر بها كلما حضرت عنده.

جدير بالذكر أن حضور تلك الفتاة هو من أجل العمل فحسب، ولهذا فإن عملها في تدريس هذا الشاب إنما هو عمل يمكن فهمه بهذه الحدود، ويتعارف عليه الناس في المجتمع بهذه الصورة؛ وعليه فإن الثقافة الأمريكية لا ترى بأسًا في مثل هذا السلوك ولا تعطيه أي اهتمام خارج عن إطاره. في حين يرى هذا الشاب السعودي أن مجرد موافقة تلك الفتاة على الحضور عنده إنما يتضمن إشارة واضحة على إقبالها على الرجال وربما رغبتها في التعامل معهم. وعليه فقد توقع أن حضورها إلى شقته يعني إعجابها به؛ زد على ذلك أنها حينما تحضر عنده فإنها تكون مرتاحة وليست على عجلة من أمرها، بل تبادله الابتسامة والضحك. وهذا ماجعله يتمادى في الخيال ويظل طوال يومه وليلته يفكر بها حينما تأتيه في الغد، ويبنى من تلك الخيالات قصصًا وأحداثًا مختلفة تجعله يستمتع بكل ماله صلة باللغة الإنجليزية ويراها لغة جديرة بالحب وأن أهلها يستحقون العشق ومن بينهم تلك الفتاة التي تعلمه بعض الكلمات. ولم يعد مستغربًا عنده أن يتلهف لرؤية شفتيء معلمته وهي تنطق الكلمات أو يتابع أنامها وهي تخط بعض الكلمات؛ لقد كانت الأفكار والمشاعر تمور في كيانه وتضغط على ذهنه فيتحول تركيزه إلى مجموعة مترابطة من الأفكار التي تدور في بؤرة واحدة هي التعلّق بهذه المعلمة الجميلة.

لقد كان كل سلوك تفعله يؤكد ما في ذهنه عن شخصيتها تجاهه؛ فهي لا تكف عن الابتسام له حين قدومها وعند مغادرتها؛ وهي لطيفة ومرحة معه تحاول بكل جهدها أن تُفهّمه وتشرح له ببساطة وتكرر عليه حتى تطمئن أنه أدرك المراد. وكانت تتوقف عن الكلام لكي تعطيه فرصة للسؤال أو للتعقيب؛ وكلما شعرت بهمهمة أو تأتأة منه ابتسمت له ابتسامة المشفق وطلبت منه أن يتفضل بالكلام ظنًا منها أنه يريد أن يسأل أو أنه يريدها أن تتوقف لكي يتابع ما فاته.

هذا الطالب السعودي يعي جيدًا أن سلوك هذه الفتاة ليس سلوك معلم أو معلمة أبدًا؛ ذلك أنه قد تعوّد طوال حياته الدراسية في السعودية على صراخ بعض المعلمين عليه وتكشيرهم في وجهه وممارستهم للشتم والتحقير لمن يسألهم أو لا يفهم منهم ما يقولون بسرعة. وهكذا انطبعت لديه صورة المعلم من خلال تجربته الطويلة في التعليم لدرجة أنه يعتقد أن المعلم الذي يبتسم للطالب إنما يفعل ذلك لغرض استغلالي معين وإلا فإن المعلم المثالي -في نظره- هو الشخص القاسي والعنيف الذي لا يتنزّل لأحد ولا يلين بالقول ولا يتهاون مع الطلاب عند وقوع خطأ أو زلة أو تقصير منهم.

ومن الطبيعي أن يرى هذا الطالب السعودي في هذه المعلمة فتاة أحلامه أكثر من كونها معلمة تقوم بواجبها المهني. ولأن ذلك الطالب جديد على الثقافة الأمريكية ولا يعرف نظامها التعليمي جيدًا بعد، فإنه يفسّر كل مايراه من سلوك وفقًا لثقافته السعودية. ولن يعرف الواقع إلا بعد حين، حينما يعلم أن المعلم أو المعلمة في أمريكا يعمل وفق عقود سنوية في الغالب مرتبطة بترخيص للتعليم قد يجدد أو لايجدد له؛ ويكون ذلك مرتبطًا بمدى إنتاجيته مع طلابه بل إن الطالب يسهم في تقييم معلمه ومعلمته في نهاية الفصل، وهو تقويم يؤخذ بعين الاعتبار بما يتضمنه من ملاحظات يسجلها الطلاب على معلميهم ومعلماتهم. ولهذا فمن غير المستغرب أن تقوم تلك الفتاة الأمريكية بدور تعوّدت هي الأخرى عليه في منظومتها الثقافية؛ ذلك أنها ترى أن التعليم ينبغي أن يؤدي هدفه في جعل المتعلم يدرك المطلوب مهما كلفها ذلك من عناء وجهد. وترى أن اللطف مع المتعلم فضلا عن كونه لباقة وحسن تعامل فهو كذلك ضرورة مهنية لتشجيع المتعلم على التعلم دون إكراه أو قسر؛ علاوة على كونها تتقاضى أجرًا فمن واجبها أن تخلص في العمل.

ولأن الطالب السعودي وجد في هذه الفتاة ضالته العاطفية ويريدها أن تطيل البقاء معه إلى أبعد أمد ممكن، فكان بعد أن ينتهي من الدرس معها يطلب لهما بيتزا بالهاتف. ويفرح كلما تأخر مُوصّل البيتزا لأن ذلك يعطيه فسحة من الوقت للبقاء في دائرة التأثير الجمالي لتلك الفتاة. ولم تكن الفتاة ترفض البقاء بل تشكره وتنتظر البيتزا؛ ومن يدري فربما وجدت تلك الفتاة نفسها مستمتعة بهذه الحظوة والاهتمام.

وفي نهاية الشهر، وكما هي العادة في التعاملات التجارية، قدّمت له تلك الفتاة فاتورة تبين قيمة التدريس وتطلب منه سدادها. وصعق هذا الطالب حينما وجد الفاتورة مرتفعة جدًا وتزيد على مقدار ما يملكه في حسابه كله. وظل يتأمل الفاتورة فوجد أن الفتاة تسجل عليه الساعات من حضورها حتى مغادرتها شقته. ولما رأت الفتاة استغرابه شرحت له أن الوقت الذي أمضته معه محسوب عليه وأنها كانت تلبي رغبة الزبون في البقاء دون أن تفرض عليه رسومًا إضافية. وغصّ فمه وهو يريد أن يقول: طيب والبيتزا اللي أطلبها كل يوم، لكنه عرف أنها لم تطلب منه أي طعام لكي يحاسبها عليه!



عدد التعليقات : 26
الصفحات : 1   2   >>   عرض الكل
  • 1

    المقاله اكثر من رائعه حملت من المعاني الكثير الهادفه واسلوب ورائع ومضحك في نفس الوقت وتحياتي لك

    ناصر الصالح (زائر)

    04:48 صباحاً 2007/04/12

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 2

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
    أتمنى أن يقرأ الطلاب المبتعثين بعد المرحلة الثانوية، لكن السؤال من يقرأ منهم، وإن قرأوا فالصفحات الرياضية،
    مع التحية.

    سعد الزمالي(طالب دراسات عليا) (زائر)

    06:36 صباحاً 2007/04/12

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 3

    زين أن الشاب لم يقدم على خطوة إضافية.. لأن إبتسامة الفتاة لا تعني عندنا إلا شيئا واحدا.

    محمد حسن اسماعيل (زائر)

    08:16 صباحاً 2007/04/12

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 4

    اختلاف الثقافة
    ثم أن (الشاب) في مجتمعاتنا يرى في الفتاة - أحيانا - مجرد متعة خلقت لأجله، لشكلها فقط، يعني إذا تعاملت - فقط- جيدا معه فلأنها تحبه وليس لكرم أخلاقها مثلا
    وحتى المرأة -أحيانا- تفكر كذلك هنا
    وهذا ما جعله يفكر بهذه الطريقة
    جميل هذا المقال في تسليط الضوء على كيفية تفكير كل من المجتمعين تجاه المرأة - بشكل عام - وأثر اختلاف الثقافة على ذلك

    الخنساء (زائر)

    08:21 صباحاً 2007/04/12

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 5

    رائع جدا هو اسلوبك في عرض القصة وجعل الفروقات او التناقضات الثقافية تبرز من خلالها.
    فلك مني اخلص تحية وشكر

    عبدالعزيز العمرو (زائر)

    08:43 صباحاً 2007/04/12

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 6

    حيث يجهل جميع المتعاملين لدينا مع الدول المجاورة في اي مجال الدراسة أوالتجارة لذا دائما نقع في مصادمات مع الشركات ونتحمل الجزاءات من قبلهم ولهذا لابد من أي فرد أوشركة أن لايقدم على عمل ألابعد الدراسة الكاملة واخذ التعليمات من الحهة المختصة 0 ولكم تقديري

    سعود بن عبد الله (زائر)

    01:51 مساءً 2007/04/12

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 7

    السلام عليكم
    يا أخي أنت تطرقت من خلال هذه المقالة إلى نوعية من التعليم نفتقدها وأنا لا أخالفك الرأي في هذه الطريقة الجميلة للتدريس والتعليم ولكن !!!
    الطريقة ليست جديدة على معلمينا وزملائنا ولكن التذكير مطلوب عندما يمل المعلم من طلابه وكثرتهم وواجباته تجاههم ويحاول أن يلطف الأجواء بهذه الطريقة
    شكرا أخي ناصر وإلى الأمام.

    فهد الناصر (زائر)

    06:23 مساءً 2007/04/12

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 8

    ‏* لقد تعلم هذا الطالب من تلك الفتاة، دروساً لايمكن أن ينساها مدى ‏الحياة، منها ألا يخلط بين الجد والهزل، ولا بين العقل والعاطفة، ‏ولا بين العلم واللهو، ولابين فاتورة الدرس وفاتورة البيتزا ! ‏

    مجدى شلبى (زائر)

    07:20 مساءً 2007/04/12

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 9

    قصة ممتعة وفيها فوائد وعبر
    فشكرا جزيلا لك

    منال (زائر)

    07:37 مساءً 2007/04/12

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 10

    * هل هناك ارتباط بين الصرامة والوقار، وبين التجهم والإيمان !

    مجدى شلبى (زائر)

    07:57 مساءً 2007/04/12

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 11

    * مقارنة ماورد بواقع الحال، يوضح بجلاء حاجة معلمينا الماسة لدورات تدريبة فى فن الابتسام، حتى تدخل المعلومة إلى الأذهان بارتياح تام، بعيداً عن تلك العصبية والانفعال، المولدة للكراهية (منبت العنف والإجرام) !

    مجدى شلبى (زائر)

    08:05 مساءً 2007/04/12

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 12

    * فإذا لم يستجيب المعلمون لتلك الدورات، اضطررنا لاستيراد معلمات مبتسمات يشرحن قلب العملية التعليمية بجميع اللغات الميتة والحية !

    مجدى شلبى (زائر)

    08:23 مساءً 2007/04/12

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 13

    * (قيمة الوقت) : تلك واحدة من الدروس الهامة التى تعلمها هذا الطالب، فعقارب الساعة تلدع المتباطئين والكسالى، كما لدغته، فأفاق من غفوته على كشف الحساب !
    * وهو نموذج معروض لحالة الغفلة التى تنتاب بعض العباد، فيفاجأون بيوم العرض والحساب، فاعتبروا ياأولى الألباب.

    مجدى شلبى (زائر)

    08:38 مساءً 2007/04/12

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 14

    فعلا قصة جميلة وفيها الكثير من العبر واسلوبها رائع

    دانه الخياط (زائر)

    09:30 مساءً 2007/04/12

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 15

    * باعتبارك قد درست فى الولايات المتحدة، هل تعتبر النموذج الأمريكى نموذجاً يُحتذى فى مجال التعليم فقط، أم فى غيره من المجالات أيضاً ؟

    مجدى شلبى (زائر)

    09:36 مساءً 2007/04/12

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 16

    حلقت مع الكاتب في هذه القصة الشيقة، وهي تدل على المفهوم الصحيح للتعليم.

    ابوسعد (زائر)

    09:40 مساءً 2007/04/12

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 17

    * بعض البشر يحسبون الزمن بالفيمتو ثانية، والبعض الآخر شعاره (اليوم اليوم اليوم بسنة) !

    مجدى شلبى (زائر)

    09:57 مساءً 2007/04/12

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 18

    لعدم معرفة الثقافه الغرب او اطلاع باي انواع الوسائل المتوفره لدينا فهناك جهل لبعض الطلاب المبتعثيتن نحو الدول الغربيه معرفة أطباعهم قبل شد الرحال اليهم و
    فهم الثقافه المجتمع الغربي بامقارنة الدول العربيه لان هناك اختلاط بين الرجال والنساء كلا على حده من ناحيه سلوك والعمل بينهم.

    عبيد الوسري / الخرج (زائر)

    10:11 مساءً 2007/04/12

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 19

    * كيف تم ابتعاث هذا الطالب إلى الولايات المتحدة الأمريكية، دون أن يكون ملماً باللغة الإنجليزية !

    مجدى شلبى (زائر)

    10:18 مساءً 2007/04/12

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 20

    * هل كانت تكفيه لغة الإشارة !

    مجدى شلبى (زائر)

    10:19 مساءً 2007/04/12

    ابلغ عن هذه المشاركة

الصفحات : 1   2   >>   عرض الكل



التعليق مقفل لانتهاء الفترة المحددة له

إعلانات