يبدو أن أعاصير التغييرات الاجتماعية القوية التي بدأت تضرب بعنف مجالات واسعة في السودان،استطاعت في خلال السنوات القليلة الماضية أن تفك قيود كثير من تقاليد وعادات المجتمع السوداني المحافظ، وامتدت لتعزف على وتر حساس في منظومة التركيبة الخاصة بنظرة المجتمع نحو المرأة في السودان، فقد اقتحمت عدد من الصحافيات السودانيات مجالا كان لردح من الزمن حكرا على الرجال وهو مجال العمل في الصحافة الرياضية الذي تكتنفه مسالك وعرة يصعب للجنس اللطيف السير فيها، ومحفوف بالعديد من المتاعب والمخاطر- حسب وصف بعض الصحافيين الرجال المزاولين لهذه المهنة - والذين ينظرون لزميلاتهم من الصحافيات نظرة تتراوح بين النفور والغيرة المهنية والإعجاب والدهشة في آن واحد.
وعلى الرغم من المصاعب التي تواجهن فإن معظمهن تغلبن على التوقعات المرجحة للفشل في أول وهلة بسبب النظرة السائدة تجاه عمل المرأة في هذا المجال، وتمكنت مجموعة منهن إقتحام الوسط الرياضي الذي أقل ما يوصف في رأي بعض المتذمرين من هذا الاقتحام ب "السوقية" خصوصا الوسط المتعلق بممارسة منشط كرة القدم.
ويبلغ عدد محررات الرياضة في صحف الخرطوم حاليا عشرة صحافيات على الأقل ولكن يتوقع أن يرتفع هذا المعدل حسبما يشير عدد من الصحافيين الرجال المتمرسين في المهنة، إذ أكد هؤلاء أن الصحافيات اصبحن يشتركن في تحرير وتغطية كافة ضروب الصحافة الرياضية جنب إلى جنب مع المحررين الرجال من بينهم صحافيات يعملن في تغطية منشط كرة القدم وهي الرياضة الشعبية الأولى في البلاد، ويضاف إلي هذه القائمة أول صحافية رياضية هي هنادي الصديق تقوم بعملها كصحفية محترفة في صحيفة المشاهد المتخصصة في الرياضة وتعتبر هنادي أول فتاة سودانية تتبوأ مناصب رياضية على المستويين العربي والأفريقي.
ووفقاً للصحافي الرياضي المعروف الرشيد علي عمر فأن تزايد عدد الصحافيات الرياضيات امر ليس فيه غرابة، وهو نتاج طبيعي للتطور الذي تشهده الصحافة الرياضية في السودان، معتبرا مشاركة المرأة في هذا المجال، ساهم بشكل كبير في تغيير المفهوم السائد بخاصة في منشط كرة القدم، ويروي الصحافي الرشيد علي عمر ملاحظة تنبه لها في إحدى مباريات كرة القدم بدار الرياضة بمدينة أمدرمان، عندما شاهد إحدى زميلاته تقوم بتغطية المباراة وسط مجموعة من المشجعين المعروفين بتعصبهم وصياحهم المتواصل بالالفاظ الجارحة، ولكنه يذكر أن وجود تلك الصحافية في ذلك اليوم ألغى تلك الممارسات تماما، مما يعد مؤشراً لمقدار الاحترام الذي يمكن ان تحظى به الصحافيات الرياضيات في ملاعب الرجال.
وتعتبر هنادي الصديق التي تعمل محررة للمناشط الرياضية-دون كرة القدم- أن عملها الصحفي هو كسب لحق مهضوم للمرأة السودانية في مجالات الرياضة وتتساءل الصديق هل حقيقة لا يزال البعض ينظر للمرأة بالمفهوم القديم ؟وتقدم إجابة لسؤالها شديدة اللهجة حيث تقول للأسف هنالك القليل جدا من المتذمتين لديهم هذه الرؤية خاصة في هذا المجال الذي يستقبل في جوفه كل الأصناف من السلوكيات.
وتشير الصديق إلى إنها اختارت تغطية المناشط الأخرى دون منشط كرة القدم لأنها كما تقول تعلم أن الاستادات في السودان ليست في وضع يمكن للمرأة المشاركة فيه حسب وصفها،ولكنها تقوم بدخول الصالات الصغيرة التي تمارس فيها أنشطة رياضية أخرى مثل العاب التنس والسلة والكرة الطائرة إضافة إلى اهتمامها برياضة السيدات على وجه الخصوص على الرغم عدم الاهتمام الذي تجده الرياضة عموما من السودانيات.
وترفض الصديق التي تفتخر بكونها الصحافية الأولي في السودان التي سافرت إلى الخارج في بعثات رياضية لتغطية فعاليات مناشط نسائية في كل من اليونان ومصر مجرد التفكير بالدخول لإستاد لكرة القدم مبينة أن هذا الرفض لا يعني انتقاص لمن يقمن به من زميلاتها موضحة أن ذلك يرتبط بالتزام تعهدت به لأسرتها التي واجهتها برفض شديد عندما بدأت في مزاولة مهنة الصحافة منذ عشر سنوات ولكنها استطاعت أن تقنع أسرتها بإلحاحها وتصميمها.
وعلى الرغم من هذا الموقف المبدئي للصحافية هنادي الصديق إلا إنها تساند بقوة سعي بعض السيدات لتكوين فريق لكرة القدم هو الأول من نوعه في السودان وتقول في هذا الصدد أنها على ثقة من نجاح مثل هذا النشاط تاركة الأمر لتوفر بعض الشروط المتعلقة بالصالات المخصصة للنساء والمدربات والادراة المنظمة.
بيد أن طموح الصحافية الصديق، يصطدم بعادات وتقاليد عصية على التفكيك، فقد تعرضت الصديق لهجوم لاذع من زملائها في الصحف الرياضية عندما نظمت ضمن مهرجان رياضي لنادي الهلال مباراة خماسية لكرة القدم النسائية، ورغم أن الصديق دافعت عن الفكرة بشدة بيد انها لم تسلم من الانتقاد للدرجة التي واجهت فيها خصماً مختلفاً هم أئمة بعض المساجد من على منابر خطبة الجمعة، إذ اتهموا الصحافية بارتكاب مخالفة شرعية خطيرة تستوجب التوبة والردع.
وتشكو الصحافيات الرياضيات من تهميشهن في مجتمع الصحف الرياضية، والتمييز أيضا، حيث لم تحصل أي صحافية رياضية حتى الآن على مناصب قيادية في صحفهن، رغم ان بعضهن يملكن المؤهلات والخبرة المناسبة لمناصب رفيعة يتبوأها الآن من ليس لديهم أدنى المؤهلات، إضافة الى تعرضهن الى تمييز آخر من ناحية التقييم المالي فهن دائما رواتبهن أدنى من زملائهن الرجال.
الصحافية عبير جادين التي ولجت المجال في الصحافة الرياضية يملؤها التفاؤل والحماس.. تقول جادين التي تخرجت في كلية العلوم الإدارية، انه لا توجد علاقة تربط الصحافة بما تلقته في الجامعة ولكن عشقها الرياضة دعاها للتضحية بتخصصها مقابل العمل في الصحافة مشيرة إلى إنها على الرغم مما تعرضت له إبان بدايتها للعمل في تغطية مباريات كرة القدم داخل الاستادات من مضايقات من الجمهور والزملاء إلا إنها استطاعت أن تثّبت أقدامها وتسجل اسمها في قائمة طويلة لإنجازات المرأة السودانية.
وتتهم جادين ما تنعتهم بالرجعية والتخلف بعرقلة مسيرتها في هذه المهنة خصوصا بعدما حققت نجاحا اضطر البعض من زملاءها من المصورين والمحررين للاعتراف به مشيرة إلى إنها في المقابل وجدت من وقف بجانبها.
الصحافية أ.ع المعروفة بشدة من قبل رواد ملاعب كرة القدم وأنصار نادي الهلال على وجه الخصوص، تخطت بإصرار ودافع قوي المنطقة المحظورة واقتحمت الملاعب التي يمارس فيها الرجال كرة القدم واستطاعت خلال خمس سنوات أن تشارك الصحافيين تغطية جميع المباريات التي تشهدها ملاعب كرة القدم في السودان وهي حسبما تشير إليه واجهت متاعب جمة في بداية عملها خصوصا من قبل الجمهور الذي تقول انه لم يعتد هذا الأمر ولكنها تقول إنها تمكنت من فرضه حتى اصبح الآمر واقعا بوجودها وسط مدرجات الاستادات وبين أعداد هائلة من مشجعي كرة القدم.
وتقول (ع) التي تعترف بتعصبها لنادي الهلال أنها لا تهتم مطلقا بمعاكسات مشجعي الأندية الأخرى و-رزالات- البعض التي تصفهم بأصحاب النفوس الضعيفة موضحة أنها مؤمنة برسالتها الصحفية ولن تترك عملها لاسباب تعتبرها ستزول مع مرور الوقت.
وتقر (ع)بوقوف عدد كبير من المشجعين والعاملين في هذا المجال من لاعبين واداريين وزملاء المهنة إلى جانبها ومساندتها للقيام بعملها طيلة هذه المدة، مشيرة إلى أنها ترى نفسها منافسا نديا للصحافيين الرجال في ملاحقة الأخبار وأجراء الخبطات الصحفية.
وتشارك أخرى زميلاتها من الصحافيات في محاولتهن المتواصلة في تغيير المفهوم السائد بابتعاد المرأة عن الرياضة وتؤكد الصحافية الشابة إيمان ل "الرياض" إنها لن ترغب في تغطية مباريات كرة القدم ولكن الوضع الحالي في الميادين لا يسمح بذلك، وتطالب بتخصيص أماكن خاصة للنساء لممارسة التشجيع من داخل الملاعب كما هو متاح للرجال.
وتبدو الصحافية إيمان واثقة من قدرتها وزميلاتها على منافسة الصحافيين الرجال، بل تذهب أكثر من ذلك، وتؤكد انه لو نشطت الصحافيات في مجال كرة القدم فإن كفتهن سترجح تفوقهن.
وتقول إنها وجدت نفسها في هذا المجال وشعرت فيه بالإثارة وتحقيق طموحها المهني مشيرة إلى ضرورة أن تتمتع من تلجه بالجرأة والرغبة.
وتصف الصحافية هيام تاج السر صعوبات عملها بأنها قاسية مشيرة إلى انه على الرغم مما يلحقنا من القيل والقال يصل لدرجة القذف في بعض الاحيان إلا أن هنالك صعوبات أخرى مثل التأخير في العودة إلى المنزل بعد انتهاء العمل وصعوبة المواصلات إضافة إلى مشاكل المهنة التي تعرف على نطاق واسع ب "مهنة النكد".