الرئيسية > الرأي

ثقافة التطوع: من أين تبدأ؟


د. محمد عودة العنزي

لا شك ان التطوع كفضيلة إنسانية ووطنية وسلوك اجتماعي نبيل هو من أعظم الأعمال وأرقاها حيث إن التطوع يعكس البعد الأخلاقي لأفراد المجتمع كما يعكس تغلغل الفضيلة وحب الخير ومساعدة الآخرين والمشاركة في خدمة المجتمع وتحمل المسئولية والتفكير بالصالح العام ولا شك أن ديننا الإسلامي قد حضنا على عمل الخير والتطوع ومساعدة الآخرين فالآيات القرآنية والأحاديث النبوية في فضل أعمال الخير تكاد لا تحصى من كثرتها إلا انه رغم أن عمل الخير والتطوع من صلب ديننا وحضارتنا وتراثنا العربية والإسلامية الأصيلة إلا أن هذه الفضيلة الإنسانية والدينية الرائعة قد أصابها نوع من الفتور والخمول أو التشويه في مجتمعنا السعودي الحديث وإلى حد كبير في بقية المجتمعات العربية والإسلامية. فالعمل التطوعي لم يحظ في أي ثقافة أجنبية بمثل المكانة التي حظى بها في الثقافة العربية والإسلامية، ومع ذلك فإن ثقافة التطوع في المجتمع العربي المعاصر تتسم بدرجة متدنية من عدم الفاعلية في معظم البلدان بل أن من المفارقات أن هذه الفضيلة قد أصبحت إحدى أهم ركائز العمل الاجتماعي والتنموي في البلاد الغربية وأصبح التطوع جزءاً أساسياً من حياة غالبية الناس في تلك البلاد.

فثقافة التطوع التي أصبحت شبه مفقودة في مجتمعاتنا تعرف بأنها الثقافة التي تعني مجموعة من القيم والاتجاهات والممارسات التي تحث على التطوع وتدعمه وتعلي من قيمة السلوك التطوعي عند أفراد المجتمع فهي جزء من الإطار الثقافي للمجتمع وتعكس مستوى تفكير الناس ومدى وعيهم وثقافتهم.

ولكن ندرك ذلك فلابد من التذكير بأن اطار الدولة الحديثة يعتمد على ثلاثة أضلاع: الضلع الأول هو الحكومة أو الدول بصفتها راعية للقانون ومسئولة عن حماية المجتمع وأمنه وضمان ضروريات الحياة الأساسية، أما الضلع الثاني فهو القطاع الخاص الذي تبلورت فكرته خلال العقود الأخيرة ليصبح مسئولا عن قطاع الخدمات في المجتمع على أساس ربحي، اما الضلع الثالث فهو يتمثل في ما يعرف بمؤسسات المجتمع المدني (الأهلي) الذي يمثل التطوع قاعدته الأساسية وعموده الفقري وهي المؤسسات غير الحكومية التي يشترك فيها الناس لخدمة مجتمعاتهم على أساس من التعاون والمحبة والتكاتف وروح الجماعة الواحدة.

إن مفهوم التطوع ينبع أساساً من خلال أن المفهوم القائل بأن الدولة ترعى المواطن من المهد إلى اللحد لم يعد مناسباً في العصر الحديث بسبب تعقيدات الحياة وتشعباتها وتطوراتها مما جعل الدولة لا تملك الوقت الكافي ولا العنصر البشري الذي تستطيع من خلاله أن تدير جميع شئون المجتمع بكل تفاصيله فلهذا جاء مبدأ الشراكة الاجتماعية ومفهوم التطوع الإرادي الحر، ومؤسسات المجتمع المدني هي التي تقوم بهذا الدور المهم وتخفف النقل عن كاهل الحكومات وذلك من خلال مشاركة المواطنين في إدارة شؤون مجتمعهم وتنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع على أنها علاقة تعاقدية أساسها القانون والحقوق والواجبات وشراكة تحدد فيها المسؤوليات والأدوار على الطرفين. ومن هنا يقوم المجتمع المدني على عدة ركائز أهمها التطوع الاختياري الحر في العمل الجماعي القائم على تجميع الطاقات الفردية وزجها في المشاريع المختلفة والنمط المؤسسي في العمل القائم على التنظيم والإدارة لتحقيق أهداف معينة على المدى البعيد، وهو أيضاً يقوم على مبدأ الاستقلالية في العمل والنشاط فكلما ابتعدنا عن المركزية والبيروقراطية والعمل الحكومي كلما كان التطوع أكثر فعالية وتأثيراً في المجتمع مع الإلتزام بمنظومة القوانين المرعية في البلاد والتقيد بها فالعمل المدني والتطوعي هو عمل تكاملي وتعاوني مع الحكومة ويلتزم التزاماً تاماً بالأنظمة والقوانين ويراعي أخلاقيات المجتمع والعرف والتقاليد السائدة ولا يعمل ضد الأنظمة والقوانين بل هو لبنة اضافية من لبنات المجتمع يبني ولا يهدم، يصلح ولا يخرب.

ولأن المجتمع السعودي هو ما يهمنا في المقام الاول فإن مفهوم التطوع اما قد غيب تماماً عن المجتمع أو انه تعرض للتشويه والتغيير لتكريس ما هو قائم وموجود في الثقافة السائدة مما ادى إلى اضعافه وتمييعه وحشره في نطاق ومفهوم واحد فقط هو مفهوم الاغاثة أو الدعوة أو العمل الخيري الذي يعتمد على الصدقات وغالباً ما يكون على شكل غير مؤسسي لا يتجاوز ردود الأفعال أو ما يطلق عليه عند عامة الناس ب (الفزعات) وأصبح من يقدم هذا العمل يسمى عند الناس ب (المطوع) لأنه تطوع ونذر نفسه لهذا العمل وهذا النوع من التطوع غالباً يرتبط بتمرير ايدولوجيا معينة وفكر معين واتخاذ مواقف مسبقة من الآخرين حسب اعتقاداتهم الفكرية ومدى اتفاقها مع قناعات ما يسمى بفاعل الخير أو المطوع الذي يستخدم أسلوب الضغط النفسي على المستفيد مستغلا حاجته المادية للتأثير الايدولوجي عليه، ومثل هذا العمل دائماً قصير النفس يعالج القشور، ينتهي ويذبل بانتهاء الحدث المؤقت ولا يقدم حلولا عملية للمشاكل من جذورها، والتطوع أيضاً لا يعني الاجتهاد الخاطئ والتدخل في خصوصيات الناس والوصاية عليهم حيث إن التطوع أصبح عند هذه الفئة إحدى الذرائع التي يستخدمونها للتدخل في الشؤون الخاصة لحياة الناس بحجة النصح والإرشاد "رغم انه شرط من شروط العمل التطوعي هو قبول وموافقة الطرف الآخر".

ليس ذلك فحسب بل ان حتى الخطاب التطوعي أو الخيري حسب هذا المفهوم لم يعد مجدياً أو مؤثراً في الناس وذلك لاعتماده على الاسلوب التقليدي في النصح والارشاد فنحن نكاد أن نكون أكثر المجتمعات على وجه الأرض تلقياً لهذا الكم الهائل من الوعظ والارشاد والخطب والنصائح في البيت والعمل وأماكن التعليم وفي الأماكن العامة حتى أصبحنا نسمع هذا الخطاب التقليدي في كل مكان حتى في السيارة وعند إشارات المرور فما هي النتيجة لهذا الخطاب؟ النتيجة ان هذا الخطاب لم ينعكس بشكل حقيقي على سلوكنا اليومي ولم يقدم حلولاً عملية لقضايا مجتمعنا فالمهم ليس ما نردده بلساننا كل يوم ولكن المهم هو السلوك والممارسة فنحن نتحدث كثيراً ونعمل قليلاً فلهذا فلم يعد من المناسب استخدام الكلمات التقليدية مثل: التوعية، النصائح، الإرشادات، التوجيه، لأنها لم تعد تفي بالغرض بالمطلوب ومن الأفضل استبدالها بكلمات مثل التربية والثقافة والتثقيف.

إلا ان مفهوم التطوع أعمق وأكبر من تلك النظرة الضيقة فهو يتجاوز كل الاعتبارات الفكرية والأيديولوجية والاجتماعية ليرسخ مفهوم "خدمة الإنسان لأخيه الإنسان" بغض النظر من هو المفيد ومن هو المستفيد؟ وذلك من خلال الارتباط بما يسمى بالتطوع التنموي الذي يقدم برامج تنموية وإنمائية للفرد والأسرة والمجتمع والتي تخدم الجانب الصحي والثقافي والترفيهي والقانوني والعلمي وجانب الحفاظ على البيئة وفي جميع مجالات الحياة حتى أصبح لكل نشاط جماعات تطوعية تسمى أصدقاء هذا النشاط بمعنى مجموعة متطوعة تعطي جزءاً من وقتها وجهدها لدعم هذا النشاط الفكري أو العلمي أو الثقافي.

والتطوع هو صفة إنسانية ملك لجميع البشر وليست حكراً على أمة أو دين أو ثقافة معينة ولهذا نجد أن ثقافة التطوع أكثر ترسخاً وعمقاً في المجتمعات الغربية مقارنة بالمجتمعات العربية والإسلامية وذلك لأن ثقافة التطوع لا تنمو إلا في ظل سيادة القانون ووجود مؤسسات المجتمع المدني والديمقراطية والاستقرار السياسي والاقتصادي وفي ظل الشفافية والمساءلة ومكافحة الفساد، وثقافة التطوع لا تترعرع أيضاً إلا في ظل ثقافة التعدد والانفتاح والقبول بالرأي والرأي الآخر ولا ينشأ مفهوم التطوع إلا في المجتمعات التي تؤمن بدور الرجل والمرأة على حد سواء في خدمة المجتمع كشراكة حقيقية وتؤمن بالحب والتسامح بين الجميع وتؤمن بقيمة الفرد وكرامته وبالفروق الفردية بين الأفراد والمجتمعات وتؤمن بحق الفرد بممارسة حريته في حدود قيم مجتمعه، فثقافة التطوع لا تظهر في المجتمعات المنغلقة أو المعزولة أو المتوجسة من الثقافات الأخرى فهي ثقافة تهدف إلى التغيير للأفضل وليس لتكريس الأمر الواقع.

ورغم ان تلك العوامل تعد من أحد أهم أسباب غياب ثقافة التطوع إلا ان لغياب تلك الثقافة أسباباً أخرى لذلك الغياب من أهمها التشريعات الحكومية التي تتعلق بإنشاء الجمعيات الأهلية والتطوعية وتهميش هذه الجمعيات وتدخل الحكومات في سير عملها وعدم توافر بيئة تشريعية مشجعة للمبادرات التطوعية فالاسلوب الرسمي في التطوع يقتله، كما انه من أسباب ضعف ثقافة التطوع القصور الكبير لدى وسائل الإعلام في نشر ثقافة التطوع وغياب هذه الثقافة من مناهج التعليم في المدارس والجامعات ومؤسسات التعليم الأخرى وتهميش دور المرأة وغياب الثقافة المدنية بالاضافة إلى ذلك فإن هناك إشكاليات ترتبط بضعف المكونات العلمية البحثية التي يمكن أن ترشد سياسات العمل التطوعي وأبرزها غياب المسوح الميدانية وقواعد البيانات، وأخيراً إشكاليات ترتبط بضعف بناء قدرات المتطوعين من ناحية التدريب، كل هذه العوامل أدت إلى تغلب نزعة الأنانية وحب الذات لدى الناس وانعدام روح المسؤولية وفقدان الاحساس بالجماعة وانعدام الروح الوطنية وعدم الاحساس بالانتماء للأرض والمجتمع.

ورغم ذلك كله إلا ان الرغبة والحماس في التطوع موجودة لدى الكثير من أفراد المجتمع ولكنها بحاجة إلى التنظيم والتوجيه لهذا فلا يكفي فقط وجود روح المبادرة والحماس والرغبة في العمل التطوعي لدى أفراد المجتمع ولكن لابد من فتح المجال لذلك وتوجيههم واعطائهم الثقة بالنفس وذلك من خلال إنشاء جمعيات غير حكومية للمتطوعين ومراكز للتدريب لدراسة امكانات المتطوعين وتوجيههم للمكان الصحيح وتلقيهم التدريب الفني والإداري ليكون التطوع بذلك قائماً على أسس علمية ومنهجية صحيحة حتى يحقق الهدف المطلوب منه. فالتطوع يعبر عن إرادة وطنية نابعة من تصميم أفراد المجتمع على النهوض والتقدم والأخذ بزمام المبادرة في مواجهة القضايا الاجتماعية وهو بذلك يعكس درجة وعي وفعالية هذا المجتمع وتماسكه وإرادته الحرة في البقاء والعيش والتقدم.

@ كاتب وطبيب سعودي

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 4

  • 1
    احب ان اضيف ان التطوع عمل جميل وهو اقل ما يقدم للوطن..ولكن من هي الفئه التي يريدها الكاتب ان تتطوع.شباب هم من يحتاج ان يتطوع ليعينهم..ام فتيات حرموا من التعليم لاي سبب..خاص في مؤسساتنا التعليميه..
    في رايي لن يقوم با العمل التطوعي الخالص لوجه الله الا اناس اخذوا مكانهم وحقهم كامل في وطنهم واستوفوا حقوقهم اما ما تعج به مؤسساتنا ودوائرنا وانظمتنا من سلبيات فلا اعتقد ان الدعايه للعمل التطوعي ستنجح..
    عندما نقضي على مشاكل البطاله والتوظيف والسعوده عندها ممكن ان ننادي با العمل التطوعي اما من اخذ حقه او متقاعد فلا بد ان يحث على العمل التطوعي والاستفاده منهم..
    وفي ظل ما ارى من انظمه لاتحمي المواطن ولا امواله ولا مشاكل الغش التجاري ولا تنصف مواطن من مصنع او مستشفى او طبيب وغياب كل لوائح تحمي المواطن وحقوقه..فلا ارى جدوى من النداء للعمل التطوعي..

    اريج - زائر

    06:05 صباحاً 2007/03/22


  • 2
    مقال رائع..
    ورغم ذلك كله إلا ان الرغبة والحماس في التطوع موجودة لدى الكثير من أفراد المجتمع ولكنها بحاجة إلى التنظيم والتوجيه
    شكراً

    tahani - زائر

    11:00 صباحاً 2007/03/22


  • 3
    دز محمد العنزي
    كلامك جميل جدا، ولكن اين الطرق للتطوع، لماذا لا يتم الإعلان عن مجالات التطوع على نطاق واسع ليتسنى للجميع المعرفة وبالتالي الإقدام.
    كثيراً جدا بحثت عن اوجه التطوع وخاصة ما تعنى بالمجتمع والأسرة والمراة والطفل والأيتام ونشر الوعي والثقافة، ولم استطع مسك طرف الخيط لاقدم.
    دانه الخياط

    دانه الخياط - زائر

    01:21 مساءً 2007/03/22


  • 4
    الاخت الكريمة اريج : لافض فوك فالتطوع لاينمو في ظل وجود الفقر والبطالة والمواطنة الصالحة هي منظومة من الحقوق والواجبات ولهذا فلاثقافة للتطوع بدون ثقافة المواطنة , تحياتي
    الاخت الكريمة : تهاني : لك جزيل الشكر
    الاخت الكريمة دانة : بحثت عن اجابة لسؤالك في المؤتمر السعودي للتطوع فلم اجد فللاسف المؤتمر اهتم بالجانب النظري على حساب الحلول العملية فلهذا فالمشكلة سوف تبقى قائمة , تحياتي

    الدكتور محمد عودة العنزي - زائر

    08:52 مساءً 2007/03/22



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة