من يتابع حركة سيارة الإسعاف في مدينة كبيرة كمدينة الرياض سيلاحظ ندرة حضور هذه السيارة في الشوارع. وإن حضرت فإن حضورها يكاد يكون مقصورًا على الشوارع الرئيسية المزدحمة، لكن قلما نراها تجوب الحارات والشوارع الفرعية مع أن الحالات الإسعافية توجد في البيوت والحارات بمثل ما توجد في الشوارع الكبيرة.
وهذا الوضع يثير التساؤل حول كمية سيارات الإسعاف التابعة للمستشفيات وللهلال الأحمر وكذلك سيارات الطوارئ التابعة للدفاع المدني؛ فهل العدد قليل لهذه الدرجة؛ أم أن الأمر يتعلق بقلة الحوادث التي تقع في مدننا؟ والحقيقة أن موضوع كمية الحوادث لايمكن القول بقلته، لأن الوقائع اليومية التي تصل المستشفيات والمراكز الصحية كبيرة بل ومفجعة؛ كما أن نسب الحوادث التي يعلنها المرور مرتفعة جدًا. ولكن يبدو أن المشكلة تتعلق بمدى وفرة سيارات مجهزة طبيًا بما يتطلبه الإسعاف المباشر والسريع.
وربما يترافق مع نقص السيارات نقص الكفاءات الطبية المدربة التي تعلم أن كل دقيقة وثانية تمر تعني تقلص فرص إنقاذ حياة الضحية؛ وهذه الكفاءات لو وجدت فإنها ستحرص ما أمكن على الوصول إلى المصاب لإنقاذ حياته وتقديم الإسعافات اللازمة ثم إيصاله إلى المستشفى في أسرع وقت ممكن.
والحقيقة أن هذا النقص يرافقه ضعف الوعي والاهتمام بدور الإسعاف والطوارئ لدى العاملين في هذا المجال؛ ففي بعض الحالات نجد أن الناس تهب للمساعدة ربما أسرع وأحرص مما يقوم به رجال الإسعاف أو الإنقاذ الذين قد لايصلون (أبدًا) وإن وصلوا يكون وصولهم متأخرًا (جدًا) بعد أن (فات الفوت) وانتهى أمر الضحية إما إلى الموت أو يسّر الله له أو لها من ينقذ أو يوصل إلى المستشفى. ومعلوم مقدار المخاطرة حينما يقوم أناس غير مدربين بنقل المصاب أو محاولة تضميد جروحه. ولكن ليس هناك لوم للناس المتبرعين بالمساعدة في ظل تقصير المختصين، لأنه كما يقول المثل الشعبي (مادون الحلق إلا اليدين).
وبسبب تقصير الإسعاف الواضح للعيان، لم يعد الناس يهتمون به كثيرًا لأنهم يعلمون أن الإسعاف في بعض الحالات (مثل عدمه)؛ للأسباب السابقة في عدم الحضور أو التأخر، ثم في عدم جاهزية سيارة الإسعاف بالمواد الطبية الضرورية، إضافة إلى عدم كفاءة بعض الممرضين الذين قد يتفوق عليهم سائق الإسعاف في همّته وحرصه على حياة الضحية.
ولعل أبرز ظاهرة تفسّر عدم مبالاة الناس بالإسعاف ما نلاحظه من ملاحقة لسيارة الإسعاف حينما تعبر الطرق المزدحمة وكأنها تفتح الطريق أمام هواة الاستعجال. زد على ذلك أن السائقين لا يعطون سيارة الإسعاف الفرصة للعبور؛ لسببين أحدهما أنه ارتبط في مخيلة عدد من الناس أن رجل الإسعاف أو الطوارئ هو في الواقع رجل غير مهني ولهذا فمن المتوقع أن يكون غير صادق؛ فقد يستغل سيارة الإسعاف لأغراض شخصية. ورغم أن هذا الاحتمال مجرد انطباع لاينطبق بكل تأكيد على العاملين في مجال الإسعاف أو الدفاع المدني؛ ولكن ينبغي باستمرار أخذ مثل هذه التكهنات موضع الاحتمالية لأنه ربما يكون هناك من شوّه سمعة زملائه بتصرفه السلبي، ثم سار ذكره بين الناس ونسي اسمه ولكن صورته الذهنية عرفت وعممت بشكل نمطي. والسبب الآخر أنه لايوجد نظام لمعاقبة من يتسبب في تعطيل سيارة الإسعاف أو إعاقة تقدمها. وقد يكون هذا القانون موجودًا لكنه غير مفعّل ولهذا فإن الناس تجهله وتعتبره بمثابة قانون غير موجود.
إن وضع الإسعاف في المستشفيات وفي الهلال الأحمر وفي الدفاع المدني بحاجة إلى استراتيجية تتضمن جانبين: جانباً إنسانياً ومهنياً يتعلق بضرورة إنقاذ حياة المصابين مهما تطلب الأمر من تكاليف مادية. والجانب الآخر هو جانب مادي يتعلق بالحاجة إلى وجود سيارات إسعاف ذات مواصفات موحدة لجميع المستشفيات والمستوصفات تتوافر فيها التجهيزات الطبية والطاقم الصحي المتكامل على مدار الساعة لكي تكون على أهبة الانطلاق في أي لحظة. كما يتطلب الأمر الاستفادة مما يقدّمه البريد السعودي من التعرف على الرمز البريدي الذي يحدد كل حارة وكل شارع عن طريق جهاز (GPS) أوGlobal Position System
لتحديد المواقع. وهذا سيسهّل الوصول إلى الضحايا بأيسر السبل وأقصرها ويسهم في تقديم الخدمة الطبية بالسرعة الممكنة.