
يقطعن عشرات الكيلومترات مشيا على الأقدام من قراهن الواقعة شمال المغرب في الطريق إلى بوابة مدينة سبتة بحثا عن ظروف أحسن لتحسين معيشتهن. نساء من مختلف الأعمار احترفن تهريب السلع الإسبانية لفائدة تجار المدن الكبيرة كالدار البيضاء ويواجهن نيابة عنهم مخاطر الطريق وتفتيش وإهانة حرس الحدود وقطاع الطرق، كل ذلك مقابل ربح بسيط أو نسبة مئوية صغيرة متفق عليها.. إنهن "مهربات الجبل" كما بات يطلق عليهن في هذه الأوساط.
لكن الواقع أنه ليست كل "مهربات الجبل" يتعبن ويخاطرن كثيرا مقابل ربح قليل، إن هذا شأن المبتدئات فقط.. أما المتمرسات فقد عرفن كيف يجتزن الصعاب ويقهرن المخاطر ويجعلن حتى اللصوص وقطاع الطرق طوع أيديهن، كما لو كن واحدة من تلك النساء الداهيات التي تحفل بهن قصص "ألف ليلة وليلة".
و"رحمة" التي يبدو من ملاحمها أنها في منتصف الثلاثينيات، وترفض أن تفصح عن سنها الحقيقي "لا تسأل أبدا المرأة عن سنها فذلك سبة في حقها" تقول مازحة، واحدة من "مهربات الجبل" اللواتي يكسبن كثيرا من وراء تهريب السلع الإسبانية وقضين بمكرهن على كل الصعاب التي انتصبت أمامهن.
تبدأ رحلة "مهربات الجبل" بعد الفجر مباشرة، ففي هذا الوقت من الممكن أن تمشي المهربة مسافات طويلة دون أن تحرق الشمس وجهها إضافة إلى أنها تكون في قمة نشاطها.. فاليوم لا يزال في أوله. وأغلب المهربات يقطعن مسافات طويلة قد تصل إلى 10كلم من قراهن ومدنهن المجاورة مشيا على الأقدام حتى مدينة سبتة حيث الأسواق الكثيرة التي تعج بمختلف أنواع السلع الإسبانية الرخيصة. لكن "رحمة" وبعض رفيقاتها من المتمرسات يكن قد حجزن سيارات خاصة توصلهن إلى مسافة قريبة جدا من بوابة سبتة، "السيارات قليلة والسائقون يفضلون التعامل مع صاحبات الخبرة التي لا يحصل لهم معهن مشاكل"، تفسر "رحمة".
بعد الوصول إلى الحدود الوهمية التي تفصل التراب المغربي ببوابة مدينة سبتة، تبدأ معاناة من نوع آخر حيث تضطر "مهربات الجبل" إلى الاصطفاف في إطار طوابير مزدحمة. وهذه المرحلة، تحكي "رحمة"، من أصعب وأشق المراحل في رحلة التهريب التي تعترض "مهربات الجبل" والتي قد تقضي فيها المهربة اليوم بأكمله تنتظر أن يسمح لها بدخول بوابة المدينة، وهناك من المهربات من تفشل في الدخول فتضطر إلى المبيت في العراء أمام البوابة حتى تستطيع أن تكون في اليوم التالي ضمن الأوليات في طابور الانتظار، لكن القديمات منهن في "الخدمة" ممن اكتسبن التجربة مثل "رحمة" يفهمن أنه لا يمكن اجتياز بوابة سبتة إلى الداخل إلا بدفع إتاوات إلى الحرس الحدودي، "الواحدة إذا أرادت أن تفلت من الازدحام عليها أن تنسل خفية وتقوم بدس 10إلى 20درهما (أورو يساوي 10دراهم) في يد رجال الحدود.. وإلا فقد تقضي اليوم كله وهي تنتظر دورها في طابور الانتظار".
في داخل المدينة تخوض رحمة صراعا مع الزمن واللصوص، فعليها من جهة أن تستغل الوقت الضيق المتاح لها قبل حلول الظلام في التبضع واقتناء ما هو مطلوب من طرف التجار الذين تتعامل معهم والتي في الغالب ما تكون عبارة عن أقمشة وقطع نسيجية ومواد غذائية، وعليها من جهة أخرى أن تكون يقظة وتحرس جيبها حتى لا تندس إليه يد رشيقة اعتادت هذا النوع من "الخدمة" فتسلبها مالها ويضيع بذلك الرأسمال والربح وتبور التجارة. واللصوص المتخصصون في سرقة النساء التاجرات في أسواق سبتة المكتظة كثيرون وعلى أشكال، منهم ابن المنطقة الذي يبحث له عن مصروف الجيب ومنهم من دخل المدينة قادما إليها من منطقة مجاورة يرجو ممارسة "تجارته" على النحو الذي يفهمه على حساب تعب وعرق "مهربات الجبل" عوض أن يشمر على ساعد الجد ويتعب في الحلال، كما تقول "رحمة".. "أولاد هذه المناطق كسالى لا يريدون بذل أي جهد، هم متخصصون فقط في سرقة جهد الآخرين وخاصة النساء الضعيفات". وحتى هذا المشكل وجدت له "رحمة" مخرجا "لائقا" للتغلب عليه، فتجربتها اهتدت بها إلى التعرف على كبار هؤلاء اللصوص فاتفقت مع ثلاثة منهم على حراستها ومساعدتها في حمل بضاعتها مقابل مبلغ مالي معين تدفعه لهم كلما دخلت السوق. بهذه الطريقة قالت "رحمة" إنها ربحت حراسا وحمالة في الآن نفسه.
غالبا ما تضطر "مهربات الجبل" بعد نجاحهن في إخراج سلعهن من سبتة إلى دفع إتاوات مرة ثانية ليس فقط إلى الحرس الحدودي، حتى لا يمنع خروج السلع الإسبانية، وإنما يضطررن أيضا إلى دفع مبالغ معينة إلى اللصوص المتربصين على الطرقات الوعرة، فهناك لا وسيلة نقل متاحة ولا طرق معبدة بأضواء كاشفة، فقط غابات وجبال حيث تخفي كل شجرة لصا ويتربص وراء كل تل قاطع طريق. وبالنسبة للمبتدئات فغالبا ما يؤدين فاتورة جهلهن بخطورة الرحلة فيدفعن ثمنا لذلك كل السلعة التي تعبن على شرائها نهارا، هذا إذا سلم شرفهن.. أما المتمرسات فيكن قد أبقين بعض المال لتوزيعه على بضعة اللصوص وقطاع الطرق الذين يتخذون من الغابات المجاورة مسكنا لهم.
أما "رحمة" صاحبة الخبرة الطويلة ففي آخر اليوم تكون على موعد خارج باب أسوار مدينة سبتة مع تجار كبار من مدينة الدار البيضاء يشترون منها كل السلع التي اقتنتها لتعود إلى قريتها المجاورة وهي لا تحمل سوى بعض المواد الغذائية القليلة التي اشترتها لأسرتها الصغيرة وجيبا مملوءا بالدراهم. وحتى في رحلة العودة فقد أعدت "رحمة" سلفا كل شيء لتجنب مخاطر الطريق واللصوص المتربصين فيها ب "مهربات الجبل". فقد اعتادت أن تتفق مع صاحب سيارة كبيرة من نوع "جيب" ينتظرها في وقت ومكان تحددهما له ليحملها لوحدها حتى داخل القرية مقابل مبلغ مالي تم التراضي عليه. وفور دخولها القرية ليلا تجد في استقبالها ليس فقط عائلتها الصغيرة وإنما أيضا بعض الجارات وأطفالهن ممن اعتادت أن تفرق عليهن في كل رحلة عودة "مظفرة" حلويات وشكولاته الجارة إسبانيا. تعلق "رحمة" على هذا "الاستقبال الحار" ساخرة "أنت تلاحظ أنني لو ترشحت في الانتخابات المقبلة لفزت بدون منازع.. وساعتها سأفاوض الإسبانيين على فتح باب وتشييد طريق معبدة تصل حتى هذه القرية ومحصورة استعمالها على أهلها فقط.. لمن أراد أن يجلب لأبنائه الشوكولاته الإسبانية طبعا".