بات الاقتصاد في أرجاء العالم شرط أساس التنمية الأممية من خلال توسيع حقل الممارسة الإنسانية، وتعميق إمكانيات ووسائل التفاعل والتبادل المادي والمنفعي، لتحقيق جزء من مفهوم عولمة المال والأعمال القائم على بلورة الخبرات، والانطلاق منها إلى خلق توازنات تقرب النامين من المتقدمين عبر الاستراتيجيات المعنية برأب البون الشاسع بينهما.
إن الهوية الاقتصادية هي السبب في صراع الجنسيات على تبوء مكان قيادي أو على الأقل التصبغ بسمة ريادية يقربها من الحيز الذي تريده.
وحتى لا تكون المسيرة عرجاء من خلال تمحور مهمة الإصلاحات الاقتصادية والتنموية على نصف المجتمع، وتعطيل النصف الآخر يصبح دور المرأة المستثمرة في نطاق واسع من الأولويات، ففي العصر الحاضر لم تعد الاقتصاديات في زجاجة مغلقة إلا أنها لا تملك حظوظاً متساوية نتيجة تفاوت في الانسجام، والتكامل، والقوة الذاتية.
من هنا يسعى منتدى السيدة خديجة بنت خويلد الأول من نوعه في مفهومه المحلي إلى عكس طموحات المرأة السعودية المتزايدة للتوسع الديمومي المحمول على عقيدة الاستثمارات المتطورة مع التخلص من القيود وفق إيديولوجية إسلامية تمنحها اعتبارا اقتصاديا يمكنها من التفوق على أخريات يتماهين معها.
لقد أبدت العديد من سيدات الأعمال رغبتهن في الوصول إلى فكر مجتمعي يحميهن من الدخول في صراعات تقودهن إلى انتصار أو إلى نشوء محاولة جديدة.
وربطن في مضمون حديثهن بمناسبة افتتاح المنتدى زيادة فرص استثمارات المرأة السعودية بالنهوض الحضاري الذي ساهم في استلال الشعوب من أوضاع متأخرة إلى ما وصل إليه العالم في الوقت الراهن، ويأملن في الوقت ذاته الخروج من التباهيات اللفظية صوب تطبيق فعلي ينزل المضمون على الواقع الراهن ليتمكن من أداء أدوارهن.
في حين ألمحت أخريات إلى أن المواضيع التي سيجري الحديث عنها في المنتدى الحالي جاءت وفق ما وصلت إليه المرأة السعودية حاليا لكنها ستكون أفضل في النسخة الثانية لأنها ستواكب المرحلة المتقدمة التي وصلت إليها مستقبلا.
المنتدى سيفتح مناقشات هامشية واسعة تناقش قضايا مصيرية تنطلق من مبدأ اقتصادي يقوم على مطلب السيادة، يرافقه رغبة في المساهمة الإيجابية للتنمية المحلية مع تبادل للأفكار عن علاقات وتوازنات استثمارية قد تسفر عن نتائج تزيد من نسب النجاح المتوقعة لهذا المنتدى.
الاستطلاع التالي يناقش بعض أهم الجوانب المرتبطة بالمنتدى وبهموم المرأة السعودية، وإمكانية استثمار هذا التجمع في التحليل للعقبات التي تعيق حركة التقدم النسوي.
ظهور المنتدى
حول أسباب ميلاد المنتدى والمعايير التي من خلالها جرى اختيار هيكلته، أجابت رئيسة لجنة المنتدى المنظمة مها فتيحي بقولها: بعد مرور عام على انتخاب وتعيين أربع سيدات هن نشوى طاهر، والدكتورة لمى السليمان، ومضاوي الحسون، وألفت قباني، وتسكينهن في عضوية مجلس إدارة الغرفة التجارية بجدة وتولي الدكتورة بسمة العمير مهام منصب مدير عام مركز السيدة خديجة بنت خويلد خلفاً للدكتورة نادية باعشن.. جرى خلال هذا العام إنشاء مركز السيدة خديجة، والتعرف على البنى الفكرية، والتشريعية، والاجتماعية للمرأة السعودية في مجال المال والأعمال، وحصر المشاكل والمعوقات، والتعرف على الفرص المتاحة والمستقبلية، فكان لابد من طرح هذه المواضيع للنقاش.
وأشارت في معرض حديثها إلى أهمية نشوء رؤية مشتركة تحقق نموذج المرأة السعودية الملتزمة بأداء دورها المحلي والعالمي بناء على معطيات الواقع والحاضر، واستشرافاً للمستقبل بخطى ثابتة، ودراية واسعة.
مها أوضحت أن المقياس الحقيقي لاختيار محتوى المواضيع، ونوعية المتحدثين جاء على خلفية مشاركة المرأة السعودية في التنمية الوطنية، وواقعها بأبعاده المختلفة.
أثره على المرأة
ولأن المرأة هي العنصر الأساسي في هذا المنتدى، فإن انعكاسات حتمية ستلقي بظلالها على مستقبلها، فسارة العايد سيدة الأعمال المعروفة تؤكد ازدياد وعي المجتمع بدور المرأة الاستثماري في مقابل وعي المرأة بقدرتها على دعم الاستثمار محلياً وخارجياً، وقالت: لقد ازداد دور المرأة العربية مع زيادة واضحة في إدراك المجتمع لدورها الأساسي، وبخاصة في مجالات الاستثمار وغيرها من مجالات العمل التي تجد فيها المرأة انعكاسا لشغفها وطموحاتها.
وأضافت: أصبحت المرأة تتولى الآن مناصب قيادية لكن يجب استغلال ذلك في تحقيق الأهداف، والمتطلبات لكي تتمكن من التقدم ومواصلة الطريق من النقطة التي توقف عندها الآخرون مقابل أن تسهل الطريق لمن بعدها لأن المهم يكمن في تنمية الاقتصاد السعودي وليس في هوية الشخص الذي يقوم بذلك.
أما مها فتيحي، فتقول: المنتدى جزء من منظومة كونه يعرض الواقع، ويحلل أسبابه، ويقترح الأساليب، والوسائل، والطرق، والبرامج المساعدة على الارتقاء بمستوى الواقع في المستقبل، وفق منهج مدروس يحقق الرؤية المرجوة لتنمية الأفراد وبالتالي المجتمعات.
علاقة المنتديين
إن حاجة النساء المتزايدة في الحصول على مكان مهم يساعدهن في الإفادة والاستفادة من التنمية الاقتصادية قادت إلى إظهار هذا المنتدى غير أن أسئلة يجري تداولها من قبل بعض المراقبين حول أسباب انبثاقه في أعقاب منتدى جدة الاقتصادي خاصة وأن الفاصل الزمني بينهما لا يتجاوز الشهر تقريبا، مما جعل بعض المخاوف تشير إلى فقدانه أهمية النتائج التي سيخرج بها.
لكن مها فتيحي اعتبرت التوقيت مناسباً وعزت ذلك إلى بغية المرور من وضع شامل كان في منتدى جدة الاقتصادي يحاكي عالماً إلى تقنين يعنى بالشأن المحلي فقط على حد تعبيرها، وقالت: تميز منتدى جدة بصبغته العالمية التي اشتملت على خبرات عالمية، وعربية، وإسلامية لذا كان الهدف التوجه من الصورة الكبيرة التي كان عليها إلى صورة أصغر محلية لا تتجاوز الحيز الإقليمي لتشابهية الظروف، والمعطيات الحضارية.
إلى هنا كانت دواعي نشأة المنتدى الجديد لكن الذي بقي هو ما ورثه، وما تأثر به إيديولوجياً من سابقه بطريقة قد تجعل أطروحته صدى لنتائج قديمة.
هذه التركة أضافت تحدياً جديداً لهذه النشأة الجريئة، وتمكنت المسؤولات من عبور هذا المأزق واستغلاله لصالحهن عبر تأطير حجم التأثير في الاستفادة من الخبرة السابقة، وتحويل السلبيات إلى نقاط قوة مع حقن المزيد من الينبغيات التنظيمية. وقد أيدت مها فكرة تبني الإيجابيات لكنها حين جاءت على ذكر مستوى الحضور، قالت: نسعى إلى تراكم معرفي للفرد الحاضر. وأشارت إلى أن خطوط التقاطع بين المنتديين تبرز في البحث عن مكان المعرفة، وتقديمها للمجتمع، في حين يكمن التوازي بينهما في العمل على المشاركة في التنمية الوطنية بأساليب مختلفة عن بعضهما.
مقاطعة النسخة التاسعة
المشكلة التي قد تطرأ في حال حقق المنتدى نجاحا فوق المتوقع تتمثل في احتمالية استقلال العنصر النسائي الفاعل عن منتدى جدة المقبل في نسخته التاسعة بعدما تباينت ردود فعل سلبية في المستوى النتائجي حول ما قدمته المرأة السعودية إعلامياً واقتصادياً في النسخة الثامنة.
لكن مها استبعدت أن يكون منتدى خديجة بنت خويلد الطريق المؤدي إلى ذلك كونها ترى الأخير امتدادا للأول على اعتبار أن المرأة السعودية في حاجة إلى التركيز على أحوالها بشكل موضوعي، وقالت: المرأة نصف المجتمع الأساسي، فهي الأم، والزوجة، والأخت، والابنة، وعلى عاتقها إرساء معالم الأسرة، وبالتالي المجتمع والبناء المعرفي لدى المرأة يساعدها على تكوين آرائها الخاصة، كما يساعدها على العمل إن أرادت تغيير أوضاعها وأسرتها لتحقيق حياة أفضل.
في حين قالت سارة العايد: لطالما كانت المرأة تحلم بأن تنال حصتها من الشراكة مع الرجل في تخصصات لم تكن متاحة لها في الماضي والآن أثبتت جدارتها في ميدان الاقتصاد، كما نرى اليوم، فمشاركتها الفعالة في مجالات مختلفة كالأسهم، والعقار يمنحها جواز عبور إلى مجالات جديدة، ومتنوعة متاحة لها في السوق.
واتفقت معها في الرأي مها فتيحي عندما قالت: المرأة السعودية أثبتت قدرتها، وجدارتها العملية الجادة مما أكسبها الاحترام والتقدير.
البداية من البيت
النجاح الذي بلغته المرأة السعودية في حاجة إلى زيادة مساحته حتى يكتمل دورها التنموي، ومن أجل الوصول إلى ذلك ترى العايد أن البداية تكون من احترام حقها في داخل البيت وخارجه، وزيادة اقتناع المجتمع المحلي بضرورة مشاركة المرأة في عملية التنمية، وقالت: يجب الارتقاء بمحيطها إلى مستوى جديد تتوفر فيه مساحة وافرة تؤدي إلى أداء المهمة الملقاة على عاتقها.
وتضيف: من المهم استثمار المرأة في الخارج لأنها تفتح الباب أمام أسواق جديدة عن طريق توسيع عملها، وهذا يعتبر نمواً لاقتصاد المملكة، بغض النظر عن نوعية السبب الذي قادها إلى ذلك والمتراوح ما بين البحث عن المكاسب وتلافي العراقيل.
في حين أشارت نائلة عطار سيدة الأعمال إلى أن النتائج المتعارف عليها دولياً تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن المرأة سلاح اقتصادي ينمي الثروة القومية، وقالت: أثبتت الدراسات في الدول المتقدمة أن الشركات التي تضم في مجالس إدارتها نساء، يكون أداؤها الإداري والاقتصادي أفضل من مجالس الإدارة المقتصرة على الرجال فقط، وهذا يؤكد تمتع المرأة بمهارات مختلفة يمنحها أحقية تقاسم النجاح مع الرجل.
مشاريع صغيرة
الحدود الضيقة التي تتحرك فيها المرأة السعودية اقتصاديا في هذه الأيام مختلفة تماما عن ما كان في السابق وفق الأرقام الأخيرة، فبمجرد القياس يتضح التطور الواضح في هذا الاتجاه لكنه لم يصل إلى حد استخراج مواضيع متقدمة، وفق ما يراه مراقبون اقتصاديون للمنتدى.
فبالرغم من جودة الأفكار المتبناة التي جاءت لتلائم الوضع الراهن إلا أنها لا تواكب الطموحات، فمنهم من أشار إلى أن نوعية ما سيطرح في العام المقبل سيكون أكثر تقدماً وفق القفزات التي تحققها المرأة السعودية في التنمية، ودخولها القوي في المجال الاستثماري.
وهناك إجماع على أن براءة المظلة الدينية من تراجع الاستثمار النسوي محليا، ناسبين ذلك إلى الجهل بكيفية التصرف في الميدان التجاري.
فنائلة عطار تقول: إن مجتمعنا السعودي مميز لأن الدين الإسلامي يوجب على الرجل الرفق بالمرأة، وإحسان معاملتها، وهذا يعطي النساء ميزة لا تتمتع بها المرأة في الكثير من الدول الأخرى، لذا أعتقد أن المرأة السعودية تجد الدعم، والمساعدة، والتشجيع من جانب مواطنها رجل الأعمال، ولن تظهر المنافسة الحقيقية إلا بعد أن تصبح سيدات الأعمال مالكات للمشاريع الكبرى فالغالبية العظمى منهن يملكن مشاريع صغيرة ومتوسطة فقط.
وأضافت: الدين الإسلامي منح المرأة إمكانية المتاجرة، لذا فإن تطبيق الشريعة الإسلامية وفق النصوص الواردة سيمكن المرأة من تطوير أدائها الاقتصادي.
البطالة النسائية
تعبتر البطالة النسائية من أهم العوائق التي تعترض المرأة السعودية اقتصادياً، وتحد من فاعليتها في التنمية، وهي ورقة ثقيلة في كل مناقشة، وستكون هذه المسألة مثار جدل بين الحضور على هامش المنتدى إن لم يستعرضه بعض المحاضرين خلال كلماتهم.
ولعل أبرز ما يقلل من نجاح كل تنظيم نسائي عدم تسوية هذه المشكلة التي اعتبرتها سيدة الأعمال لبنى الفلالي مؤثرة في اقتصاديات الدول، وقالت: النتائج الأخيرة تؤكد أن المجتمعات المفعلة لمشاركة المرأة في الناتج القومي تقل فيها المتطلبات الاستهلاكية، ويرتفع فيها درجة الادخار، وبالتالي يرتفع النمو الاقتصادي، مما يعني أن هناك منفعة نفسية اجتماعية تصاحب المنفعة الاقتصادية.
وأضافت: هناك العديد من السيدات اللواتي يعانين من بعض الانعكاسات نتيجة فقدان وجود عمل كون الأعمال الروتينية التي تعودن عليها لا تستوعب طاقاتهن المخزونة بداخلهن، فتسفر عن أعراض اكتئاب بحسب ما تفيد به تقارير طبية تنشر في هذا الشأن بين حين وآخر.
لبنى طالبت بتهيئة المرأة لإدخالها سوق الاستثمار، وقالت: المساهمة النسائية في القطاع الخاص تبلغ 5% فقط، وكثير من هذه الأرقام غير دقيقة، فكثير من المشاريع مسجلة بأسماء سيدات لكن الرجال يتولون إدارتها نتيجة جهلهن بمبادئ الإدارة، في حين يدخرن أخريات رأس المال فتقل القيمة الفعلية لما يملكن مع مرور الزمن.