لأول مرة في العالم قامت دار سك النقود بموسكو التابعة لوزارة المالية الروسية وبناء على طلب شركة (دبليو- تي) الروسية بسك مخطوطة "مصحف عثمان" على رقائق من الذهب الخالص. والمخطوطة من أقدم وأهم نسخ القرآن في العالم وهي تحفة إسلامية نادرة لا تقل أهمية عن المخطوطات المحفوظة في اسطنبول والقاهرة وطشقند. وهي ملك للدولة الروسية ومحفوظة في مدينة سانت بطرسبورغ (العاصمة القديمة لروسيا) لدى فرع معهد الاستشراق التابع لأكاديمية العلوم الروسية (المتحف الآسيوي السابق الذي تأسس سنة 1818م لدى أكاديمية العلوم الإمبراطورية).
ولما كانت المخطوطة، كما تفيد تقويمات الخبراء، تعود إلى القرن الثامن الميلادي، فإن وجودها بحد ذاته يفند الفرضيات الغربية القائلة بأن النص الكامل للقرآن الكريم والذي وصلنا ظهر ليس قبل القرن التاسع الميلادي، كما انه يؤكد الرواية الإسلامية بشأن التاريخ المبكر لكتاب المسلمين الكريم.
في البداية تحدث البروفيسور ديمتري فرولوف مدير مركز الدراسات العربية والإسلامية، مدير كرسي الأمير نايف للدراسات الإسلامية والعربية في معهد بلدان آسيا وأفريقيا بجامعة موسكو. .تحدث باختصار عن تاريخ جمع القرآن الكريم الذي اتخذ شكله المعتمد النهائي في عهد الخليفة الراشد عثمان. وأشار إلى أن النسخة المحفوظة في سانت بطرسبورغ وفيها 162صفحة والتي هي إحدى أقدم وأكمل نسخ القرآن المعتمد قد أنجزت قبل إصلاح الكتابة العربية، وبالتالي فإن المخطوطة التي استخدمت في سك الرقائق الذهبية مكتوبة بخط قديم لا يحتوي على نقط الحروف. ثم قال البروفيسور فرولوف إن هذا المشروع ذو طبيعة روسية صرف، فإن مبادرة تنفيذه جاءت من غير المسلمين وهي ترمي إلى تعزيز التفاهم بين أبناء مختلف الحضارات والأديان. ومما له دلالة كبيرة أن المشروع حظي بدعم الدولة الروسية وصار النص الكريم مخلدا بالحجر الكريم.
ثم تحدث مدير شركة (دبليو-تي) البروفيسور فلاديمير بروساكوف وأوضح كيف ظهرت فكرة المشروع قائلا: نحن نعتز بنص الدستور الروسي الذي يؤكد أننا شعب متعدد القوميات في روسيا الاتحادية موحدون بالمصير المشترك على أرضنا مدركون بأننا جزء من المجتمع العالمي. وقال إن منظمي المشروع يرون فيه رمزا للتقارب بين روسيا والعالم الإسلامي. فهذا العمل الجليل يراد له أن يثبت مرة أخرى ما قاله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أثناء مباحثاته مع خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود في موسكو سنة 2003م: ثم أضاف أن لروسيا في جميع مراحل تاريخها علاقات مميزة مع العالم العربي والإسلامي. فعلى مدار فترة زمنية طويلة من تاريخنا المعاصر كنا دوما نعتبر العالم العربي والعالم الإسلامي من أقرب حلفائنا.
وتناول بروساكوف الجوانب التقنية من طبعة القرآن الكريم هذه مؤكدا أنها غير مسبوقة ولا مثيل لها في العالم. فهي تتكون من 162رقيقة ذهبية (بعدد صفحات المخطوطة) قياس 135ملم على 95ملم وسمك 3ر 0ملم من الذهب الخالص بأعلى جودة في العالم Au 999.وقد أمضت دار سك النقود الروسية التي هي من أكبر الدور في العالم سنة ونصف السنة لإعداد النسخة الذهبية الأولى من القرآن الكريم، فيما يتطلب سك باقي النسخ 4- 6أشهر لا غير. ومن المستحيل استنساخ أو تزوير الأصل. وفي رأي واضعيه يمكن صنع عشرة مصاحف ذهبية فقط اثنان منها تبقى في روسيا. وتنوي شركة (دبليو-تي) أن تهدي أحدهما بعد الفراغ من المشروع إلى رئيس جمهورية روسيا الاتحادية، فيما يبقى المصحف الثاني محفوظا في معهد الاستشراق فرع سانت بطرسبورغ (المتحف الآسيوي السابق). والمصاحف الذهبية الثمانية الباقية مخصصة لرؤساء الدول الإسلامية.
أما بخصوص عائدات تنفيذ هذا المشروع فمن المقرر استخدامها في تأسيس أول مركز في روسيا للثقافة الطباعية الإسلامية في سانت بطرسبورغ لدى معهد الاستشراق. وسيتولى مركز الثقافة الطباعية الإسلامية الروسي مهمات ترميم ومراجعة المخطوطات والمطبوعات القديمة الشرقية ونقلها إلى الصيغة (الأقراص) الإلكترونية، ما يوفر الإمكانية لرجوع المسلمين وغير المسلمين إلى التاريخ ومصادره الأولى. وفي الحال الحاضرة يعتبر معهد الاستشراق من أكبر مراكز البحث العلمي في العالم لدراسة لغات دول الشرق وآدابها وتاريخها وثقافتها واقتصادها وسياساتها. وبين موجودات المعهد مجاميع بالغة القيمة من الكتب والمخطوطات القديمة. ويتجاوز عدد محفوظات مكتبة المعهد 1000000(مليون) كتاب.
كما تحدثت السيدة ديانا يامبولسكايا نائبة مدير دار سك النقود عن الحلول التقنية الفريدة التي استخدمت لدى إعداد الرقائق الذهبية لمصحف عثمان بملمسها الصقيل المتناهي في الجودة وعن صنع جهاز خصوصي لسك العديد من المصاحف التي لا تختلف عن بعضها البعض أدنى اختلاف بالمطلق. وقالت إن العملية استغرقت ثمانية عشر شهرا، وكان التدرب على التقنية الجديدة استمر ستة شهور في سك الرقائق التجريبية من النحاس. أما نقش الكتابات على الذهب فقد أعدها أفضل الصاغة في دار سك النقود في روسيا.