الرئيسية > ثقافة الخميس

قصيدة النثر فكرة تبحث عن قارئها

هرباً من الأليف.. تآلفاً لا يُرى


هدى الدغفق

عندما كتبت أول قصيدة نثر لم أكن أحس بها لكن قراءتي لنصوص إبداعية والتحرر من الشكليات التي تقيد فطرة النص الإبداعي المكتوب كانت تسيرني ولقراءتي الحرة في كافة المجالات وعدم تطرفي في التفكير او في صيغة إبداعي وتسيسه نحو شكل دون آخر. قرأت كثيرا من قصائد النثر لشعراء عرب وغير عرب ولمحت فروق الصور الشعرية والشعورية وكثافتها فتسلقت قصيدة النثر مخيلتي بطريقة لم تسبق لي ولم أسبق إليها ايضا.

كتبت نصوصا لاتنتهي وخبأتها في درج ذاكرتي الورقية وكنت أرقب المشهد الشعري المحلي من بعد. ربما أنني امتلكت بعض الجرأة عندما تنقلت قراءتي ونقلتني إلى كل قصيدة النثر أو أي شكل آخر ودعتني إلى لعبة نادرة وجريئة ومضيئة ومفيدة جدا فحولت كل نموذج يختلف عن قصيدة النثر إلى قصيدة نثر بعبث كتابي أو بكتابة عبثية .

لكم ان تتصوروا كم كانت تلك العبثية ممتعة.. وهي ما أفهمتني ملامح قصيدة النثر وليست المراجع أو المؤلفات والأبحاث والدراسات المكتوبة حول قصيدة النثر.

أدركت أن كل نص يمكن أن يكون قصيدة نثر وكل قصيدة نثر يمكن أن تتلون فتصبح قصيدة عمودية أو تفعيلية ولعبة الإبداع هذه المتأملة لايدركها سوى الشاعر بحسه واستشعاره طرائق اللاواعي في مخيلته حين تبصرها للإبداع بحركية جوانية فيها من الهندسية التي لاتبدو لمن يقرؤها أو يفككها بقدر ماتبدو للشاعر في حالة التصوف والاجتماع المغلق بينه وبين نصه الذي يتشكل دون إعاقة بالغة إذا ماتحرر من سطوة التصور المسبق المبني على ذاكرة تقليدية وثقافة نمطية متوجسة من غرابتها في ذهن متلقيها .

كلما كانت ذاكرة الشاعر خارج حشود من الأحكام المصادرة أو النقدية أو الانتقائية وهو يكتب نصه استطاع أن يصل بنصه إلى كمالية التحول الشكلي الذي يصنعه التحول الذهني واللاشعور المتفرد المتمرد على قاعدة الصنف المقبول اجتماعيا أو محليا. فليس كل مقبول في ثقافتنا المحلية انجازا وليس كل مرفوض في ثقافة غيرنا خارج المثالية في وجهة نظرنا .

كل مايناسب فكرته وشكل ولادته مقبول وكل مايتصنع شكله وذائقته المستعارة من سواه يفشل في معرفته وقابليته للتأويل خارج جنسه وإبداعه .

عندما كتبت قصيدة النثر لم اكن أفقد قدرتي على كتابة القصيدة بأشكالها الأخرى كما يعتقد بعض المتلقين ويعيبون على شعراء قصيدة النثر عدم مهارتهم في العروض وعمود الشعر وكانت الوسيطة وهي قصيدة التفعيلة ركودا ومحطة استراحة بين رضا وقبول. القبول الذي حظيت به قصيدة التفعيلة يرجع إلى احتفاظها بوزن خارجي ومنبري تخرج عن إطاره قصيدة النثر عندما خلعت وزنها الخارجي واتزنت داخليا بحشمة تتأمل في صورتها وذهنية قارئها وتمتعت لذلك بنخبوية قرائية قلما يدرك سيرتها القرائية ومرونة تأملها متلق يتطرف للشعر الموزون ويشن حربه على نص لايتزن في نظره وإن كان وزنه الداخلي يخفق بالدهشة وطاقتها المتحررة من أي توجيه لذهنية قارئها .

@ قصيدة النثر مائدة حوار مرن لايتحدد بسماء أو غيمة، كل السماوات في ضيافتها أفق يستحث الخصوصية لدى كل قارئ يتشارك والشاعر في تأويل وصنع خلفيات صوره وأخيلته، ليس شاعر قصيدة النثر سلطانا بل السلطان هو قارئها. فقصيدة النثر نموذج ديموقراطي ليبرالي يتمتع بتعددية الرؤى وحتمية الاختلاف المنشود وتعددية الأمزجة وشفافية الثقافة والمثاقفة إزاء ماهو إبداعي قابل للمشاركة الذهنية والخديعة الإنسانية المحببة التي تجتمع عليها ذئاب الفطنة مسلحة بدهشة القراءة فريستها لذلك مايطرأ على الشاعر من شواغل .

@ كم يكون الشاعر سعيدا بتقديم مخيلته لتكون فريسة يتطهر بها قارئه من نصه ليكون ذاته نصا جديدا يتوالد في نصه الجديد خاليا من مرض الحفاوة ومضمرا بحس التفاوض المشروع المشرع لتصور النص اللاحق دون تناقض أو شذوذ أو ضيق في الرؤية والمرئي والرائي.

هاهي قصيدة النثر ترقص على عتبة المهرجانات وتتوحد وتتحد بقارئها ومتلقيها ومبدعها وتتحرر من ناقدها باستفادتها من كل ماهو مأخوذ عليها أو لها لتشكل بذلك تجاوزا حرا وفكرا مزدوجا للتغيير الانساني والقيمي والمعرفي في الذهنية الإنسانية فلاتنظر او تنتظر أن يؤيدها أو يعارضها أحد لكنها تشغل بوثيقة لنسيجها المناسب لحالة العولمة وما يسعى اليه الفكر الحالي في قراءته الباحثة عن متنفس لثقافته وتعلمه وحياته وفضائها لمتورط بإطار النمطية والشكل لا بما يشكل الفكر والأفكار والسيرة التي لابد لها وأن تتمازج بفكر غيرها وتندمج بمعطياته. ومن منظور آخر فاللغة التي يتجدد بها النص في قصيدة النثر تبعث على البحث في مفردات وتراكيب هلكت وتآكلت في نهايات القصيدة العمودية والتفعلية ومايحقق لها الغنائية.

@ كل الحكاية أن قصيدة النثر لا ترتجل نصها لأنها استغنت عن كل مايمكنه ان يجعل النص الإبداعي نصا ارتجاليا حينما ابتعدت بمضمونها عن شكل وملمح محدد لقالبها فشغلت بتفكرها في ذهن قصيدتها، وقصدت قارئها ليكون علامتها البارزة من خلال نكوصها إليه في قراءتها والاستماع إليها وربما قراءتها بعد الاستماع إليها.

@ قصيدة النثر لاتكتفي بقراءة سريعة وطيران مؤقت .

@ قصيدة النثر لاتطير إلا إذا لمحت طائرها في ذهن قارئها مثلما أنها خرجت من عش شاعرها إليه عندما قرأت سورتها في شعور وإلهام شاعرها ذاته الذي كلما يقرأها تتجدد في لسان صوته صورتها التي تبعث فيه حركة الوصف الشعري لذاكرة تعمقه الذي يسعى ويجرب عند كل قراءة وكأنه يكتب نصه أو يقرأه للمرة الأولى .

@ قصيدة النثر تُعلّم الشاعر كيف يبدع ويتغير ويتطور ويطور. لأنها لا تجعل من الشاعر صورة لذاكرة حافظة، بل إن معظم شعراء قصيدة النثر لايحفظون نصوصهم لكنهم يختزلون حيز الحفظ في تعلم وابتكار قصيدة أخرى، ولديهم صندوق يختزل نصوصهم التي لم يألفها نص الحفظ لأنها لاتتحفظ في كسرها لمشهد الذاكرة العربية الذي يستغرق في دراسة وحفظ النص ولدى الشاعر قناعة بأن تلك ميزة تدل على صفاء الذهن، وربما لم ير غيري في ذلك ماأرى من تهميش القصيدة الموزونة خارجيا لحركية الذاكرة في التقاط شعرها الجديد دون التضييق عليها بحفظ دروسها في الإلقاء الشفهي الذي ربما يرتكب خطأ ارتباكه أمام جمهوره وهو يرى ملامح تفاعله السالبة او الموجبة وهي تتفاعل مع قصيدته او تتثاءب منها ومن نمطية قراءته المتعودة عليها بحفظها ويفتقد بترديدها حس القراءة الجديدة وينسى مضامين نصه لأنه يحفظه ولايحسه بسبب تقادمه في ذاكرته التي لاتتبع أحرف قراءتها وتفاجأ بضمير صورتها ولاتألفها لأنها لاتحفظ حكايتها وملامح معناها الأخير في لحظتها المتهجاة في وقوف آخر لاتتكرر في حضرته القصيدة التي لم تحتفظ لدربها بصراط يعرقل عفويتها ودهشتها بنموها ونضوجها وتجاوزها في سجل وذاكرة وعين وبصيرة قارئها المتجاوز لها بجديد تذكره المستمد من لحظة قراءته وحالة إلقائه وتلقيه لكيفية نص شاعره ومثوله الحر المتجدد أمامه وليس خشيته أوتحسس غربته وهو مايساعد به متلقيه على تكوين وجهة نظر وبنية قراءة نقدية حرة غيرمعهودة أوباقية على حال واحدة إزاء قراءتها الثقافية والفكرية النابعة من منظور مبدعها والمتأثرة بفكر مفكرها وموقفه الانساني المناهض لأي سعي إلى تأطير الصياغة الإبداعية اوتحديد ما تحظى به الثقافة من سعة أفق بالمضمون التقليدي لما سوى الإبداع المألوف والنظر إلى الاختلاف في كتابة النص وصياغة الإبداع بمنظارمضاد يجنح إلى اتخاذ موقف حربي تستخدم فيه طرائق حربية لاتليق بسموه وشفافيته وانسانيته وشاعرية مبدعه، وهي حرب لايشنها المبدعون أنفسهم بل أوصياؤهم الذين قرروا لعقولهم أن تكون خارج إطار ماتألف من تربية ذهنية ونمط قراءة وخلفية لم يخترها الإبداع لانها لاتحفل بسوى تعاطيها المتأثر بتيار متشدد مُسيس.

ولقد اختاربعض المبدعين السعوديين الرحيل عن مواطنهم التي لا تتلقاهم كونهم لم يلقوا تقديرهم في بصيرة متلقيهم إلى بصيرة تتلقاهم خارج وطنهم وجدوا متلقيها يستضيف إبداعهم ولا يصادر ايقاعاتهم النفسية ومخيلاتهم وطرائقهم التعبيرية وأشكال ابداعهم. وهجروا هويتهم الثقافية التي ما زالت تتغاضى عن محاكمة التيارالمتشدد وإساءته للابداع وهجومه المتطرف على المبدعين شخصيا.

@ قصيدة النثر جبهة حرب باردة من طرف ومستكينة من طرف آخر هبت نارها الهامدة من يأس متلقيها بتشنج موقف متشدد غير مقنع بما يدعو من مشاركته في الحرب على قصيدة النثر واتخاذ سنة القطيعة للابداع الحديث عموما المتحدث بما تستدعيه ظروف مرحلته عصرانيته ومدنيته المتوافقة مع ماتتلقاه من ثقافاتها وأدوات واقعها ومايتطلب موقعها منها وموقفها من ثقافة جيلها التي لاتتواكب او تتجانس وتقليدية الفكر المتعصب بماتربت عليه من مرونة اطلاع وحس متطلع للاستمرار في بناء جسور انفتاحه وتعاطيه وتكامله وتوافقه واتحاده وتوحده مع الثقافة الأخرى بكل حداثتها وتحديثها وتحولاتها ولم يكن لديها الانقياد الجاهل للتربية النظرية التي عودتنا عليها مناهجنا التعليمية فتآلفت مع ما طرأ على الابداع من تغيير ساعد المبدع على تفكيك مواقفه وإعادة بنائها بما يتناسب والطبيعة الاجتماعية والقيمية ومايتلاءم مع فطرته المستقيمة التي لاتشكو تعارضا أو عدائية مع شكل إبداعها ايجابي النوايا والأهداف ودرست صفاء مخيلته وحقيقة مبدعها ونيته الفائضة بمحبة التعبير عن بصيرته كمتلق ولم تهاجمه وهو ينشد العبور إلى ذاكرة متلقيه ويحلم بالسكن في بصيرته .

وبالنظر إلى وضع المهرجانات الثقافية فمن الملاحظ أن حرب الكلام كثيرا ماتقوم بين مؤيدي قصيدة النثر وبين معارضيها ولايقنع أحد أحدا بوجهة نظره وقد يفاجأ شاعر بموقف يرصد مشهده دون تأمله لمجرد أنه ليس منتميا إلى أسلوب او توجه الطرف الآخر.

ومن الشعراء من يتشمت أحيانا بشاعر التفعيلة وهو يلقي قصيدته فلايستطيع ذهنه ان يؤجل انفعاله ويستمع إلى الإبداع دون تصنيف .

@ لاأعلم حتى اليوم لماذا يتعسف بعض الشعراء في انتهاج نمط شعري ربما لايناسب ما يتمتع به شعرهم من بلاغة وحداثة تؤهلهم لتجريب قصيدة النثر والتمكن منها لكن عدم التحرر من الذهنية التقليدية التي تؤمن بالموقف الواحد وتعتقد في ذلك التزاما أدبيا وإبداعيا .. أشعر معه بشكل من الانتحار أو النحر للإبداع الذي لايتقصد في تخلقه وشكله وملامحه عند ميلاده ونمائه. كأننا نسلط نظرتنا الاجتماعية وطبائعنا الفطرية ونظرتنا التقليدية على مانبدعه ونتعسف في جعله صورة طبق عن أصلنا أو إعاقة أخرى لاتمدن فيها لنظرتنا نحو إبداعنا وتحريره من أمراضنا المزمنة بأبوة المبادئ وأصالة التقاليد وان لم تناسب مراحل حياتنا وحاجة حكاياتنا .

كل مبدع نص قابل للتغيير مادام ينمو ويكبر فيه قلمه وينبض ببهجته نصه الإبداعي ..دون إعاقة بالغة حد التكرار لدمها الذي أفسدته الوجبة ذاتها من الكتابة وأصابته سمنة الشكل ذاته بلا تحرر بل بقيد وشرط يسعى المبدع ليربط بهما إبداعه الذي ربما تهاوى مع الوقت فعجز عن النهوض ومواصلة التعبير عن فكرته وقد تاهت عن سبيلها.

@ كم أتمنى أن يتحرر المبدع من نمط إبداعه الذي تعارف عليه وعرف به وينطلق دون تقييد ذهنه ويكتب ما لايألف أو يتآلف معه ويعتني بتهذيب حسه بمرونة التجريب وإن لم ينشر تجربته إلا بعد حين منها .

لنمارس الحرية على الأقل في نصوصنا ولانعلقها بموتنا فيها بل نحيا حياتها فينا

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة