
يولي النقد المعاصر أهمية بالغة للعنوان باعتباره مدخلاً مهماً من المداخل التي تؤهل المتلقي أن يمسك بالخيوط الأولية والأساسية للعمل الذي يراد دراسته كما يرى جينيت (1). يقول خليل الموسى: "العنوان إذن الرسالة الأولى أو العلاقة الأولى التي تصلنا ونتلقاها من ذلك العالم بصفته آلة لقراءة النص الشعري، وباعتبار النص الشعري آلة لقراءة العنوان، فبين العنوان والنص علاقة تكاملية" (2). ولعل أول عنوان نرى لزاماً الوقوف عنده في حديثنا عن تجربة الراحل عبدالله باهيثم هو تكوين الصورة الشخصية الفوتوغرافية لديه، تلك الصورة التي استطاع أن يشكل بها عنواناً ألقى بظلاله على معطيات نصه الأدبي، حين حرص الشاعر أن يكرس صورة معينة في تصورات المتلقي عرف باهيثم من خلالها، ولا نبالغ إذا قلنا إنها تشكل في ذاتها بُعداً ونصاً فنياً وفق باهيثم في المحافظة عليه حتى حفر في تصورات المتلقي ما لا يمكن تجاوزه.
هذه الحفريات الصورية "تُعدُّ مؤشراً ذا ضغط إعلامي موجه إلى المتلقي لمحاصرته في إطار دلالة بعينها، تتنامى في متن الخطاب الشعري في وضوح أحياناً، وفي خفاء أحياناً أخرى" (3) كما يرى ذلك محمد عبدالمطلب، من هنا نريد أن نقف بالمتلقي على تداعيات الصورة الفوتوغرافية، وأثر ضغطها الإعلامي على معطيات الصورة الأدبية، ولنا مع هذه الرؤية وقفات نقدية لعلنا نوجزها في الأبعاد التالية:
أولاً: آمل من المتلقي الكريم بداية أن يتأمل ويعيد النظر إلى هذه الصورة التي اختارها باهيثم لتصاحب حضوره الإعلامي، وأحسب أن المتابع للحركة الإعلامية سيمارس قسراً مع هذه الصورة فعل التداعي.
ثانياً: يؤكد النقاد المعاصرون على قيمة الصورة في حياتنا الأدبية المعاصرة بأنها تمثل القائد الخفي لحراك الثقافة، وقد كشف الناقد صالح أبو إصبع عن أهمية الصورة المعاصرة وخطورتها بقوله: "من سمات عصرنا الراهن بأنه: عصر الصورة، مما يعني هيمنة الصورة وسيادتها لتكون إحدى أدواته المعرفية والثقافية والاقتصادية.. ولا يعني هذا الوصف أن الصورة أمرٌ مستجد في التاريخ الإنساني، وإنما يعني تحولها من الهامش إلى المركز، ومن الحضور الجزئي إلى موقع الهيمنة والسيادة على غيرها من العناصر والأدوات الثقافية.
وفي ظل العولمة التي توظف إمكانيات الصورة بطريقة محكمة، فقد منح التطور المذهل في عالم التكنولوجيا ووسائل الاتصال الصورة فرصة نادرة للانتشار والصدارة، حتى غدا الإنسان المعاصر يعيش في غابة من الصور، بما في تلك الغابة من تنوع ووظائف خيرة أو شريرة. الصورة "لغة جديدة" تعلو كل اللغات البشرية، تتظاهر بالحياد وأحياناً أخرى تشف عن رسائلها بغموض أو وضوح، وهي لكل هذا محتاجة للتأمل والبحث بوصفها حقلاً جديداً من حقول البحث العابر للتخصصات وباعتبارها صناعة تسيطر على قطاع واسع من مجالات العلم والمعرفة والفن والترفيه" (4).
ويذهب الغذامي مذهباً آخر يشير فيه إلى "أن ثقافة الصورة هي علامة على التغيير الحديث مثلما هي السبب فيه، ولأول مرة في تاريخ البشرية الثقافي والاجتماعي نجد أنفسنا عاجزين عن رؤية أو تسمية قادة حقيقيين يقودون الناس فكرياً ويؤثرون عليهم فكرياً أو سياسياً أو فنياً، ومع ذلك نجد الناس يتأثرون ويتغيرون وبشكل جماعي وبتوقيت واحد، مما يعني أن هناك قوى تقود هذا التغيير.. إنها الصورة ولا شك.. (5). ولأننا في زمن هيمنت فيه الصورة حتى أصبحت كاللازم تغيرت حتى الرؤية الدينية في قبولها؛ فرأينا من يتسامح في الصورة الفوتوغرافية، ويرى أنها تخرج عن حدود الصورة التي نصت الأحاديث الصحيحة على تجريمها كما يظهر من قول الشيخ محمد العثيمين رحمه الله وقد سئل عنها فقال ما نصه "وأما التصوير بالآلة وهي (الكاميرا) التي تنطبع الصورة بواسطتها من غير أن يكون للمصور فيها أثر بتخطيط الصورة وملامحها فهذه موضع خلاف بين المتأخرين فمنهم من منعها، ومنهم من أجازها فمن نظر إلى لفظ الحديث منع لأن التقاط الصورة بالآلة داخل في التصوير ولولا عمل الإنسان بالآلة بالتحريك والترتيب وتحميض الصورة لم تلتقط الصورة، ومن نظر إلى المعنى والعلة أجازها لأن العلة هي مضاهاة خلق الله، والتقاط الصورة بالآلة ليس مضاهاة لخلق الله بل هو نقل للصورة التي خلقها الله - تعالى - نفسها فهو ناقل لخلق الله لا مضاه له، قالوا: ويوضح ذلك أنه لو قلد شخص كتابة شخص لكانت كتابة الثاني غير كتابة الأول بل هي مشابهة لها ولو نقل كتابته بالصورة الفوتوغرافية لكانت الصورة هي كتابة الأول وإن كان عمله نقلها من الثاني فهكذا نقل الصورة بالآلة الفوتوغرافية (الكاميرا) الصورة فيه هي تصوير الله نقل بواسطة آلة التصوير، والاحتياط الامتناع من ذلك، لأنه من المتشابهات ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، لكن لو احتاج إلى ذلك لأغراض معينة كإثبات الشخصية فلا بأس به، لأن الحاجة ترفع الشبهة لأن المفسدة لم تتحقق في المشتبه فكانت الحاجة رافعة لها" (6).
والشيخ الدكتور عبدالعزيز الفوزان يقول بجواز الصورة الفوتوغرافية عموماً ما لم تكن تحمل بُعداً مخالفاً للدين (7).
ثالثاً: لقد وفق باهيثم كثيراً في المحافظة على صورة نمطية ارتبط بها إعلامياً حتى كادت تكون علامة دالة عليه تحضر وتستدعيها الذاكرة؛ إن لهذه الصورة في اعتقادي قيمة ذات دلالة ينبغي على الشعراء والأدباء أن يلحظوا تأثيرها، وعلاقتها الوطيدة في النص، ودورها في الكشف عن كثير من دلالات النصوص، ولنا في هذه اللحظة أن نتذكر قيمية الصورة وارتباطها الوثيق من خلال بعض الصور التي أصبحت دليلاً على الأديب ومرتبطة بوعيه، وأستميحكم في طرح بعض الصور ذات التنميط المحدد التي أصبحت تمارس مع المتلقي فعل التداعي بحسب مصطلح يونغ (8) في التلازم الذهني بين الصورة ومدلولها ك (شعار نادي الاتحاد)، باعتباره تكويناً ثقافياً و(فيدل كاسترو) الذي تحولت صورته إلى تكوين ثقافي.
رابعاً: من وجهة نظر السيميائية تشير صورة باهيثم إلى شاعر متزن ذي قامة ممشوقة يرتدي زياً وطنياً ونظارة سوداء، وهي في الخصوص صورة تبعث على شخصية ومكانية وزمانية توحي بعمق انتمائه للمكان ومعاصرته للزمان، وهو انتماء يشي به قول محمد مسفر الغامدي وهو الذي رأى "خلف المدى وطناً جارياً"، وطناً يمور بآلاف الحيوات المتحركة، وكان لزاماً على من اختار ألا يشبه إخوته، أن يرى وطنه جارياً لا ساكناً، كما في عيونهم.. أن يراه بعينين موجعتين، جراء ما تبصران. يقول باهيثم:
"سوف أذكر أني طويلاً - على وجع بين عينيَّ والشارع المستريب - أقمتُ".. (9).
والمنحى الدلالي الثاني في هذه الصورة أنها تنقل صوراً تبعث في المتلقي دلالات انتماء الشاعر إلى الموروث، فلقد كان للشاعر مع التراث والانتماء إليه مواقف كثيرة لن نجهد في التدليل على انتمائه لثقافة هذه الجزيرة ولموروثها الثقافي، يظهر ذلك من خلال عنوان ديوانه (وقوفاً على الماء)، وهو ديوان تتشظى دلالاته وتتناص بين( وقوفاً بها صحبي علي مطيهم)، وبين قول الآخر (كقابض على الماء خانته فروج الأصابع)، إضافة إلى إيقاعاته الشعرية التي لم تخرج في أغلبها عن التراث خصوصاً إذا ما علمنا أن نصوصه على إيقاعين:
- الإيقاع التناظري.. الذي يتمثل في قصائد من مثل حدس، الشهود، ومن هذا النص يقول:
ظمآنُ.. والسنةُ العجفاءُ تنسكب
لكن عزاؤك من تاقوا وما شربوا
غير الذي نز من قطر وبعض ندى
على جبين خريف هده التعب
تُرجعُ الشوفَ: هل هذا الخرابُ لنا
سبحانه الله من يسدي ومن يهب
قفر تُعلِّبُ فيه الشمسُ كلِّ غد
والليل يفرغُ منه الهمسُ والصخبُ (10)
- والإيقاع الثاني الذي دارت عليه تجربته الشعرية، فهو الإيقاع الذي يلتزم وحدة التفعيلة، ويتمثل في معظم قصائد الديوان من مثل: نص (العطش، سؤال، سنة قادمة) التي يقول فيها:
قلت:
نسير..
@ @
وحين تباعدني الأقربون
نثرت على الرمل بعض دمي..
ومشيتء
وفي آخر النص يختم بأبيات تناظرية:
- ند عنها المدى والزمان
دخان من الحقب العادمة..
هذه سنة النزف فامتثلوا
يا خليون للسنة القادمة (11)
وبرغم العمق الفني لتجربته في الكتابة على إيقاع قصيدة التفعيلة، ووعيه البالغ بمظاهر التجديد فيها كتفعيله للإيقاع البصري في النص السابق إلا أن نصوصه تتكئ على قاعدة لغوية تراثية تؤكد تشبث الشاعر بالتراث؛ لا وقوفاً عنده، ولكن للانطلاق منه في خلق تجربة شعرية لها كينونتها الخاصة التي تعي شروط المعاصرة من نو وتستشرف المستقبل من نحو آخر، وكأنه ينظر من خلال نظارته السوداء إلى تفاصيل أكثر من الواقع المتعاصر معه، وعلى رؤية الأشياء بظلال أوسع من اجترار تجربة الماضي، وفي النموذج الذي قدمناه ما يدل على ظلال معاصرة لتجربة قديمة حين قال:
قفر تُعلبُ فيه الشمسُ كلِّ غد
والليل يفرغُ منه الهمسُ والصخبُ (12)
وفي المقابل نلمح ظلالاً قديمة لتجربة فنية جديدة تحرف قوانين الوزن وبنية الإيقاع، بيد أنها لا تجازف في اختراق قوانين اللغة، ويتجلى ذلك في نصه (الدم الأخير). إنها مجاذبات تلك الصورة الفوتوغرافية ثنائية العمامة، والنظارة السوداء التي تجعل النص يتوزع بين التراث والعصرنة، يقول في نص (ثلاثية):
حسناً.. ليس للبيع - قلت له -،
وطفقت أسوي العمامة..
"كم كان رأسي كبيراً" !! (13)
فهذا المنحى في الصورة يجعل للشاعر بُعداً معاصراً يحرص الشاعر دائماً على تكريسه سواء بسواء مع التراث الذي يعتز به، ومن تقري ديوانه نلمس حركيته التجديدية من خلال الإيقاع، وقد أشرنا إلى أن الشاعر كتب على الإيقاعات الثلاثة للقصيدة المعاصرة فهو ذو نظرة امتدادية لا تقف عند حدود إيقاع بعينه، كما أن رؤيته الفكرية تتسع، وقد رأينا ذلك من خلال الإيقاع، ونراه أيضاً من خلال اللغة الشعرية التي كتب بها باهيثم حيث نراه يتلاعب باللغة التراثية ويعيد تشكيل التراث ويمنح لغته بعُداً جديداً؛ بُعداً يبعث في اللغة رموزاً جديدة، يتسع عندها حقلها الدلالي ليكشف عن تجربة شعرية معاصرة توحي بحالة الاغتراب التي يعيشها الشاعر. ويظهر ذلك من المفردات التي تجسد الصورة الشعرية (الوقوف على الماء، انتسبنا للجراح، الصعاليك، الرمل، الدم)؛ في مثل قصيدة (العطش التي أهداها إلى عبدالله بن مناع حياً وميتاً):
نثرت على الرمل بعض دمي،
سأذكر.. كنا وقوفاً على الماء -
انتسبنا إلى البيد وانتسبت للهديل الجراحات،
في قبور الصعاليك يحدث أن يرفأ اللحم شق التراب،
المنحى الثالث في الصورة الفوتوغرافية هو منحى يعطي الصورة تنميطاً دلالياً معيناً قد لا يهمنا كثيراً في هذه الدراسة وهذا يتصل بالتشكيل الديني المتسامح عند باهيثم من خلال صورته الفوتوغرافية، كا يبدو من النظارة السوداء بُعداً غير متفائل قد يلقي بظلاله على المعطيات الدلالية مما قد تفصله دراسة أخرى كما تبدو معطيات الدلالة في الصورة تشي بالتكوين الشخصي المبتسم وهي ابتسامة قد تتلون بآفاق دلالية متباينة بيد أنها ترسم في ذهنية من لا يعرف عبدالله باهيثم صورة عنه وعن قبوله للآخر؛ وفي الديوان ما يدعم هذه الرؤية من خلال نصوص كتبها عن محمد العلي في نص (الجهات) وعبدالله بن مناع الذي وجه له نصي (العطش، الشهود)، ومن تقري الصورة الشعرية يمكن أن نخرج بوضع تصورات أولية عن حياته تقترب كثيراً من ظلال الصورة الفوتوغرافية.
بما يشكل تلاقياً بين الصورة العنوان والصورة الفكرية والأدبية التي حرص باهيثم أن يوصلها إلى المتلقي، وقد أشرنا سلفاً إلى علاقاته الاجتماعية من خلال نصوص أهداها إلى أصدقائه، كما نرى أثر هذا الملمح الاجتماعي المبتسم في نصوص أدبية تشكل بعمومها صورة كبرى لحياته الاجتماعية المبتسمة كقصيدته (اشتجار) وفيها اشتغال فني بالصوت وأثره في نسق الأداء:
على وجل: "مثاء الخير - قلت،
الآن أذكر
حطت ال - ثنين - الأنيقة فوق حد الجرح
واستلقت على شفتيك ثانيتين؟ -
وكان لسانك الوردي بللها،
فمثقلة أطلت..
لا تجف ولا تكف
وأنت
هل أوجست؟
أقصد مثلما لو باحت الأشياء بالأشياء؟!
كنت "يا الله" تتقدين حد الوهج - في التنورة
الزرقاء
ثم علقت ما بين السؤال الصعب: كيف الحال
واللغة السجينة في فمي..
بين اشتجار الحزن
والخوف المخبأ في دمي (14)
ومن النصوص التي تكشف طرفاً من هذه الروح قصيدته "احتقان" التي يظهر فيها التداخل بين السردي والشعري:
جاء السكرتير يلهث
دق على الباب
ادخل.. تعال!!
تردد.. أخرج منديله يمسح الخوف والشك
والانفعال..
وعدل من ياقة الثوب
لكن بعض الأزارير تسقط
.. والشماغ سينحل تحت العقال!!
وأرعد صوت الوزير يناديه:
قلنا تعال..
وأسرع يخلع قبل الدخول النعال
(بعض الوزيرين - يحكي الرفاق -
يصيحون من عارض الطبع والانشغال -
ولكن هذا الوزير إذا صاح يغرق في موجة من سعال)
....
قرأت الجريدة
- يا سيدي هل قرأت الجريدة؟
ليس بها ما يثير السؤال!!
وهذا المقال؟!
أكاذيبُ.. محض أكاذيبَ.. إن الصحافة
ليست تفرق
بين التطرف والاعتدال (15)
-------
(1) بسام قطوس، سيمياء العنوان، ص
46.(2) قراءات في الشعر العربي الحديث والمعاصر، دمشق: منشورات اتحاد الكُتَّاب العرب، 2000م)، ص
73.(3) انظر: محمد عبدالمطلب، مناورات الشعرية، الطبعة الثانية، (القاهرة: دار الشروق، 1417ه/1996م)، ص
77.(4) www.philadelphia.edu.jo/artsconf/index1.htm
(5) الثقافة التلفزيونية سقوط النخبة وبروز الشعبي، ص 26، المركز الثقافي العربي الدار البيضاء، بيروت لبنان، الطبعة الأولى 2004م.
(6) فتاوى ابن عثيمين، المجلد الثاني ص
380.(7) برنامج الجواب الكافي، قناة المجد الفضائية، يوم الجمعة 1428/2/6ه.
(8) (انظر، أسعد زروق، موسوعة علم النفس، ص 68، 69).
(9) "عن الفتى الذي لا يشبه إخوته" مقال محمد مسفر الغامدي، الوطن، العدد ب907، 1424/1/22ه، 2003/3/25م.
(10) وقوفاً على الماء، ديوانه المخطوط، قام عليه علي حجازي، ص 28.مع ملاحظة خطأ عروضي في هذا النص في البيت، 6،
10.(11) وقوفاً على الماء، ص
6.(12) وقوفاً على الماء، ديوانه المخطوط، قام عليه علي حجازي، ص 28.مع ملاحظة خطأ عروضي في هذا النص في البيت، 6،
10.(13) ديوانه المخطوط، وقوفاً على الماء، ص
50.(14) وقوفاً على الماء،
41.(15) نشرت في العربي العدد 114عام 1985م.