حاز الفيلم على سعفة (كان) الذهبية سنة 1983للمخرج الياباني الكبير (شوهي إيمامورا) الذي رحل عن الدنيا في شهر مايو من السنة الماضية 2006عن عمر يناهز الثمانين عاماً وذلك بعد أن أنجز آخر أعماله سنة 2002في باقة الأفلام القصيرة التي صنعها هو مع عشرة مخرجين عالميين للتعبير عن مشاعرهم في هجمات سبتمبر تحت عنوان (eptembre 200111).
في فيلم (قصة من نارياما) يذهب (شوهي إيمامورا) إلى الجبال اليابانية القصية ليرسم من هناك شكل الحياة في قرية نائية ومنسية، تعيش على هامش الزمان، بعيداً عن كل المؤثرات الخارجية، ويحيا أفرادها بتقشف شديد وببدائية متوحشة وسط ظروف حياتية قاسية وسيطرة تامة للجهل والخرافة والأسطورة. الأحداث تنطلق من منزل العجوز (أورن) ذات التسعة وستين عاماً التي لا تبغي من هذه الدنيا سوى أن تحج إلى جبل (ناراياما) لتموت هناك بسلام في عيد الموتى بحسب العقيدة البوذية. لكن (أورن) قلقة على ابنها الكبير (تاتسوهي) وعلى حياته بعد أن تموت، فهو رجل بلا زوجة، لذلك تشغل نفسها في البحث عن واحدة له، وهي تمني نفسها بتحقيق ذلك قبل أن يحين موعد حجها إلى (ناراياما).
الفيلم لا يمتلك حدثاً تقليدياً ذي بداية وذروة ونهاية، إنما هو مجرد تأملات ونظرات في الحياة البدائية التي تعيشها عائلة العجوز (أورن) ومن معها في هذه القرية المنسية. لذلك فهناك العديد من الخيوط الدرامية الفرعية التي تقتحم الخط الرئيسي، وهو الحج الأخير إلى ناراياما، لتؤكد القسوة المؤلمة التي تغلف حياة هؤلاء الفلاحين. هنا سنرى هذا المجتمع المنغلق وهو يتعايش مع بيئته ويتكيف مع شرطها القاسي، محدداً قيمه وقوانينه الخاصة. ففي الزواج مثلاً يكفي أن تجلس المرأة إلى مائدة الأكل لتصبح زوجة صاحب هذه المائدة، وهكذا، بمثل هذه البساطة المتوحشة، تكون الحياة في الجبل..
(قصة من ناراياما) رحلة سينمائية فائقة الجمال والشاعرية، تأخذنا إلى عالم بدائي، وإلى عمق الفكرة البوذية، وعقيدة (الكارمن)، لترسم أخلاق ذلك المجتمع المعزول.. هذه الأخلاق التي برغم شذوذها وفظاظتها تملك سحرها وجاذبيتها العسيرة على الوصف!. وقد استلّ (شوهي إيمامورا) ملامح عالمه المتوحش بشكل مباشر وحرفي من رواية كتبها الروائي الياباني (شيتشيرو فوكازاوا) عام 1956بعنوان (دراسة في أغاني ناراياما)، والفيلم لم يغير في الرواية أي شيء، سوى إضافته لبعض الشخصيات كشخصية الأخ القذر. والنجاح الأكبر ل(إيمامورا) في تحفته السينمائية هذه ليست في محافظته على مجرى الأحداث وعلى الشخصيات فحسب، بل أيضاً في قدرته على التعبير عن صميم روح الحكاية، وتصويره الدقيق للبيئة القاسية والحيوانية التي تعيشها القرية التي بلا اسم، وذلك عبر تفجير طاقات الصورة، وإدراج لقطات للحيوانات والطيور والنبات، لزرع الإحساس بالطبيعة المتوحشة في نفس المتفرج، وتأكيد التصاق سكان القرية بهذه الطبيعة ورضوخهم الشديد لشروطها القاسية.