الرئيسية > ثقافة الخميس

ما هكذا يفهم العروض ولا هكذا تفهم اللغة.. (2/1)


بقلم : عبدالله مفتاح@

في "ثقافة اليوم" العدد 14122الصادر يوم الخميس 1428/2/4ه الموافق 22فبراير 2007م من هذه الجريدة "الرياض" قرأتُ مقالاً بعنوان "ما هكذا يُكتب الشعر" لوالدنا العزيز الأستاذ/ علي بن حسن العبادي، ثم تبعه جزء آخر يحمل العنوان نفسه كتتمة للجزء السابق من المقال، وقد نُشر الجزء الثاني في العدد 14150يوم الخميس 1428/3/3ه الموافق 22مارس 2007م.

بداية - أستاذي الكريم - أقول: لولا أن الأمر - الذي تحدثت عنه في مقالك السابق - سيصبح حقيقة في نظر القراء العاديين وخاصة أولئك الذين لا يستوعبون علم العروض لأجبرت قلمي على التأدب، وأرغمته على السكوت عن هذه الحقيقة، لكني وجدت أنه كان لزاماً عليَّ أن أقول وبملء فمي: (ما هكذا يُفهم العَروض ولا هكذا تُفهم اللغة يا أستاذنا العبادي).

جاء المقال مُعالجاً لكسور ثمانية - على حد تعبير الأستاذ العبادي - أخلت بقصيدة لوالدي/ ابراهيم مفتاح، القصيدة كانت بعنوان "يموت الإرهاب ويبقى الوطن"، وليسمح لي الأستاذ/ العبادي بأن أضع خطاً عريضاً تحت كلمة "مُعالجاً"..!

وقبل أن أدخل في عمق الموضوع سأتحدث قليلاً عن العنوان الذي جاء على صدر كتابه الصادر عن نادي الطائف الأدبي وهو العنوان نفسه الذي عنون به مقالاته وهو "ما هكذا يُكتب الشعر"، والذي كان ولايزال بحوزتي - أقصد كتاب أستاذي العبادي - إلى هذا اليوم..

حمل العنوان تعميماً مُطلقاً مفاده أن لا شعر سوى الشّعر الذي يجيء بجلباب بيتي (عمودي)، وأن كل من حاول تطريز هذا الجلباب ولو بذهب أو حاول الانسلاخ جزئياً أو كلياً سيُسحب من تحت قدميه بساط الشِّعر المتين الذي يمنحه الأستاذ العبادي!

لذا كان لزاماً على أستاذنا/ العبادي أن يعنون سلسلة مقالاته ب(ما هكذا يكتب الشعر البيتي (العمودي).

أعود إلى ما كتبه أستاذنا/ العبادي خلال حلقتين طويلتين من مقاله الذي حمل فتوى لغوية مدوية، ومعلومات عروضية يعرفها طلاب المعاهد العلمية وكليات اللغة العربية خلال دراستهم في السنة الأولى.. وسأبدأ بالقضية الأولى، وهي الفتوى المُدوية التي أطلقها أستاذنا/ العبادي خلال الجزء الثاني من مقاله (ما هكذا يكتب الشعر 2/2)، وكانت الفتوى حول صحة الجمع (سؤالات) التي وردت في عجز البيت:

وطني على شفتي نار وأدخنة

من السؤالات أنى رحت تلهبني

وهذا البيت من قصيدة لوالدي/ ابراهيم مفتاح بعنوان "يموت الإرهاب ويبقى الوطن".

يقول أستاذنا العبادي ما نصه:

(وأتجاوز عن الجمع للسؤال (سؤالات). والسؤال في اللغة العربية: طلب الصدقة، والحديث الشريف: "نهى عن كثرة السؤال"، ثم أطلقه المتأخرون لما يطلب من طالب العلم الاجابة عنه في الاختبار، وفي غيره من الأسئلة، والسؤال جمعه: أسئلة، ولا يجمع على سؤالات) انتهى. وهنا أقول: لنا أن نعرف أن الجُمَل التي فوق الخط من المنصوص السابق - التي أوردها الأستاذ العبادي - هي عبارة عن نقل تام من "المعجم الوسيط" - الطبعة الرابعة - مكتبة الشروق الدولية ص 411مادة: (السؤال)، وكان واجباً على أستاذنا/ علي العبادي أن يُشير إلى ذلك ولو بتهميش بسيط أو، على اسوأ تقدير، وضع المنقول السابق بين قوسين يعيدان الحق إلى أصحابه.

وعلى كل حال، أنا - هنا - أحاولُ الاقتداء بأستاذنا/ علي العبادي، حين انتقد وبشدّة أحد الذين جادلوه في رأيه، حيث استعان الكاتب برأي غيره في مسألة ما دون أن يُشير إلى مصدر النقل، هذا ما جاء في كتاب أستاذنا العبادي "ما هكذا يُكتب الشعر" - الجزء الأول، الطبعة الأولى 1425ه/ 2004م ص82، 83، إذ يقول أستاذنا:

إن (أحدهم) (هداه الله) نقل هذا الرأي بحروفه وجمله، ونسبه إلى نفسه، ونشره في جريدة الجزيرة في العدد المشار إليه، ليستعرض أمامنا، وينسب إلى نفسه رأياً لا يعرف كنهه ومعناه.. وإلا كيف يصرح في مقالته" انتهى.

وعلى كل، هذا لا يعنيني في شيء بقدر ما يفترض أن يعني الأستاذ/ العبادي، أما الذي يعنيني - هنا - هو قوله:

(ولا يجمع على سؤالات)!!!

وأقول لوالدي وأستاذي/ العبادي: كيف لا يجوز هذا الجمع وقد كَتب المؤلفون عشرات الكتب التي تحمل الجمع (سؤالات) كعنوان لها، ومن أهم وأبرز هؤلاء: الإمام أحمد بن حنبل - رحمة الله عليه - وسأورد لك وللقارئ العزيز أسماء بعض المؤلفات التي جاء في عناوينها الجمع (سؤالات):

@ اسم الكتاب: (سؤالات أبي داود لأحمد بن حنبل).

اسم المؤلف: الإمام أحمد بن حنبل.

دراسة وتحقيق د.زياد بن منصور.

الطبعة الأولى، 1414ه، مكتبة العلوم والحكم - المدينة المنورة.

@ اسم الكتاب: (سؤالات أبي بكر الأثرم لأبي عبدالله أحمد بن حنبل).

اسم المؤلف: الإمام أحمد بن حنبل.

تحقيق: خير الله الشريف.

الطبعة الأولى، 1422ه - دار العاصمة.

@ اسم الكتاب: (سؤالات ابن الجنيد لأبي زكريا يحيى بن معين).

اسم المؤلف: الإمام يحيى بن معين.

تحقيق: د. أحمد نور سيف.

الطبعة الأولى، 1408ه، مكتبة الدار - المدينة المنورة.

@ اسم الكتاب: (سؤالات الحاكم النيسابوري للدارقطني).

اسم المؤلف: علي بن عمر أبوالحسن الدارقطني البغدادي.

تحقيق: الدكتور موفق بن عبدالله بن عبدالقادر.

الطبعة الأولى، 1404ه، مكتبة المعارف - الرياض.

@ اسم الكتاب: (سؤالات حمزة بن يوسف السهمي للدارقطني).

اسم المؤلف: علي بن عمر أبوالحسن الدارقطني البغدادي.

دراسة وتحقيق: د.موفق بن عبدالله بن عبدالقادر.

الطبعة الأولى، 1404ه، مكتبة المعارف - الرياض.

@ اسم الكتاب: (سؤالات أبي عبدالرحمن السلمي للإمام الدارقطني في الجرح والتعديل وعلل الحديث).

اسم المؤلف: علي بن عمر أبوالحسن الدارقطني البغدادي.

ترجمة وتحقيق: أبوعمر محمد بن علي الأزهري.

الطبعة الأولى - دار الفاروق للنشر والتوزيع.

@ اسم الكتاب: (سؤالات أبي عبدالله بن بكير وغيره لأبي الحسن الدارقطني).

اسم المؤلف: علي بن عمر أبوالحسن الدارقطني البغدادي.

تحقيق: علي حسن عبدالحميد.

الطبعة الأولى، 1408ه، دار عمان - الأردن.

@ اسم الكتاب: (سؤالات أبي عبيد الآجري لأبي داود السجستاني في الجرح والتعديل).

اسم المؤلف: سليمان بن الأشعث أبوداود السجستاني.

دراسة وتحقيق: محمد بن علي قاسم العمري.

الطبعة الأولى، 1403ه، الجامعة الإسلامية، المجلس العلمي، احياء التراث الإسلامي.

@ اسم الكتاب: (سؤالات محمد بن عثمان بن أبي شيبة لعلي بن المديني في الجرءح والتعديل).

دراسة وتحقيق: د.موفق بن عبدالله بن عبدالقادر.

الطبعة الأولى، 1404ه، نشر مكتبة المعارف - الرياض.

@ اسم الكتاب: (سؤالات مسعود بن علي السجزي للحاكم أبي عبدالله محمد بن عبدالله النيسابوري).

تحقيق: د. موفق بن عبدالله بن عبدالقادر.

الطبعة الأولى، 1408ه - دار الغرب الإسلامي.

الآن، وبعد كل ذلك، هل لنا أن نسألك استاذنا/ العبادي كيف لا يكون الجمع (سؤالات) جمعاً صحيحاً؟!! كان ذلك عن قضية الجمع (سؤالات)، التي خطأها الأستاذ/ العبادي وهي صحيحة..

أما القضية الثانية جاءت في قوله:

(إلا أن الكسر قد لحق ثمانية أبيات منها، ولا أعرف السبب، لأن الشاعر ابراهيم مفتاح متمكن من شعره، وقد قرأت له قصائد فرائد، نالت اعجابي.. الخ) انتهى.

وهنا، سأتجاوزُ - راغباً - الجملة: (نالت اعجابي)

التي أتت في المقتبس السابق وما تومئ به من دلالات أكره وبشدة أن أسمّيها، وسأتطرق إلى قضية الكسور الثمانية، على حد تعبير الأستاذ/ علي العبادي، والتي أشار إليها في مقاله، وهل احتوت الأبيات - في حقيقتها - على كسور؟ أم أن هناك حقائق أغفلها أستاذنا العبادي لتصبح الأبيات مكسورة في نظر القارئ العادي؟ ولماذا حُجبت هذه الحقائق التي يُقرها علماء العروض بالاجماع؟ ثم لماذا تعمد الأستاذ/ علي العبادي تكرار الحالة الواحدة إلى ثمان حالات؟!!

السؤالات هنا كثيرة، وصارخة، وقبل أن أشرع في حديثي، أود أن أشير إلى ما أراه مهماً في هذا المجال، وهو: أن علم العروض علم مختلف عن سائر العلوم الأخرى التي نعرفها، فهو علم لا يستند - في حقيقته - على مسلَّمات طبيعية كالحقائق التي نعرفها عن هذا الكون مثلاً، ولا يستند - أيضاً - على نظريات ثابتة أو مبرهنة علمياً البتة، اضف إلى ذلك أن أسسه وقواعده لم تكن مقدسة في يوم من الأيام، وليست رسائل سماوية، إذ لم يكن "الفراهيدي" رسولاً، ولم يكن ولن يكون العروض قرآناً، وإنما هو محض استقراء قام به "الخليل بن أحمد الفراهيدي" لخط سير بعض القصائد الشعرية لمن سبقوه زمناً - ليس بالقصير - من الشعراء، وقراءة ما بأحرفها من حركات استنبط من خلالها الأوزان التي جمعها في خمسة عشر بحراً، وحين أقول إن الاستقراء تم على بعض القصائد فأنا أعني ذلك تماماً، وإلا لما استطاع تلميذه (الأخفش الأوسط) أن يضيف بحراً جديداً سمَّاه (الخبب) المعروف بالبحر المتدارك، لتصبح بعد ذلك بحور الشِّعر (المعروفة) ستة عشر بحراً. ومن هنا يتضح لنا أن القضية بكاملها قابلة وقابلة جداً للأخذ والرد، للاضافة والحذف، أو لنقل قابلة للاكتشاف والتطوير، سواء كان هذا التطوير في الايقاع الموسيقي كاضافة أبحر جديدة ستألفها الأذن مع مرور الزمن أو في الشكل والقالب نفسه كما حدث مع الموشّحات التي نشأت في أواخر القرن الثاني الهجري واستمرت إلى يومنا هذا، وكذلك قصيدة التفعيلة التي ولدت من رحم القصيدة البيتية، إذ تحررت من انغلاق البيت الشعري الذي يحكمه عدد مُقنن من التفاعيل في القالب العمودي إلى بيت شعري مفتوح على مصراعيه لا يحكمه عدد من التفاعيل، وقد أعلنت هذه البنية العروضية الجديدة الخروج إلى العامة بزعامة "نازك الملائكة" عن طريق نشرها لقصيدتها (الكوليرا)، القصيدة التي جعلت "نازك" رائدة الشعر الحر أو شعر التفعيلة، بيد أن بعض الآراء ترى بأن رائد هذا القالب العروضي هو "بدر شاكر السيّاب" لكتابته قصيدته المعروفة (هل كان حباً) قبل نازك الملائكة..

الحديث هنا يطول ويطول ويطول وما من داع لاسترسالي في هذا الجانب أكثر من هذا.

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة