الرئيسية > شباب

لكي تكونوا أحراراً،، فكروا في أفكاركم


يحيى الأمير

اكتسب الحديث عن الحرية والطموح باتجاهها حالة من المجابهة مع الثقافة التقليدية، ذلك أن الشكل الحالي لفكرة الحرية، لم يعد يرتبط سوى بدلالات الانفتاح التي جوبهت بحشد كبير من الرفض والتخويف والتحذير، وباتت الحرية أقرب ما تكون إلى مرادف للغرب، الذي بدوره لازال محصوراً في كثير من الأذهان على أنه انحلال، وأخذت عمليات التخويف والحديث غير المنطقي الذي ساهم في خلط كثير من القيم عبر حصرها في مظاهر منفرة (خذ قيما كالتطور والتغير والانفتاح والعولمة) وتولت الخطابات غير المسؤولة والتي تفتقد لأقل درجات العلمية تولت تشويه وتسويق تلك المفردات حتى فقدت قيمتها واكتسبت دلالاتها الجديدة المحبطة.

الحرية في التفكير هي التي وقفت كثيراً خلف ما حدث من هداية وعدول عن الطريق غير القويم وتحولات جيدة حدثت في حياة كثير من الشباب الذين ظلوا لفترات طويلة يرون أن ما هم فيه هو الصواب المطلق، وأن ما عدا ذلك ضلال وغواية وانحراف وتزييف، وحين كانوا يقولون بهذا الرأي فلم يكن ذلك مكابرة، لقد كان عن قناة كبرى، ذلك أن الخيارات المطروحة لديهم لا تحمل أي احتمالات أو تعدد في اتجاهاتها، وما يحدث هو تعصب للأوحد لا لقناعة به بل لجهل مطلق بغيره، جهل ناتج عن مشكلة في التأصيل والتأهيل التربوي، وفي الأدوات التي يتم بها التفكير في الحياة والمواقف الثقافية والاعتقادية والتي لا تترقى إلى درجة نقد ما عليه الفرد من أفكار، أو حتى مجرد التفكير في أفكاره، تلك الحالة تأخذ أبعاداً يستعصي معها التأثر، حين تحتد مسألة اليقين المفرط فيما هو قائم، لتحاور بأدواتها البدائية والعنيفة كل ما عداها، وبالتالي لا تصبح المسألة فقط تحصنا من التأثر بل ومجابهة مطلقة وقوية لكل ما يسعى للتأثر أو يحول الثابت إلى متحول وغير ثابت.

القراءة بحرية، تلك هي العامل الأبرز الذي يبدأ في تنظيف آلية التفكير من كونها آلية تصديق واقتناع لتصبح آلية بحث ونقد وإعادة نظر، والذين خرجوا من دوائر الظلام والحدة والعنف إلى النور والعقل والحياة أسألهم عن أبرز ما مروا به فستجد في الغالب كتابا أو باحثاً مؤلفا كان لنظرياته وأفكاره تأثيرها المجدي لا في الإقناع أو التحول، كلا، فقط في تنظيف أداة التفكير وإعادة الحيوية إليها لتصبح أداة تفكير حقيقة.

في الأسبوع الماضي نشرت إحدى الصحف حواراً مع أحد كتاب الإنترنت الذين ظلوا طويلاً وهم مرتهنون لخطاب واحد ورأي واحد، وصلت القناعة به إلى الدرجة التي بات معها نبذ كل ما عداه يتم بجدة وعنف لفظي مفرط، بدت صورته الأنيقة وعقاله الذي ينتصف رأسه وابتسامته الآسرة تنبئ عن لطف اختفى كثيرا وراء نقرات الكيبورد، واللغة العنيفة التي صبغت مقالاته وخصومه الذين كانوا يتزايدون يوما بعد آخر، لكن الحوار يوضح أمراً هاما للغاية، فكل ما قام به الأستاذ حسن مفتي أنه فكر، فقط، دون أن يكون تفكيره مجرد برهان على ولائه لأفكاره القائمة لديه كما هو حال التفكير التقليدي، لقد فكر بحرية، وتحدث بحرية، وبدأ نموذجاً جيداً للشباب المسلم الذي يؤمن بأفكار الجهاد والعدالة، وفق إيمانه كذلك بقيم الحياة وتحولات الظروف، وأخذ يمارس النقد بحكمة، ويعتذر بحكمة كذلك، يقول: (لا يعنيني العالم الخارجي بقدر ما يعنيني الرضا عن الذات، والعالم الخارجي إن كان موضوعياً فسينظر لي نظرة موضوعية، لأنني ولله الحمد لا أحمل حقداً على أحد، وإن كانت مقالاتي حادة إلا أن حدتها تنتهي بانتهاء المقال، ولو قابلت خصمي في الشارع لما ترددت في السلام عليه طالما أن ديننا واحد!).

والذين لا يفكرون، ولم تتحرر أدوات التفكير لديهم لا يمكنوا أن يتحدثوا عن أن العالم الخارجي لا يعنيهم، خاصة وأن عوالمهم هي التي تشكلهم وتمنحهم الشرعية، خاصة وأن التفكير الحر هو بداية الانتباه للذات ومنحها حقها وبداية الوعي بقيمة الفرد، وشروط حركته وسط الجامعة، لا شروط استجابته لهم والسعي لإرضائهم، وهو ما جعل حسن مفتي يقول: لو قابلت خصمي في الشارع لما ترددت في السلام عليه طالما أن ديننا واحد.

ويجيب عن سؤال بأنه لو عاد لعلمائه وأساتذته، هل كان سيكتب مثل ما كتب من قبل؟ ويجيب:

(بالطبع لا، ولذلك وقعت في مآزق كثيرة بسبب الصدور عن رأيي وحدي، وهذا خطأ أتمنى أن يحذر منه الكتاب أوالشباب في كل الاتجاهات)، تلك إجابة من يمتلك رأيه الحر، ذلك أن سطوة الجامعة والتي تعد العامل الأبرز في تكبيل حرية التفكير لا يمكن أن تعيد حسن مفتي وهو قاص وكاتب متمكن من أن يودع حريته التي منحها الله له ولغيره في قفص من الحماس الذي كلما اشتد كلما غاب حسن وظهر آخرون.

ربما إن أجمل مالدى الأستاذ حسن الآن أنه بدأ يشعر إلى أي درجة كم هو ممتع ومطئمن أن يكون المسلم حرا ووطنيا، وصادقا مع نفسه أولاً، لأن أولى خطوات الحرية أن يلتفت الفرد إلى ذاته.

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة