• انت الآن تتصفح عدد نشر قبل 829 أيام

ايقاع الحرف

تجارب الطلاب السعوديين في أمريكا

ناصر الحجيلان

    نشر في هذه الزاوية في وقت سابق بعض قصص العرب والسعوديين في أمريكا؛ وهي قصص تحمل طابع المفارقة الثقافية بين الشعوب والأنظمة. وقد اخترت هذا النوع من القصص لأنها مرتبطة بتبعات أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما تلاها من وقائع؛ وقد كان عنصر الخوف هو التيمة الأساسية التي تحرك تلك الأحداث وتدفع كلا من الضحية (وهو الطالب السعودي) والمنتقِم (وهو الجهات الأمنية الأمريكية) إلى تصرفات تبدو غير منطقية.

وقد طلب مني عدد من القراء الكرام المزيد من هذه القصص التي يمكن أن تكشف عن العناصر المتشابهة أو المختلفة بين الثقافات لعلها تكون مادة مفيدة في التعرف على مدى تأثير تلك الاختلافات على العلاقات الإنسانية في مستواها الفردي أو الجماعي. ويسرني أن ألبي هذه الرغبة العزيزة على نفسي. ولكي يكون الموضوع متماسكًا؛ فإني سأركز -في كل مرة تتاح لي فيها الفرصة للكتابة عن هذا الموضوع- على القصص التي تحمل موتيفات متشابهة قدر الإمكان.

ويجدر بي أن أوضح أنه سبق لي أن جمعت عددًا كبيرًا من القصص الحقيقية التي حصلت لسعوديين وسعوديات أثناء وجودهم في أمريكا؛ وهي قصص تتضمن نوعًا من الصراع أو التعارض أو سوء الفهم الذي يواجه العربي عامة والسعودي خاصة في ظل مجتمع جديد وثقافة مختلفة. وقد كانت أحداث سبتمبر بمثابة البركان الذي ثار فكشف ما بداخله من قيم متأصلة عند عدد من أفراد الشعب الأمريكي. وهي قيم يمكن أن تتحول بكل سهولة إلى قيم متعارضة تعمل بشكل معاكس لوظيفتها، فتصبح ضد نفسها. وربما لا يستطيع الشخص نفسه أن يكتشف تلك التناقضات مالم يتأملها بعد أن يكون خارج المعركة وبعيدًا عن تأثيراتها، وربما من خلال عيون غيره.

وقد كان ميسرًا لمن عاش في أمريكا وعايش الأحداث والمشكلات التي واجهها العرب والمسلمون أن يجمع القصص والأخبار من الصحف ومن وسائل الإعلام ومن سواها من المصادر الشفهية. وما بين عام 2001وعام 2005م جمعت كمية من القصص التي كان أبطالها ضحايا سوء الفهم الثقافي ونويت نشرها بالإنجليزية ولكن لم يتيسر لي ذلك. وسيتضح للقارىء العربي الكريم أن تلك القصص تتضمن في كنهها عناصر تكشف الجانب الآخر الخفي عن الأمريكيين في القضية، وهو الجانب الإنساني والثقافي.

والحقيقة أن هذا الجانب يكتسب أهميته العملية للمتلقي الأمريكي من كونه غائبًا في تلك القضايا ولم تعلنه وسائل الإعلام وربما لم تدركه على حقيقته. ولهذا كان من الطبيعي أن تتحول تلك القصص في نظر الشعب الأمريكي من كونها قصصًا لضحايا سوء الفهم الثقافي إلى اعتبارها بمثابة البرهان على الصورة الذهنية ضد السعوديين. وهي صورة تتسم بصفات سلبية كثيرة كالوحشية، والعنف، والجهل، والسادية، والثراء الفاحش، وكره المرأة، وبغض الجمال، والتلذذ بالألم، وعشق الاكتئاب، والنفور من مباهج الدنيا، والانغلاق على الذات، وغيرها من الصفات التي تحولت بعد مرور السنوات الخمس على أحداث سبتمبر من كونها مجرد انطباعات وردود فعل لكي تصبح في السنوات الأخيرة إلى ما يشبه الحقائق التي يتعامل معها عدد من الأمريكيين وكأنها بالفعل سمات ثابتة للشخصية السعودية.

وسأعرض قصة واحدة تناسب مساحة هذه الزاوية مؤملا عرض قصص أخرى في المستقبل؛ وسأسمح لنفسي بالتصرف فيها بما يوضّح التفاصيل ويخفي معالم بطلها الحقيقي. وهذه المجموعة من القصص ليس لها علاقة مباشرة مع أجهزة الأمن ولكنها قد تفضي إلى استحضارهم من المواطنين أو المواطنات الأمريكان بسبب وجود سوء فهم ثقافي من الطرفين.

هذه قصة طالب سعودي أصله من الرياض وعمره وقت حصول القصة خمس وعشرون سنة، وكان يدرس في مدينة (يغين) في ولاية (أوريغون) الأمريكية عام 2000م. وقد جاء إلى هذه المدينة لدراسة اللغة الإنجليزية في أحد المعاهد هناك؛ ورغب في السكن مع عائلة أمريكية لتطوير لغته الإنجليزية. وبالتنسيق مع معهد اللغة سكن مع عائلة مكونة من زوجين وهما كبيران في السن ومتقاعدان يمضيان أغلب وقتهما في أعمال تطوعية. وقد وجد راحة وهو يتعلم منها كل يوم عددًا من الكلمات ويعرّفهما بثقافته السعودية؛ وكان السؤال المحبب للأمريكان هو ما يتصل بالطعام. فكانا يسألانه عن رأيه في الطعام وعن ذوقه في بعض المأكولات، فيحدّثهما عن أكلته المفضلة وهي (الكبسة). ولأنهما لم يستوعبا شرحه وعدهما بأن يقوم بإعداد الكبسة لهما في نهاية الأسبوع.

وفي يوم الجمعة بعد أن انتهى من دراسته في المعهد توجّه إلى محلٍ يبيع الأرز الهندي، فاشترى منه كمية وفكّر في شراء دجاجة ولكنه خشي أنها غير مذبوحة على الطريقة الإسلامية فتراجع عن فكرته وتذكر أن هناك كمية كبيرة من الحمام الموجود بكثرة في الشوارع وعلى السطوح وأمام الأبواب وهو طير أليف لا يهرب من الناس وبالإمكان القبض عليه بسهولة. فقرر اصطياد حمامة ولم يجد صعوبة في ذلك، فذبحها ونتفها ثم طبخها. وفي المساء دعاهما لتناول طعام العشاء السعودي.

وعلى المائدة كان العجوزان يلتهمان الأرز وهما سعيدان بهذه الوجبة المجانية، وسأله الأب عن اللحم (هل هو ديك رومي أم دجاجة؟) فأجاب الطالب السعودي بأن هذا اللحم هو لحم حمامة اصطادها بجوار المنزل. وكان ينوي الاستطراد ليكشف مهارته في اصطيادها بدون (نبّاطة) أو (نبّيطة) كما كان يفعل في السعودية، ولكن توقفهما المفاجىء عن الطعام شد انتباهه. وسمع العجوز تصرخ قائلة (ماذا فعل هذا المجرم؟) وهي تتوجه نحو الهاتف لكي تتصل بالشرطة. ولكن زوجها هدّأ من روعها لأنه فهم من براءة هذا الطالب أنه يجهل قوانين تحريم صيد الطيور في المدينة. فوافقت على مسامحته شريطة ألاّ يبيت عندهما هذه الليلة ولايريا وجهه أبدًا؛ فخرج الطالب السعودي يجرجر عفشه وبقايا كبسته وهو كسير الفؤاد.



عدد التعليقات : 7
  • 1

    أشكرك على هذا الطرح الممتع والمفدي في ان واحد
    لك التحية والتقدير
    فقد استمتعت بقراءة هذه المقالة وما فيها من قصة مضحكة ومحزنة بصراحة لان الطالب فعلا ضحية نيته الطيبة التي كادت توقعه في المهالك ولكن الله سترو وانجاه من الخطر ولله الحمد.

    ثامر (زائر)

    08:53 صباحاً 2007/03/29

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 2

    يعطيك العافيه على هذه القصه الضريفه

    n.a.s (زائر)

    09:35 صباحاً 2007/03/29

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 3

    بما انك عرجت على موضوع البعثات الى امريكا
    احب ان احيطك علما بانني تلقيت اتصالا من قريب لي يقول ان هناك منحة او ما شابه ذلك من الحكومه لقريب كل طالب مبتعث بان يتم منحه(منح القريب)تذاكر و مصروف جيب و فيزا مجانيه للذهاب لقريبه هناك
    انا بدوري اتصلت على السفاره الامريكيه لكنني فوجئت باستغرابهم المصحوب بنوع من التهكم والاستغباء
    ارجو منك البحث و الرد عاجلا..وانا اطلب منك و انا على يقين بان ماستقدمه ليس من مهام عملك وانما على سبيل الخدمه

    عبدالرحمن الصقور (زائر)

    10:19 صباحاً 2007/03/29

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 4

    والله نكتة حلوة... شكل الطالب هذا من اصحاب النبيطات اللي أذوا أهل الحارة..فعلا الاختلاف الثقافي مشكلة وأزمة أحيانا... بعدين كبسة بالحمام.!. (( طالب سعودي سكن عند عائلة بريطانية وهذه العائلة ماهي الا عبارة عن عجوز انجليزية شمطاء متبرمة ساخطة الا أن هذا الطالب وهو من أصحاب النية الصافية والقلب الطيب تعامل معها على أساس أنها جدته التي تعيش في البادية بتعاملها الجميل الطيب... المهم ان الطالب كان ودودا وصبورا وأنيقا وحليما وعطوفا معها فترة ستة أشهر مما دعى العجوز في النهاية أن تقع في حبه وغرامه وكانت ورطة مابعدها ورطة ))

    وصل الحربي-المدينة المنورة (زائر)

    02:18 مساءً 2007/03/29

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 5

    شكرا لك على المقالة وما فيها من تنظير ثم ماورد في نهايتها من قصة طريفة وجميلة في نفس الوقت
    وكما شرح الاخ وصل الحربي من قصة الطالب السعودي مع الشمطاء الانجليزية مما يبين ان الطالب واقع في مشكلة لا محالة ان احبوه وان كرهوه
    ولكم تحياتي وأرجو امتاعنا بالمزيد من هذه القصص الطريفة
    والله يحفظكم

    Muhammad (زائر)

    04:53 مساءً 2007/03/29

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 6

    مقالة مشوقة وقصة طريفة ولكن ياليتك لم تتصرف بالقصة كما قلت في عبارتك:
    ((وسأسمح لنفسي بالتصرف فيها بما يوضّح التفاصيل ويخفي معالم بطلها الحقيقي.))
    وأرجو منك التكرم بتفسير ذلك شاكرا ومقدرا لك جميل عطائك الذي نتابعه ونفرح به

    سعد (زائر)

    02:06 مساءً 2007/03/31

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 7

    قلنا و كررنا مرارا يجب ان نكون قدوة فى تصرفاتنا مع الاغراب و معيارنا هو الاسلام و السؤال هل ما فعله الطالب يوافق الشرع؟طبعا لا و هل يستحق فعله ابلاغ الشرطة؟طبعا نعم
    و حيث ا اخلاقيات الغرب العامة تتوافق مع الاسلام تماما فان السيدة الجوز كانت محقة فى طلبها لذا فان ذلك الشاب يجب ان يتوب الى الله على فعلته و كان اجدى به ان يصحح فعلته بلباقة كأن يشترى مجموعة طيور و يطلقها فى الهواء على مرأى و مسمع من تلك العجوز حتى تصحح مفاهيمها تجاه العرب كذلك أؤكد ان ما فعله ذلك الشاب غير مقبول ايضا فى مجتمعاتنا العربية.
    للتواصل
    محمود معيط
    ...

    محمود أحمد معيط (زائر)

    04:34 مساءً 2007/03/31

    ابلغ عن هذه المشاركة




التعليق مقفل لانتهاء الفترة المحددة له

إعلانات