الرئيسية > المجتمع الدولي

كانت الطبقة المحرومة ترفعه في ثوراتها..

العلم الأحمرالروسي يرفرف دون "منجلٍ ومطرقةٍ"



موسكو - د. أيمن خيري

في خطوة لم تكن الأخيرة من نوعها في طريق التنازل عن الإرث السوفيتي، بدأت القوات المسلحة الروسية بخطة تدريجية لإلغاء الراية الحمراء التي اقترنت بجيش القوات السوفيتية.

من المفترض أن يتم تغيير العلم الأحمر خلال الأعوام الثلاثة القادمة، ويستعيض عنه برايات تخلو من النجوم ويتوسطها صليب يلازم القديس غيورغي في الصور وسوف يكون هناك علم القوات المسلحة الروسية والعلم الخاص بإدارة التموين والإمداد للقوات المسلحة الروسية.

السلطات الروسية لم تكتف بالتخلي عن الرموز السوفيتية في مسألة العلم فكانت قد بدأت من خلال تغيير اسماء المدن والشوارع وإعادة الاسماء القيصرية القديمة كما هي الحال في مدينة سان بطرس بورغ التي كانت تسمى في المرحلة السوفيتية مدينة لينغراد.

وطالت هذه التغييرات قبل أن تصل إلى علم القوات الروسية المسلحة الأحمر علم روسيا الاتحادية نفسها حيث أقر اعتماد العلم القديم الذي كرسه الأمبراطور بيوتر الأول بألوانه الأفقية الأبيض والأزرق والأحمر بقرار رئاسي عام 1991كما تم اعتماد شعار الدولة القديم النسر ذي الرأسين بقرار مماثل عام 1993وبات يصك على العملة الجديدة واتخذت موسكو شعارا جديدا قديما للعاصمة وهو القديس غيورغي جالب النصر على حصانه الأبيض ناهيك عن تبديل كلمات نشيد الدولة والحفاظ على اللحن السوفييتي وحسب.

ولم تمر هذه التغييرات جميعها ببساطة وخاصة في المراحل الأولى لانهيار الاتحاد السوفييتي حتى أن إزالة تمثال زديرجينسكي مؤسس الاستخبارات السوفييتية من قلب العاصمة موسكو تم في إطار استعراضي وتظاهرات صاخبة وانقسم المجتمع جذريا بين مؤيد لهذه التغييرات انطلاقا من أنها رموز لمرحلة توليتارية قاسية ومعارض ينطلق من أن هذه المرحلة جزء من التاريخ ولا يجوز محاسبة التاريخ من منظور واحد هو منظور المنتصرين في صراع مرحلي حتى أن الكثير من التعليقات آنذاك كانت تستشهد بأبيات للشاعر الكبير رسول حمزاتوف الذي يقول: (من يطلق على الماضي رصاصة من مسدس يطلق عليه المستقبل قذيفة من مدفع).

ووصل الأمر في الآونة الأخيرة إلى العلم الأحمر للجيش الروسي والذي يستخدم بتنويعات في تشكيلته حسب القطعات والأسلحة الرئيسية كعلم القوات الجوية أو البرية فيما تم قبل ذلك بسنوات تغيير علم البحرية الروسية واعتماد العلم القيصري القديم المسمى بعلم القديس أندريه.

العلم الأحمر ظهر عمليا في أوروبا قبل تكريسه في روسيا حيث رفعه أنصار كومونة باريس كرمز لدماء الشعب التي أريقت إبان الثورة الفرنسية والانتفاضات العمالية ثم غدا منذ عام 1871رمزا للبروليتاريا والثورة العمالية تحت شعار الخلاص من قهر واستغلال الرأسمالية،كما غدا رمزا رئيسيا للثورات الفلاحية في روسيا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وكان يرفع على المتاريس وساحات المواجهات والتظاهرات وخاصة في ثورة عام 1905في سان بطرس بورغ.

ومنذ عام 1918اعتبر العلم الأحمر بقرار من اللجنة المركزية لعموم روسيا علما عسكريا للقوات المسلحة الروسية وكرس هذا الرمز لمجمل القوات المسلحة السوفييتية عام 1926مع نجمة مذهبة الأطراف وشعار المنجل والمطرقة وكلاهما يرمزان إلى السلطة السوفييتية.

لكن الهالة المعنوية الكبرى للعلم الأحمر للقوات المسلحة السوفييتية أخذت مداها أكثر فأكثر في ذهنية ومشاعر المجتمع إبان الحرب العالمية الثانية حيث كان هذا العلم يتبوأ مكانة كبيرة جدا ويرفع في الخطوط الأمامية ويتقدم الجنود في معارك القتال، وغدا حتى في الموروث الاجتماعي رمزا للتضحية والبسالة للعسكريين وعامة الشعب بل وأصبح العلم نفسه بطلا للعديد من المؤلفات الإبداعية والأفلام السينمائية وكان قادة القطعات يضيفون على العلم عبارات خاصة لرفع المعنويات أو التذكير بالواجب الوطني المقدس من مثل الموت للمحتلين الألمان أو من أجل وطننا السوفييتي وغيرها.

وبعد الانتصار على الهتلريين كان العلم الأحمر يرفرف في الاحتفالات الشعبية والتظاهرات العارمة ويحرص المواطنون على اقتناء العلم للمشاركة في هذه النشاطات الشاملة وتثبيته على نوافذ بيوتهم مما كرس رمزه في الوعي الاجتماعي وخاصة لدى الذين تبقوا على قيد الحياة من زمن الحرب وأسرهم وأولادهم وأحفادهم.

لابد من الإشارة أن معظم الجنرالات وكبار الضباط في الجيش الروسي ما زالوا يكنون احتراما كبيرا لهذا العلم كونهم نشأوا وتربوا على العقيدة السوفييتية والعلم الأحمر بالنسبة لهم رمز لواحد من أقوى وأعتى جيوش العالم ولن يكون سهلا عليهم مفارقة هذه الذكريات، ومع ذلك فإن هذه الأجيال نفسها في تناقص ليس داخل الجيش والقوات المسلحة الروسية بل وداخل المجتمع الروسي نفسه ناهيك عن تصورات أخرى يطرحها بعض الخبراء العسكريين الروس حول ضرورة هذه التغييرات للتناسب مع التحولات الكبرى في المجتمع الروسي من ذلك ما ذكره وزير الدفاع السابق سيرغي إيفانوف بهذا الصدد حيث أوضح أن التقاليد العسكرية الروسية الرئيسية نشأت منذ روسيا القيصرية وليس زمن الاتحاد السوفييتي السابق وحسب ومن البديهي أن يعود الجيش الروسي إلى إحياء تلك التقاليد.

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة