تطوير الذات..
م. حامد عوض العنزي
كثيرة هي الحلول التي تعرض على قضايا أمتنا في كل مجالات الحياة. ومع كمية هذه الحلول إلا أننا نواصل انحدارنا أيضا في معظم مجالات الحياة وخاصة تلك التي تقاس بها نجاحات وتقدم الأمم.. والمفارقة العجيبة في هذه المعادلة العادية هي أننا دائما ما نتجاوز ذواتنا عند تحليل قضايانا ونقفز ذلك العنصر المهم إلى بحر تلك الحلول والمقترحات ومن ثم نظل حبيسي عالم من الأمواج المتلاطمة والحلول التي تفتقد للصدق والصراحة. إن وقوف الإنسان مع ذاته والتمعن فيها وبخواصها يكاد يكون أول الطريق لحل أي قضية كانت شخصية أم جماعية، في بيئة العمل أم في الحياة العامة.. من هذا المنطلق أضحى التطوير الذاتي الذي يهدف في مجمله إلى تنمية المهارات والمعارف (ذاتيا) وبدافع داخلي من الإنسان نفسه، مطلبا هاما وحاجة ملحة لأفراد المجتمع بكافة أطيافهم فهو بالإضافة إلى أنه عملية مستمرة وسمة من سمات الطموح الشخصي التي تمكن الإنسان من ارتياد آفاق أرحب وأوسع في سعيه الدؤوب لتحقيق الرضا المهني والوظيفي والاجتماعي، أقول بالإضافة إلى ذلك فإنه يعتبر جزءا من سيكولوجية الفرد يجب ايقاظها وتحريكها بالشكل الصحيح. ولا شك أن العالم شهد في السنوات الأخيرة طفرة هائلة في تطبيق أساليب تطوير القدرات الذاتية وتنمية المهارات. وأصبح السعي إلى تحقيق الطموح الشخصي مقترنا بقدرة الإنسان على التخطيط المنهجي والتفكير الايجابي والتعامل المثالي مع الأفراد والمواقف. وأصبح البحث عن النجاح المهني والوظيفي مرتبطا بشكل أو بآخر بالنجاح في مجالات الحياة الأخرى كالحياة الزوجية والاجتماعية.
وفي ظل توافر الوسائط والأدوات التي تقدم من خلالها برامج ودورات التطوير الذاتي تبقى مسألة تكريس وتعزيز مفهوم التطوير الذاتي لدى الفرد والمجتمع، هو تحد غاية في الأهمية خصوصا في المجتمعات الآخذة في النمو والتي تحتاج إلى تطوير مواردها البشرية للانخراط في مسيرة البناء والتطوير.
إن ما يحتاجه مجتمعنا في هذه الفترة هو تغلغل ثقافة تطوير الذات واعتبارها أمرا مصيريا لاقتحام الحياة العصرية والتخلص من النظر إلى تلك الثقافة على أنها وافدة وغريبة على المجتمع وفي أحسن الأحوال اعتبارها أمرا تكميليا بل وطارئا في بعض الأحيان.
وانطلاقا من أهمية الواجب الملقى على عاتق مؤسسات التدريب الأهلية في مجالات التطوير الذاتي والمتمثل في تقديم هذه البرامج لكافة المجتمع بصورة سليمة. فإنه من المهم الوقوف على بعض نقاط الخلل التي يتصف بها بعض من تلك المؤسسات فهي تمارس (على أرض الواقع) منهجا غير مهني في طريقة تقديم هذه الدورات يتعارض تماما مع الشعارات البراقة التي تلوح بها تلك المؤسسات وتوهم المجتمع بأن الأهداف الرئيسية لها هو الرفع من الوعي في تطبيق مهارات التطوير الذاتي واعتباره أحد أهم روافد تطوير القوى البشرية باختلاف تخصصاتها. ولعل زيارة واحدة لأروقة تلك المؤسسات تكشف لنا المبالغة المادية للدورات التدريبية وسيطرة تلك اللغة على سياسة المؤسسة وهو ما جعل جهود الطرف الآخر من مؤسسات التدريب والتي تقدم النموذج السليم لمراحل العملية التدريبية تبدو غير ظاهرة وليس من شأنها التأثير على الصورة العامة (والنمطية) لمؤسسات التدريب وإعطاء الصورة الحسنة والتي من المفترض أن تكون عليه تلك المؤسسات.
إن وجود بعض الظواهر كالكسب المادي المبالغ فيه وتقديم بعض المدربين ممن لم يتقنوا إجادة بعض العلوم والتطبيقات بالإضافة إلى ممارسة نوع من (السرقة) لأوقات تلك الدورات، يجعلنا نطالب وبإلحاح شديد الجهات المعنية في تتبع هذه السياسات واجتثاثها.
إن القناعة والإرادة عنصران بالغا الأهمية يجب أن يتحلى بهما مسؤولو تلك المؤسسات عند رسم الاستراتيجيات المستقبلية فمحدودية الهدف الرئيس المتمثل في الكسب المادي سيضرها قبل أن يتضرر المجتمع ومهما بقيت تلك المؤسسات فإن الأصلح قادم على أية حال في وقت أضحى انفتاح سوق التدريب في المملكة أمرا واقعا.
إن الحاجة ملحة في أن تعيد بعض مؤسسات التدريب النظر في سياسات تقديم البرامج التدريبية وان تجعل الشعار المرفوع دائما هو "التدريب للمجتمع" قولا وفعلا. فمن هنا ومن هنا فقط ستنال تلك المؤسسات ثقة المجتمع وتنطلق به نحو التنمية الحقيقية لأفراده.