قبل اسبوعين انتهى معرض الكتاب محققاً مبيعات عالية ولكن من الواضح ان الغالبية لن يقرأوا الكتب التي اشتروها مثلما يحدث دائماً في معارض الكتب السابقة أو في المكتبات. من الواضح أن هناك حاجزاً بين السعوديين والقراءة وفكرة أن يتسكع الشخص بالشوارع بدون هدف أو يتحدث مع نفسه لتمضية الوقت فقط هي فكرة أقرب كثيراً من أن يمسك كتاباً ويستفيد منه. ولكن على أي حال فالناس يبدون في أكثر القضايا نتيجة وليس سبباً لذا فإن مسألة لومهم هي عملية غير عملية واستعلائية ووعظية.
الناس لم يقرأوا لأنهم لم ينشأوا في ثقافة تحرض على القراءة. والنصائح الجادة بالقراءة تمر عليهم ربما كل خمسة أعوام مرة والشخص الذي ينصحهم بها يقدمها لهم بطريقة متعالية وهذا ما يجعلهم ينفرون "أحد مدرسينا في المرحلة الثانوية كان بين فترة وأخرى يطلب منا أن نقرأ ولكن ذلك لم يشجع أي أحد منا على القراءة لأن أسلوبه كان ازدرائياً".
إن تفكير الناس حول القراءة هو مزيج من الكراهية لها وعدم الاهتمام. ولكل ذلك أسبابه الواضحة.. بالنسبة للوسط الثقافي تم التعامل مع القراءة على انها أمر استعراضي وأصبح اسم الثقافة والقراءة يرتبط دائماً بالأشخاص المتفلسفين والمنعزلين والذين يرددون كلاماً غير مفهوم. هذا في جانب كبير منه صحيح فكثير من المثقفين الذي كان من المفترض أن يقوموا بدور لتنوير الناس انطووا على أنفسهم ولم يرغبوا بالاختلاط ب "البسطاء" - هكذا يقولون ويمكن ان تلاحظوا النبرة الاستعلائية في هذه الكلمة - مع أن لا شيء أبداً مهم يمكن أن يحققوه بدون أن يكون هؤلاء الناس طرفا فيه. إن هذه الرؤية الانعزالية هي أنانية وغير عملية لذا فليس من الغريب أن تفتقد لفهم الآليات الجديدة للنجاح وهي آليات التسويق التي لا تتم إلا بالتواصل مع الناس وهذه أشياء بالطبع لن يستطيع أن يقوم بها أحد لا يتحمل سخافات الناس "في الواقع انها ليست سخافات الناس بل إنها سخافات ثقافتهم". ثم ان التعامل مع الثقافة كان موجوداً في الكلام وليس في الأفعال. إن بإمكان الشخص أن يقول ا لكثير من الجمل المثيرة والساحرة ولكنه غير قادر على تطبيق أي منها. ومن المؤكد ان الناس لاحظوا انهم لا يختلفون عن المثقفين إلا من خلال الكلام الذي يرددونه وهو ما سيبدو غير مهم إذا كانت النتيجة واضحة. لم تمثل لهم القراءة أكثر من تحويلهم إلى اشخاص متكلفين وهذا ما جعل القراءة هواية الاشخاص المدعين الذين يبحثون عن شيء ليتفاخروا به غير موجود لدى الناس. لكن فيما يخص الأخلاق فلا شيء جديد. طبعاً هناك اسباب اخرى. الثقافة التي اجتاحت الناس هي ثقافة لا تهتم بالقراءة ولكنها تهتم بالكلام. ثقافة منبرية تحقن أفكارها للناس من خلال الهياج والصوت العالي والتي تجد أي احد يطلب من الناس ان يهتموا بالقراءة لأن القراءة تعلم الشخص الدقة والتمهل وعدم الانجراف وهذا هو الأمر غير المطلوب. كل ذلك أوصل الناس إلى هذه الحالة من عدم الاكتراث بالقراءة والثقة بعقول لم تقرأ بحياتها أي كتاب. انه من المؤسف فعلاً هذه الثقة التي يبديها الناس في عقولهم وهم لم يقوموا بأي شيء لتطويرها. ان عقل الإنسان بدون قراءة هو عقل بدائي ويفكر بطريقة سخيفة وهذا ما يدفعه للثقة بآرائه، ولكن بعيداً عن كل ذلك ان بامكاننا ان نعيد فهم فكرة القراءة من جديد بدون أن ننعزل ونتكبر على الناس وبدون أن نبدو على هذا القدر من السخف والتفاخر بعقول فارغة.
إن القراءة الحقيقة التي يجب ان نمارسها هي التي تعلمنا ان نفعل أكثر من ان نتكلم ونتبنى قيماً أخلاقية نبيلة ونتحدث بطريقة مفهومة ونحاول ان نساعد بعضنا في تحويل مجتمعنا إلى مجتمع عصري ومتحضر وعقلاني، القراءة الجديدة التي يجب ان نمارسها هي قراءة تعلمنا كيف نكره الثرثرة وندقق أكثر بالكلام الذي نسمعه لأننا سنكون أكثر دقة وشكا بالمعلومات التي نسمعها. كل ذلك سيجعلنا فاعلين ومنخرطين في الحياة ومؤثرين وسيكون ذلك بالطبع أفضل من ترديد الجمل المتحذلقة أو إطلاق العبارات الفارغة وفي كلا الحالتين فانها ستترك مجتمعها يتراجع.
mamdoh@alriyadh.com