تطالعنا وسائل الإعلام المحلية بالكثير من أخبار الحوادث المأساوية على مدار الساعة، وهذا قضاء الله وقدره ولكن من باب الأخذ بالأسباب سأطرح بعض المداخلات المتعلقة ببيئة الحوادث بعيداً عن حصر جهة معينة. فعند النظر للمدن الكبيرة كمدينة الرياض، نجد ان دور المرور مشكوراً هو تطبيق قوانين السير في البيئة والمعطيات الموجودة، ولكن اعطني بيئة سليمة اعطيك نظاماً مرورياً عالياً. كذلك من حسن إدارة الجودة والنوعية عند صنع أي بيئة أن تعمل ما بجهدك لجعل الخطأ أمراً صعب المنال، وهذا ربما انه غير موجود لدينا بالعناية المطلوبة.
غالبية الحوادث تقع نتيجة للتوقف المفاجئ الناتج عن الزحام الشديد أو عن طريق الدخول إلى طرق رئيسية من مداخل غير منسقة أو بالسرعة الزائدة والقيادة بطريقة الألعاب الالكترونية وقطع الاشارات وعكس السير وغيرها الكثير، ثم ننتقل للمرحلة التالية وهي عدم القناعة بربط حزام الأمان والذي بقدرة الله يخفف آثار الكثير من اصابات الرأس وخروج الركاب خارج المركبات، وبالمناسبة تلك نظرية حركية مسلم بها، فنتيجة للاصطدام تتعثر المركبة ويندفع الراكب بنفس الاتجاه بغض النظر عن عضلاته وقناعاته.
بعد ذلك تأتي حلقة الانقاذ والمساعدة أو بالأحرى لا يمكن دائماً ان نسميها حلقة، فالحلقة مستمرة ولا يوجد بها فواصل، وهناك تبرز الأشياء التالية: أحياناً كثيرة المرور لن يأتي بالسرعة الكافية لاعتبارات مكانية كالزحام واعتبارات لوجستية كاتساع رقعة التغطية الميدانية وكذلك التأخر في فرز بعض البلاغات والتحقق من دقتها. وفي الجانب الآخر، فريق الإسعاف الغالب انه سيمر بنفس المؤثرات السابقة بالاضافة إلى انه سيعاني كذلك للخروج من الموقع بسبب الزحام والتكتل مما يزيد من خطورة حالات بعض المصابين وربما كذلك يتفاوت المسعفون في قدراتهم وصلاحيتهم على التعامل مع الحالات المعقدة ومدى توفر وسائل الانقاذ المتقدمة في كل سيارة اسعاف.
لن انتقل بكم إلى غرفة الطوارئ في أقرب مستشفى ولا عبر الطائرات المروحية للاسعاف فهي موضوع آخر. ولكن دعونا نعود قليلاً إلى موضوع البيئة العملية والجودة والنوعية وكيفية التقليل من حدوث الأخطاء قدر الامكان. فلننظر مثلاً إلى المادة الاسفلتية ونعومتها الشديدة التي ترحب بموسم المطر أشد ترحيب، هل صممت بطريقة تجعل الخطأ صعباً. كذلك بعض المداخل والمخارج تحتاج إلى إعادة النظر وهناك حاجة ملحوظة إلى زيادة عدد الانفاق لتقليل الاختناقات المرورية وربما كذلك لدراسة كل طريق ومعرفة أفضل الطرق للوصول إلى الحوادث بداخله. وتلك الاختناقات وخصوصاً في أوقات الذروة، لا يستطيع المرور ان يخلصنا منها بلمسة سحرية لأن الزحام بحد ذاته هو مجرد نتيجة للمشكلة الرئيسية. ومن الأسباب الرئيسية خلف هذه النتيجة تكتل المصالح والدوائر الحكومية والأسواق في مناطق معينة وقلة الفروع داخل الأحياء الأخرى ودخول الشاحنات العملاقة إلى قلب المدينة. بالاضافة إلى ذلك وسائل النقل الجماعية بأشكالها المتعددة لم تنل نصيبها من هرومونات النمو كما هي الحال بالنسبة لأعداد السكان والحركة التجارية الحاصلة. سيارات الأجرة كذلك، كانت هناك فكرة لأن تبقى خارج الطرق حتى يتم الاتصال عليها وطلبها ولكن هذه الفكرة كذلك لم يكتب لها الولادة. وبالتمعن، سنرى ان هناك أشياء كثيرة بالبيئة المذكورة يمكن العمل على تحسينها عن طريق عدة جهات وليست جهة واحدة.
كذلك، لو نظرنا إلى موضوع السرعة والقيادة المتهورة وعكس الطريق وقطع الاشارات من الجانب الآخر، فمعظمها قد يكون نتيجة للضغط النفسي بسبب الزحام والتأخير أو الضغط النفسي المرافق لمرحلة المراهقة والرغبة في التميز واستكشاف النفس أو التعالي بكسر الأنظمة وحسب الاستطلاع كالتجمهر عند الحوادث وتلك العوامل النفسية تجعل الانسان غير قابل على التركيز في الطريق أو حتى التركيز والتأمل بوسائل السلامة كحزام الأمان. طبعاً هذه المبررات ليست مقنعة للاستهتار بالنفس وبالآخرين ولكنها أيضاً دعوة للنظر في البيئة المكونة لها للوصول إلى الجودة المطلوبة.