الرئيسية > ثقافة الخميس

"الاستشراق" لإدوار سعيد بين كمال أبوديب ومحمد عناني



بيروت - مكتب "الرياض" - جهاد فاضل:

حدث ثقافي بالغ الأهمية حصل مؤخراً في القاهرة. فقد صدرت ترجمة جديدة لكتاب ادوار سعيد: "الاستشراق - المفاهيم الغربية للشرق"، مختلفة كلياً عن الترجمة الأولى للكتاب، التي صدرت في التسعينيات بقلم الباحث والناقد السوري الدكتور كمال أبوديب. قام بالترجمة الجديدة أكاديمي وباحث مصري معروف هو الدكتور محمد عناني الذي نقل إلى العربية لإدوار سعيد، وقبل هذا الكتاب، كتابين أولهما "تغطية الإسلام"، وثانيهما "المثقف والسلطة".

أما لماذا تؤلف هذه الترجمة الجديدة لكتاب "الاستشراق" حدثاً ثقافياً بالغ الأهمية، فلأن الترجمة الأولى التي اضطلع بها أبوديب جاءت صعبة إن لم تكن بالغة الصعوبة والتعقيد أشكل فهمهما على كل من قرأها. وإدوار سعيد نفسه في الفصل الأخير لكتابه الاستشراق الذي وضعه للطبعة الثانية من هذا الكتاب، وبعد صدور الترجمة العربية لأبوديب، يصف هذه الترجمة بالخلافية، ويعدد ملاحظاته عليها. ويقول "إن أهم ما أنجزه أبوديب في ترجمته التي اجتهد فيها اجتهاداً كبيراً تجنبه شبه الكامل للتعابير الغربية المعرّبة، إذ أنه يترجم بعض المصطلحات الفنية مثل الخطاب، أو المحاكاة، أو النموذج، أو الشفرة، في إطار البلاغة الكلاسيكية للتراث والتقاليد العربية. وكان يرمي بذلك إلى أن يضع كتابي داخل تراث اكتمل تشكيله. فكأنما كان يخاطب الآخر من منظور التكافؤ والمساواة الثقافية. وكان المنطق الذي يستند إليه في ذلك هو اثبات إمكانية تقديم بحث نقدي معرفي في إطار التراث (العربي) مثل تقديمه في إطار التراث والتقاليد الغربية" (ص 502- 514).

ما عدا هاتان المرتان اللتان يرد فيهما ذكر أبوديب في الكتاب، وبقلم إدوار سعيد نفسه، فإن محمد عناني تجاهل أبوديب تماماً في ترجمته، فلا يرد اسمه لا في المقدمة الطويلة نسبياً التي وضعها عناني للكتاب ( 26صفحة) ولا في أية صفحة من صفحات الكتاب. ولو أراد ذلك لقارن مثلاً بين ترجمته لهذه العبارة وبين ترجمة أبوديب. والواقع إن ترجمة أبوديب اعتمدت النص الأول للكتاب كما صدر لأول مرة. في حين اعتمد النص ترجمة عناني على نص آخر له نقحه إدوار سعيد وأضاف إليه الفصل الأخير، أو ما سمّاه عناني بالتذييل. وهذا النص لكتاب الاستشراق عن دار بنغوين العالمية عام 1995م.

على أن محمد عناني وإن لم يذكر كمال أبو ديب بالاسم في مقدمته للكتاب، فقد ذكره ضمناً، أو بصورة غير مباشرة عندما تحدث عن الأسلوب الذي توسله في الترجمة. فما قاله في هذا الصدد أن المترجم - كما يفهمه - مفسّر، ومعنى التفسير هو تحويل الفكرة إلى لغة العصر. وبذلك يقترب التفسير اقتراباً كبيرا من مفهوم الشرح. (ص14)، والمعروف أن الملاحظة الأساسية التي وُجّهت إلى ترجمة أبوديب هي انغلاقها وعدم قدرة القارئ العربي على الإبحار فيها، أو على فهم النص الأجنبي المترجم.

ويضيف محمد عناني "إن مهمتي في ترجمة "الاستشراق" انحصرت في أمرين: الأول هو النقل الواضح لأفكار إدوار سعيد مهما كلفني ذلك الوضوح من عناء في إعادة موضوع بعض التراكيب الخاصة باللغة الإنكليزية حتى تستسيغها الأذن العربية. والثاني هو الحفاظ - في حدود أعراف الفصحى المعاصرة - على السمات المميزة لأسلوب إدوار سعيد، حتى يظل أسلوب الكاتب علما عليه بالعربية، مثلما هو علم عليه بالإنكليزية، وهما أمران متلازمان" (ص15).

ويقول محمد عناني إن مذهبه في الترجمة أقرب إلى "التقريب" منه إلى "التغريب". فليس الهدف هو تقديم صورة مقلوبة للنص الأصلي بحيث تقرأ من اليمين إلى اليسار بدلاً من العكس، ولكن صورة صادقة للأفكار التي يوردها الكتاب وقد اكتست أسلوباً عربياً، بمعنى أنها أصبحت تمثل ما يفهمه قارئ اليوم في هذا الكتاب معبّراً عنه بكلمات عربية واضحة.

وربما لهذا، يقول محمد عناني، لم اقرأ ما سبق من ترجمات لادوار سعيد (يقصد بالطبع ترجمات الآخرين وفي طليعتهم كمال أبوديب) لانها، حتى لو كانت حسنة، تمثل ما فهمه غيري، وفي غير هذه اللحظة، من الكتاب، او ما عبر عنه غيري بألفاظ أو بأساليب قد لا تحمل المعنى نفسه لقارئ اليوم، فكل ترجمة تحمل طابع صاحبها، وهو قول لا يقتصر صدقه على الترجمات الأدبية التي "تمثل" الى حد بعيد مفهوم المترجم الخاص للنص وطرائقه في التعبير عما فهمه وقدرته على البيان، مثلما "تمثل" استجابة الجيل الذي ينتمي اليه، أو العصر الذي نبت فيه، لكل نص من النصوص الأدبية التي تتغير صورها بتغير المترجمين وتغير الأجيال.

ما الذي يعنيه محمد عناني "بالتقريب"؟ انه يعني بذلك اضفاء طابع الألفة على الأفكار والصور حتى يتقبلها قارئ الترجمة في اطار مفاهيم لغته وأساليبها البيانية.

أما "التغريب" فإنه يعني عنده الاحتفاظ بالمذاق الأجنبي للنص الأدبي حتى يظل أجنبياً، بمعنى عدم الانتماء إلى أدب اللغة المنقول اليها وخروجه عن اطارها، والسبب الذي جعل محمد عناني يرفض التغريب هو انه، بنظره، منهج قد يصلح للترجمة فيما بين اللغات الأوروبية التي تنتمي بصفة عامة إلى ثقافة متجانسة، ولا يصلح لسواها، وهذا المذهب لا يقتصر عنده على ترجمة النصوص الأدبية، بل يتعداها إلى النصوص الفكرية المتخصصة، بل هو أشد ما نحتاج اليه عند ترجمة هذه النصوص التي قد تحمل أفكارا فلسفية عويصة يصعب على القارئ متوسط الثقافة استيعابها فور قراءتها، وقد تتطلب منه اعادة القراءة، فالانتماء الصادق الى التراث العربي هو الذي يمكن المترجم من النطق بلسان عربي مبين "وكنت اهتدي في مسلكي بكبار اساتذة جيلنا الذين قدموا لنا اعوص الافكار باسلوب سلس واضح: من أحمد أمين ولويس عوض الى محمد فريد ابوحديد وزكي نجيب محمود، بل وصاحب الاسلوب التلغرافي البالغ الوضوح والتأثير سلامة موسى، فلقد بين لنا هؤلاء ان الترجمة مثل الكتابة تقتضي بذل الجهد في التغريب والايضاح لا التغريب والتعمية.(ص 18).

بمثل هذه الكلمات يرد كمال ابوديب في مقدمة محمد عناني للترجمة الجديدة التي قام بها لكتاب ادوار سعيد (الاستشراق) الى اللغة العربية فهو ينتقد اسلوب ابوديب في الترجمة دون ان يسميه، وهو يقدم نفسه للقارئ على أنه مترجم مفسر، وعلى أنه ينقل أفكار ادوار سعيد الى العربية نقلا واضحاً.

بقي أن نشير الى أن الفصل الأخير من الكتاب، وهو الفصل الذي أضافه سعيد الى الطبعة الثانية أو الأخيرة في كتابه، في هذا الفصل يناقش سعيد عدداً من المفكرين الذين أخذوا مآخذ شتى على كتابه، ومنهم المستشرق اليهودي المتحمس ليهوديته والمعادي أشد العداء للعرب والمسلمين برنارد لويس، يهاجم سعيد برنارد لويس هجوما عنيفا في هذا الفصل، ومما قاله فيه ان له قدرة فذة على الخطأ في كل شيء يقوله تقريبا.. "وهذه بطبيعة الحال صفات مألوفة في سلالة المستشرقين، وإن كان بعضهم يتحلى، على الأقل، بالأمانة في التعبير عن تحقيره للشعوب الإسلامية وغيرها من الشعوب غير الأوروبية. الا لويس! انه يمضي في تشويه الحقيقة، وفي اقامة القياس الفاسد، وفي التلميح، في المناهج التي يكسوها بقشرة من سلطة من يعلم كل شيء، ويتحدث بنبرات هادئة واثقة، ويفترض أن ذلك كله من سمات الباحثين".

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة