الرئيسية > ثقافة الخميس

ما الذي يحدث في بلاد الرافدين؟



بيروت - مكتب (الرياض) فاطمة المحسن:

كثرت الأحاديث هذه الأيام بين العرب عن إجرام العراقيين ودمويتهم، وبعضها يقال علناً أمامهم إن كانوا من مرتادي مقاهي الأشقاء ومستراحاتهم، والبعض يقال خلف الكواليس. وعندما يدخل العراقي مجلساً ويسكت الأصدقاء العرب، عليه أن يخمن أن موضوع الأخبار اليومية قد تسرّب إلى المائدة وإن عليه أن يرتب جلسته وأحاديثه كي لا يحسبوه قد عاد من رحلة خطف أو حفل تعذيب أو قطع رأس أو تفخيخ سيارة أو تصفية عدو طائفي.

وكي يدرأ العراقيون عنهم تلك المخاطر، يبادرون إلى المزايدة على الجلاّس من أشقائهم، بشرح ما فاتهم من أخبار السحل والقتل في التاريخ العراقي القريب والبعيد، لتكتمل الصورة الناقصة في تحري الجرائم التاريخية للبشر المقيمين في بلاد ما بين النهرين. بعض الأدباء والفنانين العراقيين أعلنوا أمام هؤلاء الأشقاء عن براءتهم من العراق والانتساب إليه، وتطور الأمر إلى كلمات ومقابلات في الصحف قال فيها سعدي يوسف وعبدالقادر الجنابي وصموئيل شمعون، انهم لا ينتمون إلى العراق بحكم الاختيار والتصميم. وتلك آخر طرفة من طرف المجالس الأدبية، تجلب لأعداء الثلاثة، وما أكثرهم، مادة للمزايدات الوطنية، ولعراقي الداخل الحانقين على الطارئين عليهم من سكنة "المنافي"، دليلاً ساطعاً على خيانة هؤلاء الدخلاء الذين أرادوا منافستهم يوماً على تراب الوطن الطاهر!

تلك شجون وشؤون نحسبها مُلحاً في حياتنا الكئيبة ننسج عليها الطرائف ونتبادل أخبار المفارقات فيها كي نهرب من كوابيس العراق. وفي جلسة عراقية واحدة اقترح أحد دارسي التاريخ الفرنسي، وهو شاعر أيضاً، أن نقرأ تفاصيل الثورة في باريس وحدها، كي نؤمن بمستقبل العراق الزاهر، فدروب العدالة والإنسانية تمر بقطع الرؤوس وشرب الدماء. وفي الجلسة نفسها اتهم باحث صديقه المخرج المسرحي، بأن قال الأخير وهو يسلّم بالتلفون: قطعوا رأسه ها ... مستطرداً بأحاديث أخرى، وكأن قطع الرأس جملة اعتراضية يختزنها اللاوعي. قال الباحث بنبرة رثائية: العطب في ذاكرتنا العراقية المليئة بصورة الرؤوس المقطوعة. أية بشاعة تحملها إلينا رياح الوطن. كان قوله أشبه بمشهد مسرحي يتأرجح بين الكوميديا والميلودراما. انتهى بالطبع بشتيمة العراق.

الضحية هي الملومة دائماً، هذا ما تقوله سايكولوجيا الأفراد والشعوب، وفي عهد تكنولوجيا الاتصال تصبح "الشعوب - الضحايا" مادة للتنفيس عن كل الرغبات المكبوتة والوحشية، بما فيها الرغبات الجنسية. ودليلنا مواقع الإنترنيت الإسلامية، التي قدمت عبر تصوير أفعالها في العراق مادة قصرت عنها أفلام هوليوود القبيحة، أما الصور التي سربت لسجن أبو غريب وغيره، فهي تستكمل تبادل الأدوار بين السلف والخلف، والجلاد والضحية، وتلك كلمات باتت مستهلكة في قاموس العنف المتداول. في حين تقرأ لمثقفي الداخل ما يعكس حنقهم على الانتحاريين العرب الذين يجربون حقدهم الموروث على أرض السواد فيفجرون أنفسهم في أسواق العراق وشوارعه. وظهرت مواضيع كتبها بعض هؤلاء تحت عناوين مختلفة، كلها تنضوي تحت لافتة واحدة تقول: لماذا يكرهنا العرب؟

طرحان مختلفان حول عنف العراق، أحدهما يكمل الآخر وإن ناقضه، وكلاهما يحوي جانباً من الحقيقة، ويتنقل بين ثلاثة مواضيع: العراق - العرب - أميركا. ولكن الموضوع يعني من حيث التعريف والأدوار، القائل ذاته. فالمثقفون العراقيون ينظرون إلى أحداث بلدهم على أنها تنتج معاني انتساباتهم إلى مكان مشخص ضمن إطار النظرة العربية إليه. على هذا هم يدورون حول فراغ ذلك الانتساب، أي أن عليهم التأمل في الحدث المحلي ضمن حيز أوسع من معركة وجودهم هم على هذه الأرض، هكذا تمضي بهم الرياح العربية كما يشاؤون.

العرب المشاركون ثقافياً بالضرورة في صنع الحدث العراقي هم أنفسهم المخاطبون، والمخاطبة جزء من فراغين يستشعرهما المثقف العراقي: الأول عندما اكتشف أنه ليس هناك نظام مفهومي يساعده على تفسير منطق العنف في العراق، فهو كممارسة، أكبر من الحدث السياسي وأسبابه، لأنه يكثّف الماضي والحاضر معاً، والثاني سببه سوء تفاهم بين المثقف العراقي وبين الثقافة العربية، يتحدد بمواقفها من العراق والعراقيين، ويجري التعبير عنه بمزيد من مسايرة هذه الثقافة والتبرؤ من أفعال الوطن، أو غربة عن أجواء تلك الثقافة يستشعرها أدباء الداخل على وجه الخصوص. أدباء الداخل الذين أضحوا قلة هذه الأيام بعد أن هاجر العراق، هم مطرودون في الأصل من لقاءات العرب الثقافية، لأنهم لا يملكون مؤسسات وحكومة مؤثرة. وحتى في عهد الدولة العراقية، بل وفي عهد صدام الذي استرضى الكثير من العرب، لم يكن مثقفو العراق في موقع الفعل الحقيقي في اللقاءات الثقافية، سواء حصلت في مشارق العرب أو مغاربها. وبعد الاحتلال زاد سخط العرب عليهم فعزلوهم من اتحاد أدبائهم الذي تقوده الأصوات الرديكالية، وهي الأكثر تأثيراً في الثقافة العربية، حتى ولو حاول بعضهم تقليل قيمتها المعرفية أو الانتقاص من أشخاص قادتها.

لعل فعل العزل وحده دلالة مهمة لم يدركها المثقفون العراقيون، فدخلوا في مناوشات مع من عزلهم. والحق أن فيالق الانتحاريين العرب التي تضرب في الأسواق والتجمعات المدنية، وبين تلك الفيالق عراقيون تأثروا بأفكار القادمين وممارساتهم وطرق إعرابهم عن العاطفة الدينية أو القومية، وهي إحدى تجليات الثقافة العربية الراهنة، إن تصورنا أن الفعل الثقافي ليس مجرد امتهان الكتابة.

العرب إذن ساخطون على العراقيين، والعراقيون بهم حاجة ماسة إليهم، والمفارقة أن المثقفين الذين هاجروا من العراق حديثاً تتوزعهم أكثر البلدان راديكالية في نظرتها إلى القضية العراقية.

يقول المتضررون من الإرهاب في العراق، بمن فيهم الكُتّاب والصحافيون، ان الحلقة المفرغة في القضية العراقية تدور حول بديهة محددة، يتفق عليها معظم المعادين لأميركا: ضرورة تركيع الاحتلال باستخدام العنف ضد العراقيين، فكلما زادت مجازر وبشاعة ووحشية قتل الناس، زادت فرص انسحاب الأميركان من العراق.

العراقيون الصامتون عن الاحتلال، يؤذون قضية العرب الكبرى، أو أنهم بموتهم الجماعي والمجاني، يصبحون اضحيات على مذبح هذه القضية. وكل التفسيرات ممكن أن تتخذ أبعاداً مختلفة بما فيها البعد الطائفي، ولكن هذا البعد الذي لم يجر التركيز عليه، مجرد رافعة بين رافعات كثيرة، لتبرير الموت كرسالة رمزية للتخاطب.

هناك آلاف الأسباب للتوترات بين خطاب وخطاب، ووجهة نظر وأخرى، ولكننا كي نفهم تلك التوترات، علينا التسليم أولاً بوجود التعدد والاختلاف في الثقافة العربية، وهذا يخالف ما بنته هذه الثقافة لنفسها من تعريف وتصور. فالأعمال الانتحارية التي يقوم بها الإسلاميون والعروبيون في العراق، هي في الأساس تحمل خطاباً توحيدياً طهرانياً ينظر إلى البشر على أنهم عابرون في هذه الحياة، وإلى الأمة على أنها تحمل رسالة توحيدية جامعة. في حين يتطلب الإقرار بالتعدد معرفة الاختلاف بين البشر في الآراء والقيم، وقواعد لعبة التعايش والاستمتاع والغبطة والاحتفاء بالحياة، وتلك اشتراطات صعبة على الثقافة التي تربت على نمطها مجتمعات الفقر والتسلط وغياب القوانين.

المثقفون العراقيون يبقون جماعات هامشية تفتقد إلى خبرة الانتظام في عمل تفاعلي تتنافذ من خلاله الآراء وتخصب وتتفاعل، ولعل ارتباطهم بالسياسات التقليدية للأحزاب، بما فيها الأفكار الثورية والشعاراتية، وتأثرهم بالاحترابات الطائفية والعرقية جعلهم أكثر تبعية لمحليتهم. وهم اليوم أمام مهمة مختلفة عن مهامهم السابقة، وهي بلا شك لا تنحصر باللقاءات والمؤتمرات التي تنشط فيها وكلاء الثقافة من كل صنف، بل أمامهم جهد فكري ومعرفي لفهم العراق كما هو، كي يفهموا أنفسهم قبل كل شيء.

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة