الرئيسية > الرياض الاقتصادي

أسرار نجاح الجامعات الغربية في إدارة العقول؟


د. فهد بن عبدالعزيز الخريجي

وقعت وزارة التعليم العالي مؤخراً عقوداً مع الجامعات السعودية. وقد بلغت تكلفة هذه المشاريع الخمسة 227مليون ريال - لإنشاء مراكز ابحاث المواد الهندسية والدراسات البيئية، ومركز علوم الجينوم الطبي، ومركز أبحاث تكرير البترول والبتروكيماويات ومركز الطاقة المتجددة - كان وراءها أهداف بعيدة المدى. رغم ان هذا المبلغ يساوي سدس ما قدمه رجل اعمال امريكي عن نفس الفترة (سأتحدث عنه لاحقاً)، فهذا التعاقد مع الجامعات لإنشاء مراكز التميز البحثي قد فتحت أبواباً جديدة من الاستثمار في المجالات الأكاديمية.

السر الأول: ان يكون باباً في إشراك طالب البكالوريوس والدراسات في ممارسة دورهم الحقيقي داخل الجامعات ودمجهم في عملية البحث العلمي بمردود مادي وعائد معرفي طويل الأمد.

السر الثاني: ان تكون هذه الفرصة الثمينة باباً لإغلاق تشغيل الطلاب في بحوث من دون مقابل، وتأسيس ثقافة جادة في أخذ الأمور البحثية باحترافية، وتجاوز مرحلة بحوث من أجل الترقية فقط.

السر الثالث: هو ما فعلته وزارة التعليم العالي من تعاقد مع الجامعات السعودية، فهي تسد ثغرة تباطؤ القطاع الخاص وتراخيه الممل في التواصل مع الجامعات السعودية لإجراء البحوث والدراسات التطويرية (R&D) التي تعتبر جوهراً في الصناعة الحديثة الثقيلة والخفيفة وخلق بيئة صحية تدار فيها عجلة البحث العلمي على أسس واقعية.

مثال جيد على مشاركة القطاع الخاص في تطوير مراكز البحوث ليس هنا، اجل ليس هنا، ولكن في ولاية داكوتا في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تبرع البليونير الأميركي سانفورد بمبلغ 1.500مليون ريال ( 400مليون دولار) من اجل تطوير مراكز البحث في مستشفى تلة سايوكس في هذه الولاية. هذا المستشفى نشأ في عام 1894م، لكي يصبح لديها اليوم إثنا عشر ألف موظف، وأربعمائة طبيب متخصص، ومائة وخمس عشرة عيادة متخصصة، وأربعة وعشرون مستشفى، ومركز سانفورد في التميز البحثي بحلول عام 2009م. كم هو رائع ان ترى مردود المال على صحة الأطفال والنساء وشرائح المجتمع الأخرى.

هذا بفضل العقل الاستثماري الوطني الحي في عقول هؤلاء القوم الذين يرون فيه انجازا يخلد اسماءهم على مدى التاريخ بعد وفاتهم. فأين رجال الأعمال السعوديين الذين ينأون بأنفسهم عن الأنانية المفرطة في حب الذات على حساب المصلحة الوطنية والقيم الأخروية. لكن المثير للدهشة هو ان اموال السيد سانفورد لا تتجاوز العشرة مليارات ريال أنفق سدس هذا المبلغ في خدمة المراكز العلمية. ووزارة التعليم العالي في المملكة مشكورة انفقت سدس ما قدمه سانفورد كإشارة الى رجال الإعمال السعوديين بأن الوقت قد حان لكي يدركوا حجم التقصير الذي أصابهم، وحفز الشعور الوطني لديهم لمشاركة التعليم العالي في نهضة الجامعات وتطوير أعمالهم وخدماتهم وفق معايير علمية تنافسية دولية، كما هي حال هؤلاء القوم الذين أشرنا اليهم سابقاً.

أما في نطاق التجربة السعودية فالخوف قد يكمن في تجاهل الجامعات لعناصر النجاح في هذه المشاريع، واعتماد العقل البيروقراطي الحسابي الذي يوظف اللوائح على حساب روح النظام، وعلى حساب نجاح المشاريع وضمان مردودها الإيجابي على الناس.

دعنا نضرب بعض الأمثلة لحياة الطالب الجامعي الأمريكي، فإحدى الطالبات الأمريكيات عاشت خمس سنوات طالبة في جامعة ولاية كارولينا، وتمكنت ان تقوم خلالها بالعمل تحت مظلة احد مراكز البحوث. فقد كانت تقوم بوزن حيوانات التجارب بصفة دورية، وتقوم بإيداع البيانات في قواعد المعلومات المخصصة لذلك في جهاز الحاسب. حققت هذه الفتاة عوائد مالية مكنتها من تجاوز مرحلة البكالوريوس، واكتسبت تجربة ميدانية في مجال البحث، وانعكس ايجابياً على أدائها الدراسي لتحصل على منحة من جامعة أخرى بناء على سيرتها الذاتية، بل وأصبحت طموحة كبقية زملائها وتسعى للانضمام الى برنامج الدراسات العليا في جامعة اخرى.

هل تصدق أخي القارئ ان أكثر من ثلث طلاب جامعة كاليفورنيا إريفن يشاركون في بحوث تطبيقية مع اعضاء هيئة التدريس. بل إن كلية البنات في رالييه الأمريكية وغيرها تمارس نفس الفلسفة التعليمية بنجاح. بل إن هناك الآن مؤتمرات كثيرة ومجلات علمية متعددة تقوم بتسهيل مهمة الباحثين الجدد، من طلاب الدراسات الدنيا في الجامعات، وتعطيهم جل الفرص لعرض بحوثهم وأفكارهم. هل سمعت بإنجاز طلاب ولاية ميتشجان (كنت احد طلابها عام 1980م) البحثي الذي ترتب عليه اكتشاف أحد جينات سرطان الثدي! الأمثلة كثيرة في هذا المجال وطلابهم يحققون فوائد كثيرة بدءا من اكتساب الخبرة وحتى المكاسب المادية ونتائج البحث المرضية.

أنا أتساءل: لماذا يحرص طلاب أمريكا وأوروبا على حضور الندوات والدوائر المستديرة والمشاركة في برامج الدراسات العليا وغيرها، بينما تقل هذه الرغبة لدى طلابنا في المملكة، بل وحتى لدى الكثير من أعضاء هيئة التدريس عندنا.

السر الأخير يشعرون بأنهم اعضاء نشطون في هذه المؤسسات التعليمية، ومشاركتهم بالتأكيد تحقق لهم عائدا ربحياً معنوياً او مادياً، والعكس صحيح.

@أستاذ الإعلام بجامعة الملك سعود

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 4

  • 1
    او ان ان اضيف بجانب الابحاث التي تقوم بها الجامعات الغربيه وهي اساس الاكتشافات والتطوير الحقيقي في تلك الدول, توجد شركات متخصصه في مجال الابتكارات (company of Inovation) اثناء دراستي العليا في استراليا كانت احد assignment عباره عن اختيار احد شركات الابتكار ومتابعة احدى الابتكارات منذ ولادة الفكره حتى تطبيقها وللاسف اكتشفت ان هناك عدد كبير من الشركات الاسرائليه نشطه جدا في هذا المجال.

    ابراهيم الغامدي - زائر

    02:30 مساءً 2007/03/29


  • 2
    كما ذكر الكاتب الجامعات السعودية بحاجة إلى التفكير في طريقة عملها وتعاملها مع الطلاب كعناصر منتجة وليست دجاج يتم تفريخه لسوق العمل الذ ي لا يعترف إلا بالصالح منهم القادر على المنافسة

    سالم - زائر

    10:32 مساءً 2007/03/29


  • 3
    اود ان احي فيك سعادة الدكتور هذا الطرح المتميز الذي ليس بغريب على جريدة الرياض ان تنور به مجتمعنا كما عهدناها دائما. الجانب المضيء في مجتمعنا هو ان عقول ابناءنا وبناتنا في مرحلة البكالوريوس او الدراسات الدنيا كما يحلو للبعض ان يسميها اقول ان عقولهم خصبة وجريئة. وقد لمست ذلك من واقع تجربة جريئة قمنا بها في طرح موضوع الواقع الافتراضي الذي هو فرع من فروع الحاسب الالي ويستخدم في علاج عدد كبير من الامراض مثل السكر، وعدد من السرطانات اضافة الى الادمان او الامراض المصاحبة للاضطرابات النفسية مثل القولون العصبي. وقد لقيت اعمال الطلاب والطالبات وبحوثهم صدى واسع في المجتمع العلمي، اذ حصلنا على دعم مادي ومعنوي لا محدود من جمعيات ومستشفيات محلية اضافة الى دعم لا محدود من شركات اجنبية وفرت لنا البرامج وعرضت توفير التجهيزات. الجدير ذكره ان نتاج عمل طلاب مرحلة البكالوريوس تم نشره في عدد من المؤتمرات العلمية المحكمة المحلية والخارجية ومنها المؤتمر الهندسي السابع المنعقد في مدينة الرياض في شهر ذي القعدة من هذا العام بإذن الله. ما اود اضافته - على طرح سعادتكم الهادف - هو ان عقول مجتمعنا متفتحة وقابلة لخوض مجالات البحث العلمي بل وبمنافسة شديدة جدا، اضف الى ذلك ان رجال الاعمال واصحاب المنظمات غير الربحية لديهم سعة صدر تسع كل ما هو جيد وجديد. ولكن ما اود ان القى الضوء عليه هنا هو الجانب المظلم، ذلك الذي لاقيناه من الجامعات السعودية نفسها، وكأن بها تنظيم يحارب ابداعات الطلاب والطالبات اينما وجدت ويجبرهم على التقوقع تحت مظلات البيروقراطية المستهجنه من المجتمعات المجاورة. الغريب في الامر ان مشاريع طلابنا التي لاقت صدى لدى المجتعات العلمية من مؤتمرات وجمعيات وشركات محلية وخارجة، هي نفسها لاقت حرب ضروس تسببت في وئدها في المهد، وقد تم ذلك للاسف بقرارت اكاديمية او بدون قرارات، ادى ذلك الى الغاء هذه المشاريع وعدم السماح بها مستقبلا. الامر الذي دعانا الى البحث عن مستضيف اكاديمي خارج الجامعات السعودية. قد تكون هذه التجربة سعادة الدكتور فهد تجيب على بعض تساؤلات مقالكم النير وتوضح للجمهور الكريم اين نحن من تبني مشاريعنا وافكارنا. ما اود من الجمهور ملاحظته هنا هو ان طلابنا وطالباتنا لم يطلبوا اي مبالغ مادية تدعم المشاريع، وانما حرب على العقول ومحاولة لتحجيمها، فاسالوهم ان كانوا ينطقون.

    د. وديع الحلبي - زائر

    08:18 صباحاً 2007/10/11


  • 4
    أشكر الدكتور/ فهد على طرحه المتميز ,
    أرى أن الخطوة الأساسية لرفع مستوى إنتاج الطلاب هو رفع إحساسهم بالإنتماء للجامعة نفسها من خلال إشراكهم في برامجها وبحوثها , كعامل أساسي- كما ذكر الدكتور , وفقه الله ,,,

    أسماء أبوطالب - زائر

    11:14 صباحاً 2007/11/20



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة