الخميس 10ربيع الأول 1428هـ - 29مارس 2007م - العدد 14157

ايقاع الحرف

تجارب الطلاب السعوديين في أمريكا

ناصر الحجيلان

    نشر في هذه الزاوية في وقت سابق بعض قصص العرب والسعوديين في أمريكا؛ وهي قصص تحمل طابع المفارقة الثقافية بين الشعوب والأنظمة. وقد اخترت هذا النوع من القصص لأنها مرتبطة بتبعات أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما تلاها من وقائع؛ وقد كان عنصر الخوف هو التيمة الأساسية التي تحرك تلك الأحداث وتدفع كلا من الضحية (وهو الطالب السعودي) والمنتقِم (وهو الجهات الأمنية الأمريكية) إلى تصرفات تبدو غير منطقية.

وقد طلب مني عدد من القراء الكرام المزيد من هذه القصص التي يمكن أن تكشف عن العناصر المتشابهة أو المختلفة بين الثقافات لعلها تكون مادة مفيدة في التعرف على مدى تأثير تلك الاختلافات على العلاقات الإنسانية في مستواها الفردي أو الجماعي. ويسرني أن ألبي هذه الرغبة العزيزة على نفسي. ولكي يكون الموضوع متماسكًا؛ فإني سأركز -في كل مرة تتاح لي فيها الفرصة للكتابة عن هذا الموضوع- على القصص التي تحمل موتيفات متشابهة قدر الإمكان.

ويجدر بي أن أوضح أنه سبق لي أن جمعت عددًا كبيرًا من القصص الحقيقية التي حصلت لسعوديين وسعوديات أثناء وجودهم في أمريكا؛ وهي قصص تتضمن نوعًا من الصراع أو التعارض أو سوء الفهم الذي يواجه العربي عامة والسعودي خاصة في ظل مجتمع جديد وثقافة مختلفة. وقد كانت أحداث سبتمبر بمثابة البركان الذي ثار فكشف ما بداخله من قيم متأصلة عند عدد من أفراد الشعب الأمريكي. وهي قيم يمكن أن تتحول بكل سهولة إلى قيم متعارضة تعمل بشكل معاكس لوظيفتها، فتصبح ضد نفسها. وربما لا يستطيع الشخص نفسه أن يكتشف تلك التناقضات مالم يتأملها بعد أن يكون خارج المعركة وبعيدًا عن تأثيراتها، وربما من خلال عيون غيره.

وقد كان ميسرًا لمن عاش في أمريكا وعايش الأحداث والمشكلات التي واجهها العرب والمسلمون أن يجمع القصص والأخبار من الصحف ومن وسائل الإعلام ومن سواها من المصادر الشفهية. وما بين عام 2001وعام 2005م جمعت كمية من القصص التي كان أبطالها ضحايا سوء الفهم الثقافي ونويت نشرها بالإنجليزية ولكن لم يتيسر لي ذلك. وسيتضح للقارىء العربي الكريم أن تلك القصص تتضمن في كنهها عناصر تكشف الجانب الآخر الخفي عن الأمريكيين في القضية، وهو الجانب الإنساني والثقافي.

والحقيقة أن هذا الجانب يكتسب أهميته العملية للمتلقي الأمريكي من كونه غائبًا في تلك القضايا ولم تعلنه وسائل الإعلام وربما لم تدركه على حقيقته. ولهذا كان من الطبيعي أن تتحول تلك القصص في نظر الشعب الأمريكي من كونها قصصًا لضحايا سوء الفهم الثقافي إلى اعتبارها بمثابة البرهان على الصورة الذهنية ضد السعوديين. وهي صورة تتسم بصفات سلبية كثيرة كالوحشية، والعنف، والجهل، والسادية، والثراء الفاحش، وكره المرأة، وبغض الجمال، والتلذذ بالألم، وعشق الاكتئاب، والنفور من مباهج الدنيا، والانغلاق على الذات، وغيرها من الصفات التي تحولت بعد مرور السنوات الخمس على أحداث سبتمبر من كونها مجرد انطباعات وردود فعل لكي تصبح في السنوات الأخيرة إلى ما يشبه الحقائق التي يتعامل معها عدد من الأمريكيين وكأنها بالفعل سمات ثابتة للشخصية السعودية.

وسأعرض قصة واحدة تناسب مساحة هذه الزاوية مؤملا عرض قصص أخرى في المستقبل؛ وسأسمح لنفسي بالتصرف فيها بما يوضّح التفاصيل ويخفي معالم بطلها الحقيقي. وهذه المجموعة من القصص ليس لها علاقة مباشرة مع أجهزة الأمن ولكنها قد تفضي إلى استحضارهم من المواطنين أو المواطنات الأمريكان بسبب وجود سوء فهم ثقافي من الطرفين.

هذه قصة طالب سعودي أصله من الرياض وعمره وقت حصول القصة خمس وعشرون سنة، وكان يدرس في مدينة (يغين) في ولاية (أوريغون) الأمريكية عام 2000م. وقد جاء إلى هذه المدينة لدراسة اللغة الإنجليزية في أحد المعاهد هناك؛ ورغب في السكن مع عائلة أمريكية لتطوير لغته الإنجليزية. وبالتنسيق مع معهد اللغة سكن مع عائلة مكونة من زوجين وهما كبيران في السن ومتقاعدان يمضيان أغلب وقتهما في أعمال تطوعية. وقد وجد راحة وهو يتعلم منها كل يوم عددًا من الكلمات ويعرّفهما بثقافته السعودية؛ وكان السؤال المحبب للأمريكان هو ما يتصل بالطعام. فكانا يسألانه عن رأيه في الطعام وعن ذوقه في بعض المأكولات، فيحدّثهما عن أكلته المفضلة وهي (الكبسة). ولأنهما لم يستوعبا شرحه وعدهما بأن يقوم بإعداد الكبسة لهما في نهاية الأسبوع.

وفي يوم الجمعة بعد أن انتهى من دراسته في المعهد توجّه إلى محلٍ يبيع الأرز الهندي، فاشترى منه كمية وفكّر في شراء دجاجة ولكنه خشي أنها غير مذبوحة على الطريقة الإسلامية فتراجع عن فكرته وتذكر أن هناك كمية كبيرة من الحمام الموجود بكثرة في الشوارع وعلى السطوح وأمام الأبواب وهو طير أليف لا يهرب من الناس وبالإمكان القبض عليه بسهولة. فقرر اصطياد حمامة ولم يجد صعوبة في ذلك، فذبحها ونتفها ثم طبخها. وفي المساء دعاهما لتناول طعام العشاء السعودي.

وعلى المائدة كان العجوزان يلتهمان الأرز وهما سعيدان بهذه الوجبة المجانية، وسأله الأب عن اللحم (هل هو ديك رومي أم دجاجة؟) فأجاب الطالب السعودي بأن هذا اللحم هو لحم حمامة اصطادها بجوار المنزل. وكان ينوي الاستطراد ليكشف مهارته في اصطيادها بدون (نبّاطة) أو (نبّيطة) كما كان يفعل في السعودية، ولكن توقفهما المفاجىء عن الطعام شد انتباهه. وسمع العجوز تصرخ قائلة (ماذا فعل هذا المجرم؟) وهي تتوجه نحو الهاتف لكي تتصل بالشرطة. ولكن زوجها هدّأ من روعها لأنه فهم من براءة هذا الطالب أنه يجهل قوانين تحريم صيد الطيور في المدينة. فوافقت على مسامحته شريطة ألاّ يبيت عندهما هذه الليلة ولايريا وجهه أبدًا؛ فخرج الطالب السعودي يجرجر عفشه وبقايا كبسته وهو كسير الفؤاد.