الأحد 28 صَفر 1428هـ - 18مارس 2007م - العدد 14146

ايقاع الحرف

المبتعثون الجدد إلى أمريكا

ناصر الحجيلان

    سنحت لي الفرصة قبل أسبوعين للقاء عدد من المبتعثين إلى الولايات المتحدة في برنامج خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله حفظه الله للابتعاث الخارجي الذي نظمته جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض. وقد نجحت اللجان التنظيمية في تنظيم ذلك اللقاء بشكل يدعو للإعجاب لما اتسم به من ترتيب وتجهيز ومتابعة وإشراف جعل من ذلك الملتقى تجمّعًا معرفيًا مفيدًا ومريحًا.

وقد ألقيت محاضرة عن "حياة الأجانب في أمريكا اليوم" ، ركزت فيها على مايتعلق بالاختلافات الثقافية التي ربما يصطدم بها الطلاب السعوديون وفقًا لثقافتهم التي اعتادوا عليها هنا، بما في ذلك الأنظمة الاجتماعية أو القوانين والتنظيمات المختلفة.

ولفت انتباهي مقدار الاستغراب لدى عدد من أولئك الطلاب حينما ذكرت معلومات تتعلق بنظام الأسرة الأمريكية أو طبيعة العلاقات الاجتماعية والعاطفية بين أفراد المجتمع، أو القانون الذي يفتح المجال أمام الشخص ليظهر ثقته في كل ما يدلي به من معلومات شفهيًا وكتابيًا؛ ولكنه في المقابل يحاسبه بدقة صارمة فيما لو اكتشف وجود خطأ أو كذب في تلك المعلومات ولن يغفر له استغلال النظام أو تجاهله.

وذكرت عددًا من المواقف التي تبدو للعرب وللسعوديين كأنها مواقف فكاهية مضحكة، ولكنها في واقع الأمر مواقف مريرة وساخرة بأصحابها. منها على سبيل المثال ما حصل لرجل أردني في إحدى مدن أمريكا عام 2004حينما رزق بطفل ذكر وراح يُقبّله في عدد من المواضع في جسده، وكانت الزوجة هي التي التقطت الصور لكي يرسلوها إلى عائلتهم في الأردن. ولكن موظفة تحميض الصور الأمريكية فُجعت حينما رأت الأب يقبّل ابنه ويضمه فاعتبرت تلك جريمة وأبلغت الشرطة الذين طوقوا المنزل واقتادوا الأب ووضعوه في سجن المجرمين الخطرين بتهمة التحرش الجنسي بابنه. ولم تفلح شفاعات العرب ولا مظاهراتهم في إفهام المجتمع الأمريكي ولا النظام بأن هذا السلوك هو سلوك طبيعي ولا يعبر عن شذوذ جنسي كما يتخيل الأمريكيون.

وهناك أمثلة أخرى تبين سوء الفهم أو الارتياب المبالغ فيه منها ماحصل بعد سبتمبر حينما هاتفت إحدى الأمهات في السعودية ابنتها - زوجة أحد المبتعثين السعوديين - في أمريكا وقالت لها بأن ابنهم وجد وظيفة في "القاعدة" وهي تقصد القاعدة العسكرية في حفر الباطن؛ ثم أضافت بأنهم "ذبحوا له ذبيحة" . وبعد أيام حوصر المنزل واقتيد المبتعث وزوجته وحُقق معهما ساعات طويلة لأن المترجمين قاموا بترجمة المكالمة حرفيًا؛ وبناء على ذلك فُهمت القاعدة بأنها تشير إلى قاعدة الإرهابيين؛ كما فُهم الذبح بأنه قتل الناس الأبرياء.

ومن المواقف الغريبة ما حصل لطالب سعودي كان يقود سيارته ولم يتوقف لإشارة رجل المرور خلفه لأن الطالب كان ينتظر أن ينادي بمكبر الصوت كما هي الحال هنا، وظل يمشي معتقدًا أن ملاحقة سيارة الشرطة له مجرد صدفة حتى حاصرته سيارات كثيرة من جميع الجهات. وحينها توقف ثم هبط من السيارة فزعًا يريد إفهام الشرطي أنه لم يعلم أنه المقصود. وفي تلك اللحظات تقافز عدد من رجال الشرطة من السيارات مدججين بالسلاح المصوب نحوه وأحدهم يصرخ فيه أن ينبطح. ولأنه لم يفهم ما قيل له ظل يقول إنه يريد إفهام الشرطي بأنه متعود في السعودية على الهبوط من السيارة؛ وفي تلك اللحظات أطلقت نحوه رصاصة نجا منها بالانبطاح. ثم اقتيد إلى السجن بعدة تهم منها أنه أقدم على تهديد حياة رجال الشرطة بنزوله من السيارة، وجريمة أخرى تتعلق بعدم طاعة تعليمات رجل الأمن، وجريمة ثالثة تتعلق بمحاولته الهرب من رجل الشرطة حينما لم يتوقف. ولكن لأن هذا الموقف حصل قبل سبتمبر فقد أطلق صراحه بعد أن تبين للقاضي جهل هذا الطالب السعودي بالنظام، واكتفى بإنذاره للمخالفة المرورية وهي انطفاء أحد الأنوار الخلفية في سيارته.

وثمة جوانب كثيرة في الثقافة الأمريكية تبدو مختلفة عن ثقافتنا سواء في المسكن أو في الملبس أو في الطعام أو في اللباقة الاجتماعية أو في الشراء أو في استخدام عبارات التحية إذ لايقبل على سبيل المثال تكرار السلام أو تكرار السؤال عن الحال لأن من يفعل ذلك - وفق منطق الثقافة الأمريكية - يعتقد أنه مختل أو سكران. كما يطال الاختلاف التفكير والتصورات الذهنية عن الحياة وعن الناس. ويبدو أن من يعيش في أمريكا سيكتشف الحياة هناك بجمالها وباختلافها بسهولة وبسرعة؛ ولكن لأن المجتمع الأمريكي هذه الأيام متوتر ومشحون ضدنا، فمن الحكمة توخّي الحذر في التعامل مع أي سلوك مهما بدا عجيبًا أو خاصًا. و"ياغريب كن أديب "، وارجع لبلدك غانمًا سالمًا.