الرئيسية > شباب

تصورات إيجابية بين المدني والديني

صالح اللحيدان.. أفكار جديدة


يحيى الأمير

المحاضرات التي يتم عقدها للطلاب الذاهبين للابتعاث للخارج، غالباً ما تكون مليئة بالتثاؤب وثقيلة إلى الحد الذي ينتظر الطالب انتهاءها فيما يشغل وقته بمسح بعض الرسائل الفائضة من جواله، أو تقليب المطبوعات الموزعة، ذلك أن مثل هذه اللقاءات دأبت على ألا يتجاوز التخويف والحث التقليدي على الالتزام، وتضخيم صورة الغربة القادمة التي تحول الطالب إلى متوجس من البعثة أكثر من كونه مقبلاً عليها، وخائفاً من تبعاتها أكثر من آماله على ما سينتج عنها.

يحدث هذا لأن خطاباً واحداً هو الذي يتولى التنظير للوعي وغالباً ما يربطه بسطحيات وتحزب ضد كل ما عداه، وكثير من الجهات ذوات الخطاب التقليدي أو الخطابات التي تلح على الوعظي والبلاغي تقع باستمرار في مثل هذا الذي لا يتفق ما هو مأمول للشخصية السعودية التي بدأت تصبح جزءاً من حركة العالم.

لكن ما يبعث على الشعور بالارتياح هو ما حدث في لقاء الثلاثاء الماضي لمجموعة من المبتعثين إلى دول شرق آسيا (اليابان - الصين - الهند - كوريا الجنوبية)، وليس المهم في مثل هذه اللقاءات ما قد يقال من تنظيمات وتوجيهات قانونية خاصة أنها لا تحيل على بعد فكري، ولا تبعث على قلق، وإنما المهم في مثل هذه اللقاءات تلك الخطابات المتعلقة برسم نمط الشخصية السعودية المبتعثة وموقفها من العالم الجديد الذي ستعيش فيه، وهو ما يُعدُّ إشكالاً ثقافياً في السعودية بسبب رؤية واحدة ذلك تحيط بالمشهد ولا تملك إلا الخوف منه والتحذير من تبعاته (آراء كثيرة ظهرت في التحذير من الابتعاث للخارج وما سيترتب عليه من فساد وانحراف) وهي آراء خائفة ومتلعثمة في تصوراتها للعالم ولأنفسها.

كان نجم ذلك اللقاء هو الشيخ صالح اللحيدان، كان نجماً حقيقياً، فبالإضافة إلى نجوميته العادية كأبرز الوجوه الدينية التي تربى عليها السعوديون تلفزيونياً، وبالإضافة إلى أنه من أوائل من أدانوا إعلامياً حادثة الحادي عشر من سبتمبر فقد كان خطابه للطلاب المبتعثين واعياً وحقيقياً وبعيداً عن كثير من الأخطاء التقليدية التي غالباً ما تعتور خطابات كهذه.

أول ما يلفت النظر في خطاب الشيخ صالح للطلاب تلك الليلة دعوته لهم إلى عدم الانشغال بالسياسة وبالأحداث السياسية وهذه أبرز مناطق الوعي التي تفرق بين الشخصية المدنية ذات التطلعات المدنية والتي غالباً ما يكون موقفها من السياسة موقف المتابع لا غير، وما قاله الشيخ يأتي تصحيحاً لكثير من المفاهيم التي ظلت طويلاً تنادي الشباب بأن ينخرطوا في السياسة عبر الحديث عن (الأمة) ونصرة الأمة والانتصار للأمة، وهي الأفكار التي تسببت في ربط كثير من الشباب بجبهات وقضايا لا شأن لهم بها، وتحولوا إلى وقود مجاني لها، وهو ما يجعل خطاب الشيخ تجديداً ووعياً بالشخصية المدنية التي تهتم بأمتها وبثقافتها عن طريق العمل والإنجاز والنجاح الذي يُعدُّ أبرز مصادر النصر والاهتمام بالأمة لا بالانسياق خلف دعاوى الأممية.

جاء في خطاب الشيخ صالح للمبتعثين الشباب أمورٌ في ذاتها ليست غريبة بل تُعدُّ إشارة إلى الإسلام في جوانبه المدنية والمتحضرة، والتي غيّبت كثيراً بفعل خطابات التهويل والحشد التي أظهرت الأيام أن لا طائل منها، وحديث الشيخ عن الزواج من النصرانية واليهودية ترويج واضح ومنطقي لما عليه الإسلام من اتساع وانفتاح وقبول واعتراف، وحتى الدعوة إلى مراعاة أنظمة البلد الذي يقيم فيه الطالب فيا يتعلق بالزواج إشارة إلى أن القوانين التي تكون في بلد فهي ملزمة لأبناء ذلك البلد وللمقيمين فيه تماماً، كما يحدث في المملكة.

المعايير التي ذكرها الشيخ لإقامة الطلاب مع العائلات لا يمكن بحال أن تسمى تزمتاً، بل هي جزء من التحفظات الاجتماعية العامة، وليست حكراً على رؤية فقيه.

الدخول إلى الكنائس، والتزام الطالبات بالحجاب أفكارٌ قالها الشيخ في سياق هو ذاته الذي لدى ولي أمر الطالب المبتعث أو الطالبة المبتعثة وهي جزء من القلق الأبوي التقليدي، وهو ما جعل حديث الشيخ ملائماً للحدث والمناسبة.

يتضاءل التواصل أحياناً بين الشباب وبين كثير من الخطابات الوعظية لا لأن الشباب يعيشون تردياً مطلقاً، بل لأن المقبل على الحياة لا يحتاج إلى سماع من يخوفه منها، ويملأه ذعراً من تجاربها، بل لمن يمكنه من الحياة، ويوازن بين الأفكار الاجتماعية وبين الطموح في مستقبل مشرق، كل ما جعل حديث الشيخ بهذه الإيجابية هو أنه صنع ذلك.

yameer@alriyadh.com

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 2

  • 1
    الأمر ليس بهذا النظرة الإيجابية الكاملة خلال السنوات الأخيرة فقد طغت على سطحنا الساخن قضايا وآراء كانت حديث العالم أجمع. حاول معها مالكي القرار بالعالم تغيير الخرائط وإستبدال المواقع ورسم الحدود.. وتوزيع الثروات!!! كان من أبرز قضايانا التي تحدث بها الجميع من المفكر إلى العامل العادي الذي يبحث عن لقمة عيشه هي ما أطلقنا عليهم بالماضي مصطلح العائدون من افغانستان أوحالياً العائدون من العراق !! ولم تكن محاربة هؤلاء أمراً سهلاً..فالمشكلة معهم تكمن في فكرهم المنحرف وما الصعب محاربة الفكر فالسلاح ليس هو المنتصر دائماً في هذه المعركة.
    ولئن عانينا من العائدون من افغانستان ذات يوم أو ماسنعانيه من العائدون من العراق يوماً ما.. فقد نعاني من فئة أخرى ذهبت للدراسة في أمريكا فرضعت الحليب الأمريكي من المهد حتى الفطام لتنتقل بعدها للعيش على ( البرجر الأمريكي ) في سن الشباب...فنبتت عليها لحومهم ونشأوا وفق المعتقدات الأمريكية ليأتوا لنا مبشرين بحضارة جديدة وقيّم أخرى لم نعتد عليها !! هؤلاء يريدون ( أمركة ) كل شيء حتى في أسماءنا !! ذهبوا لأمريكا وهي محكومة بما يسمى بالمحافظين الجدد الذين لن يقر لهم قرار حتى يقضوا على الإسلام وأنّى لهم ذلك !! وهذا لا يعني عدم وجود فئة كبيرة من شبابنا لن يعودوا لنا بكل مفيد ليكونوا خيراً لهذا الوطن الغالي ليساهموا برقيه وتقدمه..
    كثرة الإبتعاث للخارج و بجمبع التخصصات و بعدة دول و ثقافات.. سيكون لها إنعكاسها و مردودها السلبي و الإيجابي و لا شك.. و سنرى طبقة جديدة من المجتمع.. قد أتت تحمل الكثير من الجديد.. بسلبيته و إيجابيته.. تحمل إلينا الثقافة و العلم و الذي نحن بأمس الحاجة اليه.. هل سيكون صراعآ جديدآ بينهم و بين ما سيجدونه ثابتآ راسخآ من المعتقدات الدينية.. و من آراء المشايخ..
    هل سيُخرجون ما أخذوه من الخارج.. و هل سنشكل بذلك صراعآ جديدآ بين المحافظين بالداخل.. و بين الثقافة الجديدة.. ؟!
    هل سنعاني من أفكار هؤلاء ذات يوم لنخرج بمصطلح جديد وهو ( العائدون بالثقافة من الخارج ) ؟!

    عبدالكريم الظفيري - زائر

    05:34 مساءً 2007/03/23


  • 2
    الامير والشيخ اللحيدان في مقال اليوم هل يوجه له نقدا ملبسا بالمدح بالنجوميه ام اعجابا حقيقيا بالرغم من الخطوات التي تقدم عليها الدوله لتللبية كل مايحتاجه المواطنين الا ان التقصير ظل وسيظل في المواطن نفسه فمثلا هيات البعثات ووفرت الدورات التدريبيه وتقديم المحاضرات التعريفيه الا ان الركود في الطلاب انفسهم فنصف الذين ذهبوا استغلو الاوقات في الاستهتار وبعضهم رجع بخيبة امل لانهم لم يكونو رعاة للامانه والرساله التي ذهبوا من اجلها ومافعله الشيخ ليس تخويفا انما وعظ ونصح لكن من سياخذ بها الا الذي لديه الوعي

    haifa - زائر

    06:02 مساءً 2007/03/23



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة