الرئيسية > المجتمع الدولي

استثنتهما(إسرائيل) من صفقات الحرب واتفاقات السلام

(نائل وفخري) يختزلان حكاية آلاف الأسرى في السجون


رام الله - عبدالسلام الريماوي

باحساس من يقتصد في تفاؤله تجنبا للنكسات، تترقب حنان صالح البرغوثي انجاز صفقة تبادل الاسرى بين المقاومة الفلسطينية و(اسرائيل)، كسبيل وحيد لتحرير شقيقها نائل وشقيق زوجها فخري البرغوثي، ثاني اقدم اسيرين في سجون الاحتلال واللذان شارفا على انهاء عامهم التاسع والعشرين في الاسر. صفقات ومبادرات عديدة قبل اوسلو وبعده، لكن اسرائيل رفضت الافراج عن الاسيرن نائل وفخري البرغوثي من قرية كوبر شمال رام الله، والذريعة انهما متطرفان وخطيران. وادعت انهما قاما بالتمثيل في جثة السائق الاسرائيلي الذي قتلوه، وهو ادعاء قالت حنان ان لا اساس له وفقا لما رواه الاسيران لها.

"مرات عديدة انتظرنا خروج الاسرى، لا سيما في عملية التبادل الشهيرة في العام (1985)، التي نفذتها الجبهة الشعبية - القيادة العامة، حيث تحرر شقيقي عمر "ابو عاصف" الذي كان في ذات المجموعة ضمن اكثر من ألف اسير معظمهم من ذوي الاحكام العالية، وبضمنهم المناضل الاممي الياباني كوزو اكوموتو. لكن فخري ونائل كانا ضمن (36) اسيرا رفضت اسرائيل الافراج عنهم. وبعد اوسلو ظل (167) اسيرا خلف القضبان اقدمهم سعيد العتبة من نابلس الذي انهى (30) في الاعتقال". عندما اسر الجندي غلعاد شاليت شعرت حنان بفرحة غامرة، ووزعت الحلوى في الشوارع، ليس حبا بأسره كاسرائيلي ولكن بسبب فشل كافة السبل في تحرير شقيقي وقدامى الاسرى.

لم تكن حنان تبلغ الثانية عشرة من العمر في حينه، لكنها لا تزال تذكر ذلك اليوم الذي حضر فيه الجيش لاعتقال شقيقها نائل في (4) نيسان (1978)، على خلفية تظاهرات، حيث كان طالبا في الثانوية العامة في بيرزيت المجاورة، ليعتقل شقيقه عمر بعد ثمانية ايام، ويزج به في اقبية التحقيق.

في اواخر العام (1977)، قامت مجموعة تنتمي لحركة فتح باعتراض حافلة ركاب اسرائيلية قرب احراج قرية ام صفا شمال رام الله، وقتلوه طعنا بالسكاكين ثم لاذوا بالفرار على صهوة خيول وبغال، وهو ما عرض ابناء قرى بني زيد للعنة، حيث جمع رجالها ودوابها في الساحات وتعرضوا للتحقيق والتنكيل، دون العثور على الفاعلين.

"بالصدفة كان نائل وعمر يودعان احد الاقارب في مطار اللد "بن غوريون"، عندما صادفا هذا السائق وهو على ما يبدو ضابط احتياط، بزيه العسكري، وتعرفا عليه، وبوشر بالتحري عنه وصدر قرار قتله"، روت البرغوثي ل"الرياض".

سائق الحافلة التي كانت تقل يوميا عمالا من القرى الى اسرائيل، لم يكن في الحقيقة الا ضابط في سلاح الجوي الاسرائيلي الذي شارك - كما روت حنان البرغوثي - في المجزرة التي ارتكبتها اسرائيل عندما اغار طيرانها على مدرسة بحر البقر في مصر في السبعينيات، وفقا لما ذكرته وسائل الاعلام الاسرائيلية لاحقا. اما الاسير فخري فكان ينتقم لشقيقه ربحي الذي استشهد في عملية العرقوب الشهيرة التي نفذتها الجبهة الشعبية في العام (1972). وكما تفعل الان، اعتقلت قوات الاحتلال في تلك الليلة عمر ووالده للضغط عليه، وعذبوهما، لكنها وعلى مدار (120) يوما من التحقيق العنيف لم تنتزع اعترافا منه. وهو اسلوب كان يتبع لاعطاء وقت لباقي افراد الخلية من الفرار خارجا، وبالفعل خرج غازي البرغوثي واحمد القندس وهما من ابناء القرية، فيما جرى تحويل نائل للتحقيق في هذه القضية. اما فخري فاعيد عن الجسر وجرى اعتقاله في وقت لاحق. لكن اعترافا ورد من اسير اخر اضعف موقفهم وحكموا بالسجن مدى الحياة. منذ (3) عقود تعيش اسرة المواطن صالح البرغوثي، الاب والام والاخت، حكاية خاصة مع السجون، فلا يوجد سجن اسرائيلي الا ولهم فيه قصة او اعتصام، وساعات لا تعد من الانتظار، ولا توجد تظاهرة ولا فعالية في شوارع رام الله والقدس وامام الصليب الاحمر الا وكانوا على رأسها. وتحولت الحاجة فرحة رمزا لذوي الاسرى، وكثيرا ما تعرضت للضرب على ايدي المحتلين، وكانت تتحدث باسمهم جميعا وليس باسم نجلها نائل الذي فارقت الحياة وهي تحلم بلقائه حرا طليقا. اتيح للحاجة فرحة زيارة نجلها نائل مرتين قبل شهور من وفاتها في 2005/10/24، بعد اجراء تنسيق خاص ونقلت بسيارة الاسعاف. اما الوالد فقد رحل قبلها بعام فقط وكان ذلك في 2004/10/8.عدوى النضال انتقلت من الآباء الى الابناء، فعائلة مشعل وهي فخذ من عائلة البرغوثي تضم (55) نفرا، (14) من الشباب والرجال، هم الان اسرى في سجون الاحتلال. فعمر الذي خرج في التبادل عام 85عاد الى السجن مرات ومرات ليقضي ما مجموعه (20) عاما على مراحل. اما نجله الاكبر عاصف فهو ايضا التحق بالركب وسجن منذ بداية الانتفاضة وخرج. وفي آخر مرة سجن عمر ونجلاه عاصف وعاصم والام ليخرجوا ويبقى عاصم والتهمة الموجهة له التخطيط لاختطاف جندي".

تحول السجن هدفا لبعض ابناء هذه العائلة، فهو السبيل الوحيد للم شملهم، كما هو الحال بالنسبة لنجلي الاسير فخري البرغوثي، شادي وهادي الذي كان لا يزال في بطن امه سميرة البرغوثي عند اعتقال والده. فالابنان اللذان تعرفا وتعلقا بوالدهما وهو خلف القضبان، حرما منذ ثمانية سنوات من زيارته، فلم يكن امامهما الا الالتحاق به في سجنه. وعندما جرى التبادل الاخير بين حزب الله واسرائيل كان هادي مطلوبا وظل حتى الواحدة والنصف يتابع قائمة الاسرى المشمولين، وعندما تيقن ان والده ليس بضمنها، توجه الى بيته وفي تلك الليلة جرى اعتقاله.

وتروى حنان حادثة التقاء الاسير فخري بنجليه في اول شهر رمضان قبل ثلاثة اعوام: "ابلغتهم ادارة السجن ذات صباح انها ستجمعهم في ذلك اليوم، بناء على طلب تقدم به الاب. وعند الرابعة مساء جيء بهادي وشادي، حيث كان بانتظارهم نحو (70) اسير، فاحتضنهم الاب في مشهد لا يوصف لاكثر من ثلاث ساعات ونسي الجميع الافطار. في تلك الليلة لم ينم الاسير فخري بل جعل ساقية وسادة لنجليه واخذ يمسد شعرهما بلهفة حتى الصباح، ولغاية الان لا يزالا معه في ذات الزنزانة. اما والدتهما فباتت وحيدة. وللتغلب على وحدتها لجأت الى المبيت مع زوجة معتقل من الاقارب. وختمت البرغوثي متساءلة "عندما اعتقل نائل كان له أب وأم طال انتظارهما له ولم يخرج. وفخري هو الاخر رحل والداه وشقيقه وشقيقته، فاية فرحة تلك التي يمكن ان نشعر بها جميعا، وهناك من رحلوا عن الدنيا قبل ان تتحقق امنيتهم في لقاء نأمل ان ياتي قريبا!!".

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة