الرئيسية > الرأي

أنظمة مهزومة ومعوقون خاسرون


أ. د. محمد بن حمود الطريقي

بعدما أغلقت خط الهاتف مع أحد الدارسين الباحثين من أبنائنا الطلبة، الذي أصر كثيراً على أن يدون مرئياتي حول واقع الإعاقة والتأهيل في الوطن العربي ورغم محاولاتي العديدة معه ليستفتي غيري في هذه القضية، إلا انه أصر اصراراً غريباً على تدوين مرئياتي أنا بالذات، وعندما لم أجد بداً من الأمر، قررت أن أزوده بمرئياتي حول واقع الإعاقة والتأهيل في الوطن العربي، ولكن عندما هممت بالكتابة فوجئت أني عاجز عن تشخيص هذا الواقع المزدحم بمظاهر النهضة الحضارية من عقود ومواثيق واتفاقات، وفي نفس الوقت المأزوم بتفعيل هذه النهضة الانسانية، بعدما اصبحت كل قضايانا الإنسانية وفي مقدمتها قضايا ذوي الاحتياجات الخاصة، قضايا أشبه ما تكون بالريشة في مهب الريح، تتجاذبها الإرادات السياسية البليدة، وتتحكم في مستقبلها الإرادات الاقتصادية الهشة، خاصة في المنطقة العربية التي تمر بمرحلة غاية في الحرج على المستوى الدولي.

فالأنظمة العربية المعنية بهذه القضية - وعلى المستوى الحكومي بالتحديد - لم تنأ بنفسها جانباً عن معطيات ومراحل نمو هذه القضايا، ولم تحقق لها شيئاً في نفس الوقت.. فقد وقعت حكوماتنا العربية على أغلب الاتفاقات الدولية المعنية بقضاياهم وحقوقهم، ولم تفعل بنداً واحداً بمعنى التفعيل الحقيقي على أرض الواقع، ودعمت حكوماتنا ورعت كل اللقاءات والمؤتمرات المعنية بقضاياهم، ولم تنفذ توصية واحدة من ثمار هذه اللقاءات والمؤتمرات، ودعت حكوماتنا العربية إلى تفعيل دور منظمات المجتمع المدني في قضايا الرعاية الإنسانية بشكل عام وقضية الإعاقة بشكل خاص، وتركت هذه المنظمات في مهب الريح بلا دعم ولا تمويل ولا توجيه، بل وقيدتها بقوانينها الوضعية التي ترتبط أصلاً بمصالح المشرع السلطوية، والأنكى من ذلك انها قامت بتأمين الرعاية لخلق خبراء ومبدعين في هذا المجال، وعندما وصلوا إلى نقطة الانطلاق، قيدت هذه الانطلاقة، وكبلت أيديهم، وجمدت برامجهم، بل ووصل الحد في بعض مناطقنا العربية إلى معاقبتهم على انجازاتهم هذه!!.. وبمعنى آخر هيأت حكوماتنا العربية الفرس لدخول مضمار السباق، وبعدما تمت جازهيته وهم بالانطلاق، شدت اللجام خوفاً من أن تسقط قبعة الفارس!!.

فماذا اكتب لك أيها الباحث العزيز وبين الفينة والأخرى، يخرج اعلامنا العربي بأي وسيلة ممكنة - والرسمي منه أو الموجه على وجه التحديد - بإعلان نسب الاعاقة في منطقة عربية ما.. وتذهلك هذه النسب التي تحاول بشكل أو بآخر، رسم هالة من الإنجازات التي حطت من هذه النسب، وهي هالة أشبه ما تكون بالغمامة المظلمة، أو القشاوة المقصودة على عين الحقيقة.. نسب مدروسة مقرونة بمسوحات واستقصاءات، ومصحوبة بالمدح والتصفيق لكل من ساهم باكتشافها ورعى شؤون أصحابها، وهي نسب لا يعيبها إلا شيء واحد: انها لا علاقة لها بالحقيقة!!.. لا من قريب ولا من بعيد.

إن أصعب ما في موضوع هذا الطرح انه يتطلب منا أن نكشف ونشخص أهم عوامل بناء القضية الإنسانية لذوي الاحتياجات الخاصة، وهي للحقيقة عوامل شبه معطلة في واقع الإعاقة والتأهيل في المنطقة العربية، ومرد ذلك خسارة الحكومات العربية لرهان الأولويات.. فالمرافق الصحية العربية مؤهلة لاستقبال كافة الاحتياجات الصحية للمعوقين، ولكن بلا حق مفعل لهم ليعودوها ويحصلوا على الرعاية الصحية بالمجان، ومؤسساتنا الرسمية ومؤسسات القطاع الخاص مؤهلة لاستيعاب عمال من ذوي الاحتياجات الخاصة، ولكن بلا حق مفعل يضمن لهم الحصول على فرص وظيفية تناسب قدراتهم وامكاناتهم، وجامعاتنا العربية ومؤسساتنا الأكاديمية مؤهلة ببنائها وتجهيزاتها العلمية لاستقبال طلبة العلم منهم، ولكن بلا حق مفعل يضمن حصولهم على مقعد دراسي في هذه الجامعات مع مراعاة لظروفهم المعيشية..

وبالمختصر نحن نملك كل الامكانات لتفاعلهم واندماجهم في مجتمعاتهم، لكننا لا نملك الإرادة لتحقيق هذا التفاعل والاندماج.

لقد أصر باحثنا الكريم على أن تحوي مرئياتي ثمار تجربتي الإنسانية... الأمر الذي زادني هماً وقلقاً، لأن تجربتنا في المركز المشترك كجهة بحثية تطبيقية في مجال الإعاقة والتأهيل وفي دار الاستشارات الطبية والتأهيلية كجهة صحية تأهيلية وفي مجلس العالم الإسلامي للاعاقة والتأهيل كجهة رعوية شاملة وفي مركز أبحاث الشرق الأوسط للتنمية الإنسانية وحقوق الإنسان كمنظمة مجتمع مدني حقوقية، وفي العالم للصحافة كجهة اعلامية انسانية وخاصة اصدارها مجلة "عالم الإعاقة".. هي تجربة انطلقت من واقع عربي نحو العالمية، فاصطدمت بتلك الفجوة الشاسعة في واقع الاعاقة والتأهيل بشكل عام، وأصبحت تعيش صراع إثبات الوجود، كما تعيش كل الجهات المعنية بهذه القضية في المنطقة، وعندما أردنا سد شيء من هذه الفجوة اصطدمنا بما لم يكن بالحسبان.. فلا لقضيتنا أولوية عند صناع القرار، ولا برامجنا لها مكان في الأجندة السياسية، ولا مأسسة حقيقية لهذه القضية، فالتشريع قرار فردي، وتنفيذه قرار أكثر فردية!!.

إن واقع الإعاقة والتأهيل في المنطقة العربية هو الواقع الذي يقول بأن العاملين في مجال رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة، والقائمين على شؤونهم وفي مقدمتها الحقوقية، هو كواقع الصياد الذي ذهب إلى البحر كي يصطاد ولكن بدون شبكة صيد! والأدهى والأكثر نكاية من ذلك ان الشبكة لا تعقد إلا بأمر من مسؤولين في مواقع مختلفة يعتقدون ان الإعاقة قضية يخدمها قانون الطوارئ.. وان التأهيل ينتهي بكرسي متحرك يجلس عليه المعاق، ولا يدركون المفهوم الأعمق للنظريات التأهيلية الشاملة، وقيمة حضورها في أولويات سياساتنا المختلفة.

@ خبير تأهيل دولي

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 2

  • 1
    أشكرك يادكتور على طرحك لهذا الموضوع وأنا أءيدك حيث أنني لم أوظف بسبب الشروط الصعبة التي تضعها التربية الخاصة في التربية والتعليم مع العلم أنه من المفترض أن تطالب فينا بدلا من أن تكون ضدنا

    أم سعود - زائر

    02:42 مساءً 2007/03/16


  • 2
    إذا كانت هذه الوزارة الأبيه تتشدق بالتربية الخاصه والإهتمام بفصول الدمج إعلاميآ فقط وفي الحقيقه مدارس البنات بالذات ترفض الأصحاء فكيف بأصحاب الإعاقه. بعد جهد كبير ومساعي حميده من الزملاء وكبار الموظفين في وزارة الشئون تم قبول أبنتي في أحد المعاهد التابعه للوزاره وكان ذلك بتعاون واضح من مديرة المعهد ومن هذه الزاويه أشكر وزارة الشئون الاجتماعيه ومن ساهم في قبول ابنتي. وأقول لوزارة التربيه والتعليم الذي أخدم فيها منذ 19 عامآ لنا الله والله يرحم أيام الخويطر!

    عيد حسن المسردي - زائر

    08:56 مساءً 2007/03/16



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة