جاءت سرعة التحرك الأمني بُعيد العملية الإرهابية التي سقط ضحيتها عدد من السياح الفرنسيين والتي أثمرت عن تحديد المشتبه بهم على طريق التحديد النهائي لمجرمي ذلك الحدث المشين لتؤكد من جديد قدرة الجهات الأمنية في المملكة على التعامل الحازم مع كل النوازل الإرهابية، سواء أكان ذلك بمباشرة الحدث بعد وقوعه، أم بموجب الضربات الاستباقية لمخابئ تلك المجموعات المرتهنة لفكر محنط أبى إلا أن يكابر بادعائه التعالي على متغيرات الزمان والمكان.
بإزاء تلك النجاحات الأمنية المبهرة، كان من الواجب علينا أن نخرج من حالة الانفصام الحاد في تعاملنا مع الظاهرة الإرهابية، فنساوق تلك النجاحات الأمنية بنجاحات فكرية تتجه بقوة وعزيمة صادقتين نحو تفكيك المنظومة الفكرية التي يتكئ عليها الإرهاب،والتي لازالت نزيلة الكثير من مناشطنا المعرفية، الصفية منها واللاصفية .
لا يمكن لنا أن نجتث شجرة الإرهاب ما لم نجتث منظومة القيم التي تغذيها من الجذور،ولعل أوءلى تلك الجذور بالمعالجة ما تشتمل عليه المناهج الدينية - في المراحل الدراسية الأولية بالذات - مما قد يفهم منه على أنه تحريض على الإرهاب أو ممالأة عليه ، وفي تقديري أنه رغم ما طرأ على تلك المناهج من تطوير يشكر القائمون عليه، إلا أنها لا زالت تحفل بالكثير مما قد يشجع على تشكيل صورة نمطية عن الآخر، فحواها أنه ليس ثمة احترام لحياته طالما أنه لا يدين بما ندين به، حتى مع الكثير من الاحتياطات اللفظية الشكلانية التي دشنها ما يعرف تراثياً ب "فقه أهل الذمة" مثل التواصي ب"احترام المعاهد" والتي اعتقدنا أنها قادرة على سد الفجوة بين ما تريد النصوص المتضمنة تلك المقررات تمريره من فقه منغلق ، وبين مساحة التسامح (الزئبقية) المبثوثة على استحياء في ثنايا تلك المقررات،إذ سرعان ما يتم الالتفاف عليها وعلى مثيلاتها باستدعاء أهم عناصر مفهوم الحاكمية المتجذر في ثقافتنا الدينية، المتمثل بادعاء "جاهلية" الحاكم والمجتمع معاً، مما يبطل في عرف المتطرف صلاحية إعطاء عهود أمان لغير المسلمين من قبل الدولة من الأساس.
يمكن لي أن أستعرض هنا أمثلة لما أزعمه من وجود محرضات إرهابية في بعض مقررات العلوم الدينية حتى بعد تطويرها، فبين يدي الآن كتاب الفقه للصف الأول الثانوي طبعة عام 1427ه والذي يحتوي على مقولات يمكن لها أن توفر الأرضية المناسبة لزرع بذرة الإرهاب، فعندما استعرض مؤلف الكتاب شروط وجوب القصاص من القاتل ذكر في الشرط الثاني منها " أن لا يكون المقتول معصوما .. ثم لما استعرض أمثلة لأولئك غير المعصومين ذكر من بينهم المرتد" وهو ما يعطي ذريعة صريحة لأي متطرف لقتل من يقرر من جانبه أنه مرتدٌ عن الإسلام باعتباره حلال الدم، وهو ما حدث بالضبط مع قاتل الدكتور فرج فودة ،أما في الشرط الثالث فقد أكد المؤلف على ضرورة "أن يكافئ المقتول القاتل" ثم ذكر أن من شروط هذا التكافؤ بينهما " أن يتساويا في الدين إذ لا يقتص من مسلم بكافر" ولا يمكن في تقديري أن يفهم الطالب من هذا الشرط إلا أنه تهوين من شأن الاعتداء على المخالف بالدين ولو أدى ذلك إلى قتله، إذ مهما نال بعد ذلك من عقوبة فلن تصل إلى الاقتصاص منه طالما قتل من لا يكافئه في الدين.
أما عندما استعرض وسائل المحافظة على الدين كإحدى الضروريات الخمس المعروفة فقد ذكر منها " قتل المرتدين والزنادقة" هكذا بإطلاق، دون أن يحدد معايير معينة لتحديد مصطلح الزندقة وطريقة اكتسابها،والأهم من ذلك كله أنه لم يحصر هذه المهمة بالحكومة القائمة الموكل لها حفظ الأمن، ومن ضمنه المحافظة على الدين، كما أكد على أن من وسائل المحافظة على الدين أيضا "الجهاد في سبيل الله بالنفس والمال" وهذه الوسيلة تشير صراحة إلى تشجيع مفهوم جهاد الطلب الذي يعنى الاعتداء على المجتمعات والدول المستقلة في عقر دورها ، كما أن فيه تشجيعاً واضحاً على التضحية بالنفس تحت مسمى الجهاد، وهو ما تعاني منه كثير من المجتمعات الإسلامية من تورط نفر من أبنائها في صراعات سياسية خارج بلدانهم لا ناقة لهم فيها ولا جمل، بالإضافة إلى أن المؤلف ترك الباب مفتوحاً مرة أخرى لتنفيذ هذه الوسيلة بعيداً عن رقابة الدولة أو إذن الحاكم، وهو ما لم يحدث في جميع مراحل الجهاد الإسلامي تنظيراً أو تنفيذا، إذ أن من قال بشرعية جهاد الطلب من الفقهاء الأقدمين كان يربطه دائماً بموافقة الحاكم وتحت نظره وسمعه، أما مثل هذه النماذج الفقهية المعاصرة فتترك أمر جهاد الطلب - أو إن شئت فسمه الاعتداء - فضفاضاُ بيد كل من هب ودب، حتى وإن كان حدثاً صغيراً يغادر دفء حضن والديه ليضحي بنفسه لحساب جماعات سياسية متصارعة ، وبعد فهذه عينة مما يحتويه ذلك المقرر الذي بدوره لا يشكل إلا عينة من جملة المقررات الدينية، والمشكلة أن هذه الطوام تأتي بعد عملية التطوير التي تعرضت لها تلك المناهج مما يؤكد أن الطريق لا يزال طويلاُ أمام من يعنيهم الأمر لتنقيتها مما علق بها من فقه متشدد مرتهن في الأساس لفترات صراعية سياسية ماضوية .
abalkheiL@alriyadh.com