الرئيسية > ثقافة الخميس

الحب في الرواية المحلية 2-2

محمد العباس: هناك روايات تتخذ من الواقعة العاطفية خلفية لجملة من الأحداث السياسية والإجتماعية


طامي السميري:

في الرواية الحب لا يأتي وحده.فكل علاقة عاطفية يكتبها الروائي لها دلالتها ورموزها ومرجعيتها.ففي رواية البحريات كانت هناك أكثر من علاقة حب.وكل علاقة تحمل خصوصيتها وملامحها، متعب المثقف اليساري تعاطى مع الحب بشكل مختلف عن سعاد البحرية.بهيجة كانت تسكن قلب الصحراوي صالح ايضا بشكل آخر.وعن علاقة الاخر بالاخر نجد علاقة عمر الحضرمي برحاب،ونجدها في رواية جاهلية "مالك، لين" .وفي رواية هند والعسكر نجد أن ممارسات الحب تأخذ ملامح مغايرة بحسب المرحلة الزمنية لشخصيات الرواية.فيتدرج المكان العاطفي من لقاء خاطف عند باب المنزل الى لقاء في مطعم فآخر.وفي روايات عبده خال نجد سيطرة الحب المازوشي على الشخصيات العاشقة.بينما هناك اكثر من رواية تقدم ملابسات الحب عند الشريحة المثقفة كما نجده في رواية القارورة نموذج منيرة الساهي ،وسمية في رواية أمل الفاران روحها الموشومة به. وفي بنات الرياض نجد الرؤية الشبابية التي تعيش الحب بشكل مختلف.وتختلف صياغة تلك الروح لدى علوان الذي يقدمها في رومانسية طاغية ولعبت اللغة الشعرية دوراً في ذلك.كما أن تركي الحمد دون في أزقة الاطياف المهجورة حالات مختلفة في العلاقات العاطفية الروائية ولعب الجسد محورا مهما في تلك العلاقات.بينما نجد قماشة العليان تقدم الحب برؤية كلاسيكية يتناسب مع رؤيتها في الكتابة.وكذلك يظل الجسد هو المؤسس لكل علاقات العاطفية في روايات زينب حفني.

ومع تعدد النماذج العاطفية الروائية يأتي السؤال. هل استفاد الروائي السعودي باستثمار المناطق السرية في المجتمع واستطاع توظيفها في نصه الروائي. وذلك ليس على سبيل الفضح وملامسة المسكوت، ولكن التعاطي مع هذه التناقضات بشكل كتابي فني ؟ اجابة هذا السؤال والرؤية المتعددة لموضوع الحب في الرواية المحلية. نجدها في اجابات :محمد العباس،بدرية البشر،مليحة شهاب.

الناقد محمد العباس:لا توجد رواية خالية من ثيمة الحب، فرواية "ستر" لرجاء عالم مستزرعة بقصة حب بين مريم وبدر. ورواية "القارورة" ليوسف المحيميد "تقوم على حكاية حب بين منيرة الساهي وعلي الدحّال. وفي رواية" "كائن مؤجل" لفهد العتيق تتسلل أميرة في ثنايا السرد كمعشوقة مؤجلة لذلك الكائن الذي سرق لسانها ليتحدث بالنيابة عنها. وفي رواية "نبع الرمان" لأحمد الشويخات ثمة لقطة عشقية عنيفة بين سلوى اللبناوي وعباس الخاسر، وهكذا يستدعى الحب على الدوام لترقيق السرد أو تمديده في أنساق الرواية لمماهاة الشكل الأمثل للحياة.

ولكن هذه الروايات لا تقدم الحب كثيمة جوهرية رابطة لعناصر السرد، فهي تتخذ من الواقعة العاطفية خلفية لجملة من الأحداث السياسية والإجتماعية، بالنظر إلى كونها مكتوبة بروح بنائية، بينما يحتل الحب المساحة الأكبر في روايات مثل "سقف الكفاية"" لمحمد حسن علوان. ورواية ليلى الجهني "الفردوس اليباب" ورواية رجاء الصانع "بنات الرياض" كما يلعب دورا مركزيا يتحرك بموجبه النص، فهو القيمة المهيمنة بالمعنى النقدي، أي عصب السرد، أو الحدث الجوهري الذي يدفع بكل الأحداث إلى خلفية الرواية، على اعتبار أنها التعبير الأصفى عن الذات، وإن لم تصل تلك المحاولات إلى تحقيق معادلة الإنكتاب الطهوري للذات. وهنا - أي في حدة النزعة الفردانية للتعبير عن ثيمة الحب - يكمن سر الحضور اللافت لهذه الروايات، بالنظر إلى ما تحتمه ثيمة الحب من كتابة صادمة للمجتمع، أو كما يفترضها ر. م. البيريس سردية على درجة من الإثارة الموجبة للتخفف من صرامة الأعراف الإجتماعية والأخلاقية، خصوصا أنها لا تجنح بالوعي الروائي إلى النزعة الوعظية التي يمكن أن تقتل الرومانسي، وتحيله إلى إعتيادية الفعل الإجتماعي، بقدر ما تجهد لتوسيع المعيارية الأخلاقية داخل المجتمع.

الحب إذا، في هذه الروايات هو المعادل لإرادة الحياة، إذ يقوم سرديا بفضح إزدواجية البنى الإجتماعية الخفية، كما يمارس شيئا من التوسيع - اللاواعي ربما - للمقياس الأخلاقي، حيث يدفع الكائن إلى أقصى فردانيته، ويضع مضامين قوته الرومانسية في مواجهة غير متكافئة مع سطوة إجتماعية وعرفية قاهرة، وعليه تبدو الشخصيات مأزومة بأحاسيس فائضة، وغير مقبولة، ولا مفهومة أصلا، نتيجة ارتفاع منسوب المكوّن العاطفي فيها، ومن خلال المحاولة الدؤوبة لإعادة تعريف العلاقة بين الرجل والمرأة، والأهم هو التصريح في استبطانات السرد بالصلة الجسدية المحرّمة، فيما يعتبر حالة من المكاشفة والتحدي السافر لأخلاقيات طبقات إجتماعية متنوعة غير قابلة للخدش، أو التعريض بطهوريتها الزائفة لبناء جسر تواصلي مختلف بين العرف والواقع الإجتماعي، متخفف من الوقار والإحتشام النسوي على وجه الخصوص، كما تعكسه كل عناصر السرد وخصوصا البنية الحوارية الجريئة سواء على مستوى الألفاظ أو المعاني المبطنة.

وأظن أن جانبا من السر يكمن أيضا في كون بعض الرواة الشباب قد اقتحموا عالم الرواية بحسابات أدبية أقل، وبعنفوان شبابي أكبر، مرده التعبير العفوي عن الذات، وتحقيق مجد أدبي مبكر بروايات تنتخب جماهيرها من خلال اقترابها المباشر مما يمكن اعتباره "رواية عاطفية" عدتها اليومي من الأغاني والأفلام وملاذات التسكع الشبابي والأزمات الذاتية، وقد امتصوا أبطالهم من الواقع ودفعوا بهم إلى مجريات السرد، فسديم وميشيل وفيصل وفراس إلى آخر سلالة شخصيات "بنات الرياض" هي كائنات مسرودة تحمل الكثير من مظاهر لحظة رجاء الصانع وجيلها، حيث وهبها الحب صوتا، ودورا معلنا. كذلك مها وناصر هي شخصيات قريبة من واقع محمد حسن علوان كما تم تأوينها في عوالم الرياض الخفية، فاجتراحها لفعل الحب هو حالة من التماس الحاد مع الواقع والإحتجاج على مدينة بلا قلب، وإن كان الغدر أنثويا هذه المرة، على عكس حكاية صبا وعامر ومها، التي جسدت فيها ليلى الجهني حكاية غدر ذكوري لتحاكم العوالم الخفية في جدة، فالحب كما عاشه أولئك واقعا وسردا متخيلا هو قرين التحرر الفردي والتمرد الأخلاقي، بل هو مطلب حقوقي.

الرواية العاطفية من المنظور النقدي تحدث في مكان له مواصفات شخصية، ويفترض ان يكون لدى كاتبها القدرة على الإمساك بالحدث الإنساني خارج حيلة السرد، بحيث تغدو الرواية بمجملها حالة من التأمل الأرستقراطي أو الإيحاء بالحوادث على أنها قيمة فلسفية، وإن بدت مسرودة بنزوية حادة، وبالتالي فهي لحظة انعطاف اجتماعية بامتياز، ليس بما تحمله من روح تمرد فردية وحسب، بل بحتمية حدوثها كوقائع خارج إطار المؤسسة الشرعية، إي على هامش العرف الإجتماعي، وهنا مكمن مأساوية المصير للشخصيات، فهي إذ تنهل من الواقع تطالب ضمنا برفع سقف العيب والممنوع، وهو ما يستهوي المتلقي، الذي يجد في مثل هذا الخطاب الروائي كائنات تشبهه وتمثله خير تمثيل، وربما زاد من الإثارة الكامنة في تلك الروايات أن كل شخصياتها العاشقة لا تنتهي إلى زاواجات فيما بينها، وبالتالي فإن لا وعيها يعلن إنتهاء عصر الأدب الداعي لتأكيد تقليدية معاني الحياة، أو الإحتجاج على المعنى العام بخصوصية المعنى أو حتى القبول بالهامش.

القاصة والروائية بدرية البشر :للحب دائما حضور جوهري في الفن والأدب عموما فالحب ركيزة أساسية في العلاقات الأنسانية سواء كان حاضرا أو مفقودا فلو لاحظت أن البدء بالحب غزلا وتدلها بالمحبوبة كان هو رأس المعلقات الشعرية العربية وفي الروايات العالمية والسينما تنتظم حول أحداث عامودها علاقة حب وكأن الحب هو الشباك الذي يحاول استدراج العقل ،وجره إلى مضمون أعمق وأبعد للحياة الإنسانية والبشرية ما زلت أذكر مثلا كيف أستغل كاتب فيلم تايتنك الشهير الذي دوى نجاحه عالميا قصة حب رومانسية ثانوية وربما متخيلة ليروي حدثا أهم وهو غرق سفينة عظيمة ، لا تزال حطامها قابعا في المحيط، قال لنا أشياء جوهرية في الحياة والعلاقات الإنسانية ، عبر قصة حب لم تكن هي كل الحدث لكن الأحداث تمحورت حولها. أذن لا يمكن القول بأن الحب هو حدث مستعار من جغرافيا أو زمن أو تاريخ بعيد ، الحب جوهر حقيقي في حياة الناس ولا يمكن القول بأنه تجربة متطورة عند شعب يستعيرها الآخر غير المتطور ويقلدها ، الحب شعور أصيل وحقيقي وليس متخيلا أو مقلدا. بل على العكس تماما قد يكون ما يكتب في الحب الروائي المحلي جزء يسير من قصص حب مدوية وعظيمة وأكثر جرأة من صورتها في الرواية المحلية رغم كل ما كتب ويوصف بأنه جريء.

الكاتب على ما أعتقد يمارس الكتابة كأسلوب كشف وفي أحيان أخرى يقال فضح ولكن بالمعنى الأيجابي للفضيحة ففضح الجهل والتخلف والقمع، ومصادرة الحريات والحقوق ، فضيلة وهذا ما يحاول الكاتب قوله . أما لماذا فلأن التنافس الحاد في عميلة التميز لن تحدث لو أن كل كاتب سيحاول أن يقول ما قاله آخرون بل في تميزه عنهم. أنا أظن أن وصف التجارب الانسانية التي تقاطعت مع حياة الكاتب سواء الشخصية أو لمن حوله أو ماوصلته من قريب أو بعيد ، هي دائما أضاءه لقاع بئر كانت قابعة في العتمة وتصور أن كل ما كتبه العالم عن النفس البشرية منذ تلمسها طريق المعرفة والكشف ، ظل هناك ما يمكن القول بأن هناك ما لم يقل بعد ، وهذا هو سحر الاكتشاف ووقود المعرفة.

بدءا من نموذج ليلى وقيس ومرورا بحكايات روميو وجولييت ، لم يكن هذا إلا وصفا واقعيا لمنطق يقول بأن الحب كلما كان مستحيلا كلما كان خالد واسطوريا وليس المقصود منه أن تكتب الحكايات كلها على نمط واحد فهذا نوع من الاستنساح يرفضه الفن والحب معا ، وبقدر ما أن الحب حكاية قديمة لكن كل من يعيشها لا يستطيع إلا أن يشعر إنه حدث جديد في حياته حتى للشخص الواحد نفسه الذي يعيش قصص حب عديدة في عمر واحد فهو في كل مرة يقول لنفسه أنه حدث جديد عليه ، الحب له سلطة خارجه عنك وله قوانين ودورة رغم أنه هو الحب ذاته الذي قرأت عنه ومررت به من قبل إلا أنه شعور متمرد على النمذجة أو التنميط ، تخيل مثلا مفاجأة لباتريك زوسكند، في روايته العطر وهو يصور أن القاتل الذي يحب الروائح يقتل من أجل أمتلاك الحب.

ولو قيل لك وصفا لكتاب أو فيلم أنه يحكي قصة حب فإنه هذا التوصيف رغم عدم جدته لن يمنعك من قراءته لمجرد أنه قصة حب ، أحيانا كثيرة قصص الحب هي مجرد بداية لحدث كبير يقود لمعرفة أكبر.

الناقدة مليحة الشهاب:الرواية السعودية ليست رواية تجاوزية بمعنى إنها تمتح رؤاها من البيئة التي ولدت فيها وتأخذ سماتها فليس لها أن تنفصل عنها ، لذا فإن ملامح الحب في تلك الرواية التي تعكس الواقع السعودي بمقاربات متفاوتة فيه الكثير من خصائص المجتمع فهو تهويمي خيالي ليس براغماتيا ، إنه لا يتنفس إلا في الخفاء ولا يعرف النور ،إنه حب مريض ينمو في رحم الموت ويولد وهو حامل كفنه ، حلم تغشاه الظلمات وتتواطأ عليه الأقدار ،حب لا يعرف أبجدية حق الوجود وهو جبان لا يجترح المغامرة..

وهنا أتحدث عن الحب في صورته العليا ، أما ذلك الحب الذي يظهر كلباس تتستر به المشاعر الدنيا وبما ينتج عنه من علاقات عاطفية معقدة في تشابكها فإن الروائي حينما أتى إلى هذه المساحة من التمظهرات الاجتماعية ، أعتقد بأنه في مقاربته تلك كان يسعى لرفع غطاء الحب ليكشف ما وراءه لكنه لم يعمل على استثمارها بشكل جمالي يعلي من القيمة الفنية ويرفع من جماليات الحدث ،بمعنى أن بعض الروائيين السعوديين قاربوا موضوع الحب وما يحيط به من سرية تدفعه رغبة الكشف والتعرية دون مراعاة الأسلوب الفني في تقديمه لهذا النموذج، لذا تبدو باهتة ومستهلكة ويتركها القارئ قبل أن يأتي على سطرها الأخير ، فهو لم يقم بمعالجتها فنيا ليصعد من قيمتها الجمالية ويعمق مدلولاتها لتظهر نسقا تتعالق عنده كل الدلالات المعاشة من منظور ابستملوجي عميق الوعي نافذ البصيرة بمستويات عامودية ليصل إلى جوهر الأمور ومسيرة تحولاتها حتى تتجلى سلوكا يُسَير الحراك الاجتماعي.

الحب لكي يتنفس ويأخذ أشكاله الطبيعية يحتاج إلى فضاءات حرية شاسعة وهذا الفضاء الديمقراطي غائب عن الحب كما عن الرواية ، فالرواية كما الحب ولدا في ظل نظام اجتماعي قاهر ومتسلط محاصر فكريا ونفسيا بأسيجة من المحرمات والمحظورات.. لذا على الرغم من ارتفاع المنسوب الروائي في السعودية إلا أنه لم يتخلق ما يمكن أن نطلق عليه الرمز العاطفي الذي يتم استدعاؤه في حالات عشقية مماثلة ، فهي فقط اكتفت بمحايثة النسيج الاجتماعي باستحضار نماذج دون أن تذهب بها إلى العمق الدلالي لتؤسس رمزا يخلد في الذاكرة.. فالحب هنا ساكن غير تصاعدي ليقف على حافة التطرف كشرط وجود حيث الجنون الذي يهدم الأشياء ويعيد ترتيبها وبناءها من جديد حسب قوانين هذا الاحتراق الكبير ، فهو حب يعتليه العقل ويحدد مساراته.. فحب كهذا لا يمكن الاحتفاء به واعتلائه مجد الخلود.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 1

  • 1
    الحب في الروايات السعودية مر بمراحل كما هو حال تاريخ الرواية روايات المرحلة الأولى أتى بسيطا مثله مثل تتابع الأحداث لم يوظف لخدمة الحدث ولم يحدث الجذب المرغوب. الحب في المرحلة الثانية في بعض الروايات احتل حيزا لايأس به لكن لم يأخذ راحته بالتمدد في مراحل الأحداث كان جميلا في حد ذاته يقنع القارئ بعذوبته كماهو في (ثمن التضحية ) و (بريق عينيك ) وكان متخفيا ومبررا أسس لجرأة لاحت أطرافها في المرحلة الثالث الى الآن لكن لم يكن مقنعا وكأنه عملية قص ولصق الكتاب أنفسهم يعيشون وطأة عواطف مزيف فكيف يصورون عواطف معظمهم عاش محروما. لن نجد في كل الروايات أجل من حب فاطمة وأحمد ف(ثمن التضحية ’ ومحبوبة الشري تلك التي وصفبعمق نظرته في عينيها المغطسة في الكحل.

    د. عائشة الحكمي - زائر

    03:41 مساءً 2007/04/05



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة