الرئيسية > ثقافة الخميس

القبيلة والمجتمع (قانون: الأفعل هوالأفعل)


عبدالله محمد الغذامي

هناك قانونان مهمان هما: قانون التعارف وقانون (الأفعل هو الأفعل). أحدهما وجداني (اجتماعي، والآخر عملي) عقلاني.

وهما قانونان نأخذهما من الآية الكريمة، ففي قوله تعالى (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير) في ذلك تحديد لعلة الخلق والتقسيم الفئوي، وهو قانون التعارف، ثم يليه قانون الأفعل هو الأفعل.

وعلة التعارف هذه تقوم على مفهوم وجداني هو شرط للمعاش البشري بما إنه جوهر البنية الاجتماعية، وفي الثقافة العربية تأسيس قوي لهذا المفهوم فالشاعر الجاهلي (المثقب العبدي) يقول:

أكرم الجار وأرعى حقه

إن عرفان الفتى الحق كرم

ومثله قال الحطيئة بيته المشهور:

من يفعل الخير لا يعدم جوازيه

لا يذهب العرف بين الله والناس

وفيهما تأسيس دلالي على معنى التعارف حيث إن التعرف على الحق وعرفان الحقيقة الاجتماعية في التعامل الكريم مع الجار هو المعنى الأكيد الذي يطرحه الشاعر برعاية الحقوق وعرفانه بها، مثلما أن العرف - بضم العين - هو الجود وهو رابط اجتماعي له قداسة وقيمة تأصيلية تجعله خيط وصل أخلاقي بين الناس ويترقى بالصلة العليا مع رب الناس، ولقد جاء بيت الحطيئة وسط قصيدة هجاء أقذع فيها بسب الزبرقان، ولكن وسط قبح الهجاء وجد نفسه في مواجهة مع الحقيقة الكلية في قانون التعارف وجاء هذا القول الجميل من بين ركام القبح، وبذا يتغلب قانون الحق على نسق النفي.

وفي قانون التعارف بناء اجتماعي وجداني وأخلاقي، ولذا تتقدم قيم السلوك حتى يصير الرجل المتوسم لسيماء التعارف والمعرفة بمقام الرأس ويسمى عريف القوم، وكلمة العريف هنا سمة قيمية تجعل حامل هذا اللقب في مقام رمزي لأنه يحمل معاني التعارف الاجتماعي ويتمثلها.

وهي من أقوى معاني السمو الاجتماعي ولذا قال شاعرهم (طريف العنبري):

أو كلما وردت عكاظ قبيلة

بعثوا إلي عريفهم يتوسم

فتوسموني إنني أنا ذاكم

شاك سلاحي في الحوادث معلم

والعريف هنا هو حامل المعرفة وعين الثقافة وممثل رمزية القيم، ومما يعطي هذه المعاني رفعة في الرمزية القيمية ما ورد في التراث عن سبب تسمية (عرفة) بهذا الاسم حيث تواترت الروايات عن أنها هي المكان الذي تقابل فيه آدم مع حواء فعرفها، وهناك ابتدأت مسيرة البشرية ونشأ نسل بني آدم من لحظة تعارف أزلية وصار المكان عرفة، وصار هذا المكان ذا قدسية خاصة ومحجة للمؤمنين يلبون فيه نداء ربهم وهو يوم الحج الأكبر، حيث يتجرد البشر من خطاياهم ويلبسون البياض ويتعرفون على مكامن أرواحهم وتتكشف لهم الحقيقة الذاتية بكل ما فيها من شوائب، ويسعى كل إلى تطهير ذاته في لحظة التعارف الكبرى هذه، وهناك يحدث التعارف الأكبر وفيه تتحقق صيغة القانون الثاني، وهي: الأكرم هو الأتقى، الأفعل هو الأفعل، أي أنها اللحظة والمكان الذي يصير فيه البشر على حد سواء ويكون التعارف على أقوى درجاته فالذي لا يعرف أحداً في ذلك المكان ولا يعرفه أحد يكون في حال من الضياع التام، بينما تكون المعرفة في ذلك الموقع وفي تلك اللحظة الزمنية بمثابة تكرار للحظة اللقاء الأولى بين آدم وحواء وهما الذكر والأنثى اللذان خلقنا الله منهما وقد تلاقيا بين يأس وخوف، واليأس والخوف شعور بشري عميق وشديد المعنى وهو حس يتكرر بصيغ متنوعة كلما وقف واحد من بنيهما وبناتهما في هذا المشعر العظيم وتتجلى لنا فيه القيم العميقة لمعنى التعارف في مكان التعارف الأول والأعمق الذي حمل معنى التعارف ورمزيته فصارت (عرفة).

التعارف - إذن - قيمة وجدانية اجتماعية صار علة لنظام الخلق وتقسيمات الناس، ولذا فإن كلمة المعروف هي من أقوى كلمات اللغة مفعولية في وصف علاقات الناس بالناس، وكل ما هو خارج المعروف سيكون خارج إطار التبادل الاجتماعي ونظام العلاقات البشرية، وهو نظام دلالي عريض يشمل الجانب النفسي حيث العرف - بكسر العين - تدل على الصبر والقدرة على مكابدة الظروف بما إن ذلك تدريب تربوي على التعامل مع الحياة، مثلما تدل الكلمة على دلالات حسية جمالية، فالعرف بفتح العين هو الريح الطيبة، ويقال امرأة حسنة المعارف أي حسنة الوجه وكلمة المعارف تعني الوجوه بشكل عام، ويقولون حيا الله المعارف، أي الوجوه.

هي كلمة مركزية في وصف علاقات البشر بالبشر وفي رسم سلوكهم الاجتماعي والوجداني ولذا صارت قانونا اجتماعياً يمثل علة بنيوية في تركيب الحياة الإنسانية وهذا ما يوضح لنا علة خلق الله لنا على شاكلة فئات وتقسيمات تحمل تسميات متعددة كالشعوب أو كالقبائل، وكل ذلك من أجل غاية تداولية هي التعارف بما يحمله من تجليات متنوعة، وهذا هو ما سميناه بقانون (التعارف).

ونأتي إلى القانون الثاني، وهو قانون: الأفعل هو الأفعل، وهو ما نفهمه من قوله تعالى: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، ولقد أورد الزمخشري في الكشاف رواية لقراءة أخرى للآية بفتح الهمزة: أن أكرمكم عند الله أتقاكم، وقال في معناها، كأنما هي إجابة علِى سؤال مفترض عن التفاخر بالأنساب، إذ بعد أن تحددت علة جعلنا شعوبا وقبائل وهي التعارف كأن سائلاً سأل: ولم لا نتفاخر بالأنساب كان الجواب: أن أكرمكم عند الله أتقاكم، أي إن العلة هي لأن الأكرم هو الأتقى - الكشاف

569/3.وفي القراءتين سيكون المعنى دقيقاً وواضحاً، ولم يتجاور القول عن القبائل والشعوب مع القول بأصل الأكرم الأتقى إلا لتأكيد قانون العمل بعد أن تأكد القانون الوجداني في التعارف، وقانون العمل هو قانون عقلاني كلي، والذي يفعل وينتج ويكون عنصراً إيجابياً على المستوى الإنساني والبشري هو الأكرم.

ولن يفوتنا المعنى العميق لاختيار كلمة الأكرم، حيث الكرم هو القيمة العليا في سلم الفضل الاجتماعي والناس تحب الكريم وتبجل قيمة الكرم وما من قبيلة أو شعب إلا وللكرم عندهم دلالة خاصة، وبما إن الكرم قيمة ثقافية بشرية عامة وشاملة فإن المفاضلة سوف تكون واحدة من مستلزماته، ونحن نعرف مدى تفاخر القبائل بكرمها ومدى تغني الأشعار والحكايات به، وما تعشق الناس أفراداً وجماعات بأن يوصفوا به، وهذه صفة هي من المعلوم عند الله العليم الخبير وهو يعلم حب خلقه لهذه الصفة ولذا اختارها هي على وجه التحديد ليجعلها قانونا للمفاضلة، وإن تفاضل الناس بها لأسباب تشوبها شوائب المباهاة الثقافية فإن الله جل وعلا قد جعل هذه الصفة تحديداً في جوهر السلم التفاضلي وجاءت الآية لتضع الشعوب والقبائل في مواجهة مع أهم قيمهم الثقافية ليروا أن هذه القيمة لا تسمو ولا تتم إلا إذا صارت قانونا في العمل والإنتاجية السلوكية والخلقية فتكون للتقوى وليس للمباهات، وتكون الأفعل بما انها منظومة عقلانية عملية وسلوكية، ويبقى للشعوب والقبائل حقها الطبيعي في تنظيم معاشها حسب قوانين بنيوية كضرورة حياتية مبدؤها التعارف، بكل معانيه وتجلياته، ولكن هذا بما إنه قانون وجداني (اجتماعي لا يكتمل إلا بقانون عملي) عقلاني، وهو أن الأفعل هو الأفعل. وهذا هو الثراء النفسي القيمي الذي هو بناء للنظام الأخلاقي وللنظام المعاشي للثقافات والأفراد قبائل وشعوبا.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 10

  • 1
    في فقه كلمة التعارف ومدلولاتها اللغويه و الاجتماعيه وقانونبة المسلك الاجتماعي للكلمه فهل هي قيمه اجتماعبه اختياربه ام انهاضرورة حياه واجبة التنفيذ يفرضها الواقع الحياتي لللافراد الجماعات ؤالمثل الشعبي يقول (جنه ما فيهاناس ماتنداس ) وان كان للكلمه (تعارف) فاعليه سلوكيه وآليه لتنفبذها فأن اول تلك الآليات السلوكيه هي التعاون (.. وتعاونوا علي البر والتقوي..ولا تتعاونوا علي الاثم والعدوان..) (..ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر..)

    ابراهيم ابوجهاد - زائر

    08:35 صباحاً 2007/04/05


  • 2
    كان ابن عائشة القرشي يقول : الروم أبخل الأمم..وليس للجود عندهم اسم.. والزنوج أطرب الأمم.. وليس للهم عندهم اسم... والترك أعذر الأمم وليس للوفاء عندهم اسم..

    وصل الحربي-طيبة الطيبة - زائر

    09:23 صباحاً 2007/04/05


  • 3
    بالرغم انني لم افهم كثير من التفاصيل الفلسفية هنا ولكنني فهمت الفكرة المطروحة وبشكل جعلني اقتبس من المقال توقيع شخصي ولكن مع بعض التعديل...بعد اذنكم
    كثيرا مااتساءل من هم الاشخاص المؤثرون فعلا والذين يحركون بتاثيرهم كل ماحولهم !!
    اهم اولئك الناس الذين يملكون حس حضور قوي ومقدرة غريبة على صناعة الاحداث اليومية بتعاطفهم مع الجميع وتحركهم السريع...والذي لايقوده اي تخطيط مبق سوى انه جزء من طبيعتهم الانسانية ولكون ادق طبيعتهم المجتمعية القبيلة..
    ام اولئك الذين ان اتوا لم يلفت اليهم وان غابوا لم يسال عنهم يعملون بصمت بدون عنوان كبيرة هدفهم إصلاح البشرية..ينطلقون من إيمان راسخ لاعناوين بارقة له ولاادل عليه سوى طويتهم الحسنة وحبهم للخير للبشرية منطلقين من مبادئ وقيم الالام التي نزلت لتكون قيم الانسانية جمعاء...لايتركون ولايتعايشون مع الاحداث اليومية ولكنهم يتركوناثر عميق في الاشخاص الذي يصنعون الاحداث اليومية...
    فمن منهم اكثر اثر وصناعة للتاريخ؟؟
    قراتلك كتاب واحد فقط حكاية الحداثة...وبصرحة لم اتفاعل مع كاتب قط كما تفاعلت معك...وان كنت في الغالب اتفاعل مع كل كتاب أقراه ولكن لأول مرة اتفاعل مع الكاتب بهذا الشكل برغم اني لم اوافقه على كل ماكتبه..ولكن اليس في طبيعة اختلاف البشر..سبب للتدافع الذي يولد التطور والابداع!!
    سلمت مرة اخرى وسلم فكرك ووعيك!!
    تلميذة!

    لطيفة الخالدي - زائر

    09:48 صباحاً 2007/04/05


  • 4
    القصية ميدانها شعبي.
    د. عبد الله
    أنت تتحدث عن نسق ثقافي يتغلغل بصورة أكبر في البيئة الشعبية، فهل أنت تغرد للنخبة، ولاتولي الشعبي مايستحقه.
    فتهمل القضية شعبيا وتتولاها نخبويا ؟
    أظن أنه يصدق على طرحك (الرائع) بروز الشعبي وسقوط النخبوي.
    لك تحياتي

    محمد بن زيدان - زائر

    10:00 صباحاً 2007/04/05


  • 5
    يا أخي الناس لهم سنين طويلة على هذه التركيبة خلهم على وضعهم ترا أحسن في رايي.

    ابو عثمان - زائر

    10:18 صباحاً 2007/04/05


  • 6
    ... وشرط آخر مهم للمعاش البشري، في سياق الاحالة الى النص الديني، وهو الأمر بالمعروف ك " قيمة "، بغض النظر عن الجدل حول النسبى والمطلق في الموضوع " كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف.. الخ " وذلك كحجر أساس لارساء نوع من التعايش " المثالي " بين البشر " المتعارفين قبلا أو الذين هم بصدد التعارف.."، في سعي أبدي نحو السعادة، والتي كانت في، البدء، غاية بشرية واستمرت كذلك ولا تزال بافتراض قيمة محددة " الأمر بالمعروف "ضمن منظومة طويلة من القيم.. وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله.. الخ، وكلها تتعلق بالاتفاق، ضمن سياق " ثقافي " و "اجتماعي "، على ماهو " مقبول " وليس بالضرورة "مطلوب" رفعا للحرج، وتماهيا مع ضعف الانسان... وتضمين الخيرية في أفعل التفضيل هنا أمر بالغ الدلالة وذلك في تأسيس غير مسبوق لشمولية في المفاهيم لا تتعارض بالضرورة مع نسبية لا سبيل الى تجاهلها في الأفهام..

    علي الحميضي - زائر

    10:30 صباحاً 2007/04/05


  • 7
    يااخوان الأمم تتنافس في التقدم، وأنتم لازلتم تناقشون ( هل كل الناس متساوون في بشريتهم وأهليتهم أم لا ؟)
    بالمناسبة أثناء عصور الظلام الأوربية كانوا يتساءلون هل المرأة مكتملة الإنسانية أم لا ؟
    هل نحن نبدأ من حيث بدأوا ؟ وهل نحتاج من الزمن نفس المسافة الفاصلة بين عصرنا الحاضر وعصور ظلامهم ؟
    أسئلة يجيب عليها الراسخون في العقلانية

    محمد أبو مهند - زائر

    01:29 مساءً 2007/04/05


  • 8
    السلام عليكم
    حيٌاك ربي يا دكتورنا القدير.. وعسى الله يوفقك لما تريد
    أنا متابع لك من البداية...شيء جميل أن نتناقش في أمور حساسة ومهمه لنا
    كمجتمع شرقي عربي ! (( وبشكل علمي مدروس ))
    _
    ردي للأخ واصل الحربي :
    نسيت تكمل جملتك والعرب أيضا ً أمه كلاميه (( الأفضل ف الشعارات ؟؟ )) !!!
    بغض النظر عن إيجابياتنا كأمه عربيه من شجاعة وكرم وجود - وهذا محل فخر لنا.
    لكن ما يستوجب التعالي على باقي الأعراق
    لا فرق بيننا وبين باقي الاعراق..
    وهذا ما وصنا به المصطفى علية الصلاة والسلام..

    بندر الحسين - زائر

    02:44 مساءً 2007/04/05


  • 9
    السؤال قبل القرار
    المشكلة أن السؤال عند البعض عن الاسم ليس للتعارف، بل ليقرر هل يحترمك أم لا ؟
    فاحترامك ليس على أساس الكفاءة الشخصية وإنما حسب انتمائك، ومن أي القسمين أنت ؟
    بل إن هؤلاء البعض لم يسعهم التقسيم القرآني (شعوبا وقبائل ) فاخترعوا قسما أو أقساما أخرى إمعانا في إيجاد الهوة، وتاكيدا للتمايز الفئوي، فأعطو أنفسهم قبائل ونفوا عن غيرهم شعوب لأن المفردة ربما لاتحقق هدف الفئوية والتمايز والتفاضل الذي أكد القرآن ارتباطه بالتقوى
    لذا يأتي السؤال ( من البعض ) لمن ترجع ليس بهدف التعارف وإنما لينظر هل تستحق الاحترام أم لا؟

    خالد بن إبراهيم - زائر

    05:08 مساءً 2007/04/05


  • 10
    كل ما فوق التراب تراب.

    ناصر محمد - زائر

    06:02 صباحاً 2007/04/06



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة