أزمة المياه القائمة الآن في جدة، لم تأت بين ليلة وضحاها، ولكنها نمت في ظل الكثير من مشاكل التخطيط. ومشاكل الإدارة والميزانيات.
المشكلة المطروحة هنا، هي عكس مشكلة أزمة المياه الحالية، ألا وهي فائض مياه الصرف الصحي المعالجة. فمع التوجه الجاد في جدة لعلاج مشكلة الصرف الصحي بشكل جذري. وما تضمنه من إنشاء عدد من محطات التنقية العملاقة لمعالجة مياه الصرف الصحي، معالجة لا تجعل منها صالحة للإستخدام الآدمي ولا للزراعي .
المشكلة تكمن في أنه لو أن محطات التنقية كانت لمدينة صغيرة لكان مصير المياه المعالجة تحويل تلك المدينة إلى جنة خضراء وتلبية كافة إحتياجات الصناعة من المياه التي لا تصلح للإستخدام الآدمي، ولكنها تناسب الإستخدام الصناعي ولكن بمدينة بحجم مدينة جدة الآن فالأمر مختلف. فلو حسبنا الكمية الكلية التي تُستهلك يوميا سواء المنتجة من محطة التحلية أو من مصادر المياه الأخرى. وحسبنا مقدار ما يفقد يومياً من تلك الكمية أما بالتبخر أو بالتفاعل والتحول لمواد أخرى، لوجدنا أن ما يفقد من تلك الكمية لا يشكل إلا نسبة ضئيلة من مجمل كمية المياه التي تدخل مدينة جدة يومياً .وجوهر المشكلة هنا هو، أين نذهب بتلك الكميات الهائلة من المياه، التي ستتراكم على مدى سنوات عمل محطات التنقية؟
@ هل هناك إستخدمات صناعية لها تستوعبها؟ ...لا أعتقد. لأنه لم تنشأ عندنا من الأساس صناعات تعتمد على المياه.
@ التشجير والمسطحات المائية والخضراء؟ وهو غير وارد،لأنه لا توجد مثل تلك المسطحات من البداية. وإن أردنا إيجادها فهل يمكن إقناع أساطين التطوير العمراني، في ظل الطفرة التنموية التي تجتاح مدينة جدة خاصة، بالتخلي طواعية عن مثل تلك المساحات الهائلة من الأرض لتحويلها إلى مساحات خضراء، تستوعب نواتج محطات التحلية العملاقة، لأجل عيون جمال البيئة؟
@ رمي المياه في البحر؟ هو أمر لا يمكن حتى مجرد التفكير فيه، لو تصورنا حجم الضرر البيئي المترتب على التأثير على ملوحة المياه ودرجة الحرارة وهما أمران في غاية الأهمية للحياة البحرية. خاصة في بيئة حساسة بيئياً كبيئة البحر الأحمر. ويكفينا ما أفرزته خطط تطوير مدينة جدة من تدمير للبيئة البحرية على شواطئ البحر، خلال سنوات الطفرة.
هذا ونحن لم نتطرق للتوسع المستقبلي في محطات التنقية الناتجة عن التوسع والنمو الطبيعي لمدينة جده. ولا ننسى أن هناك نظاما مياه الصرف الصحي المعالجة وإعادة استخدامها صدر بقرار مجلس الوزراء، ونظاماً لحماية البيئة ولائحته التنفيذية. وتوجه الدولة الجاد والحاسم في التعاطي مع مسائل البيئة والتلوث في المملكة.
وإستكمالاً للموضوع، هذه بعض المقترحات التي لا تتعارض مع المحظورات السابقة والتي لا بد من دراسة إمكانية تطبيقها من كافة الجوانب:
@ إنشاء بحيرات في المنخفضات، تساهم في إكمال الدورة الطبيعية لتنقية المياه وتغذية مصادر المياه الجوفية. حيث يمكن أن تتحول تلك البحيرات إلى أماكن جذب للتجمعات الحضرية لتطوير مدن جديدة تخفف من النمو المتسارع للمدن الحالية.
@ معادلة وتبريد ملوحة المياه التي تعاد من محطات التحلية إلى البحر لتخفيف الأثر البيئي على الحياة البحرية.
@ حقن المياه المعالجة في مكامن النفط بدلا من إستخدام مياه البحر كتقنية بديلة لحقن غاز ثاني أكسيد الكربون.
@ إستخدام المياه المعالجة في "تنظيف" وتأهيل الشواطئ التي تضررت بشكل كبير من جراء رمي مخلفات الصرف الصحي من السابق ولسنوات طويلة.
وطبعا هذا بجانب إستخدام المياه المعالجة في تغطية إحتياجات الصناعة والتشجير المحلي.
المشكلة ليست بالبسيطة، وتحتاج إلى كثير من الدراسة العلمية الجادة والتخطيط الفعال. وقبل كل هذا وذاك الإلتزام بكل ما ينتج عن تلك الدراسات والخطط من توصيات وضوابط. فهل نحن لهذا الأمر منتبهون؟ أم أننا سننتظر حتى تحدث المشكلة ثم نتنادى لإيجاد الحلول؟
@ مدير المركز الإقليمي للارصاد والبيئة في المنطقة العربية