أيام حروب الطوائف في الأندلس اختلف أحد الملوك البريطانيين مع البابا في روما - في وقت كانت فيه بريطانيا كاثوليكية - .. وكرد انتقامي أصدر البابا قرارا غريبا حّرم فيه تزاوج البريطانيين من بعضهم البعض مما أوقع الملك في حرج أمام شعبه . وللخروج من هذا المأزق طلب من ملوك الطوائف في الأندلس إرسال بعض المشايخ لتحويل بريطانيا للإسلام نكاية بالفاتيكان .. إلا أن "جماعتنا" تقاعسوا عن تنفيذ هذا الطلب حتى وصل الخبر الى البابا فأصلح الخلاف ورفع قرار التحريم (ولك ان تتصور إسلام بريطانيا ، ثم انتشارها لاحقا كإمبراطورية لا تغيب عنها الشمس) !!
هذه القصة - التي أعدكم بتوثيقها وتفصيلها في مقال خاص - نموذج لأخطاء تاريخية كثيرة فرطنا بها طواعية .. فهناك مثلا معركة بلاط الشهداء (قرب بواتييه في فرنسا) حين اقترب المسلمون من النصر على جيوش الفرنجة ولكنهم للأسف كرروا نفس الخطأ الذي ارتكبه أجدادهم في معركة أحد؛ فقد تراجعوا لحماية غنائمهم من جيوش شارلمان فغلبوا وتوقف زحفهم بشكل نهائي على كامل أوروبا .. وبهذا الخصوص يقول احد المؤرخين الانجليز : "لو لم يهزم العرب في بواتييه لرأيتم القرآن يتلى ويفسر في كامبريدج واكسفورد"!!
... أيضا لا ننسى الفتوحات العثمانية في أوربا وكيف نجحت في احتلال صربيا وألبانيا والبندقية - وحاول محمد الفاتح دخول ايطاليا لولا تراجعه لصد خطر المغول الذي هدد مملكته من الشرق - .. ليس هذا فحسب بل تسبب المغول (الذيين أسلم معظمهم حينها) في إجبار العثمانيين على الانسحاب من أوربا وفك الحصار عن فيينا لأن بايزيد الأول سحب جيوشه لمواجهة تيمورلنك الذي هزمه مرتين وأسره في الثانية حتى مات في سجنه عام 806ه (وبهذا ضاعت للمرة الثالثة فرصة أسلمة أوربا)!
... على أي حال ، أنا أول من يعترف بأن الظروف التاريخية والدولية تغيرت الآن ولم تعد سياسة الفتوحات نافعة في تغيير قناعات الأمم الأخرى ( على الأقل ليست بمستوى شبكة الانترنت التي تدخل كل بيت) . غير أنها (من الناحية التاريخية) تعد فرصاً حقيقية ضائعة ونموذجاً لأخطاء تاريخية فادحة يمكن العثور عليها في تراث أي أمة !!
... أيضا ... بالإضافة للأخطاء ذات الطابع الحضاري والأممي يحفل التاريخ بالعديد من الأخطاء ذات الطابع الفردي والشخصي المميز .. ولدي في مكتبتي كتاب جميل بهذا المعنى يدعى "أكبر الأخطاء في التاريخ" للمؤلف البريطاني نايجل بليندن جاء فيه :
@ أن مزارعا يدعى جورج هاريشن من جنوب أفريقيا باع مزرعته إلى شركة تنقيب بعشرة جنيهات فقط لعدم صلاحيتها للزراعة. وحين شرعت الشركة في استغلالها اكتشفت بها اكبر منجم للذهب على الإطلاق ينتج حاليا 70% من ذهب العالم !!
@ وفي احدى ليالي 1696آوى الخباز البريطاني جوفينز الى فراشه ولكنه نسي اطفاء شعلة صغيرة بقيت في فرنه . وسرعان ما أدى هذا "الخطأ" إلى اشتعال منزله ، ثم منزل جيرانه ، ثم الحارات المجاورة ، حتى احترقت (نصف لندن) ومات الآلاف من سكانها فيما يعرف "بالحريق الكبير" - في حين لم يصب جوفينز نفسه بخدش - !
@ وفي عام 1347تسللت بعض الفئران الى ثلاث سفن ايطالية كانت راسية في الصين . وحين وصلت الى ميناء مسينا الإيطالي خرجت منها ونشرت الطاعون في المدينة ثم في كامل ايطاليا . وكان الطاعون قد قضى اصلا على نصف سكان الصين في ذلك الوقت ، وحين وصل الى إيطاليا انتشر منها الى كامل أوروبا فقتل (ثلث سكانها) خلال عشر سنوات فقط !
... وكما يشير العنوان ؛ هذه مجرد نماذج لأخطاء فادحة تجمع بين الغباء وسوء الحظ والتهاون ب"أصغر الشرر" ..
ولأنني على ثقة بأن أخطاءنا العربية تملأ مجلدات أتمنى ( تذكيري ) بأكثرها حمقا وفداحة عبر الموقع الإلكتروني للزاوية ... وأعدكم بالعودة للموضوع في حال كانت الحصيلة "دسمة" !
Fahmadi@alriyadh.com