الرئيسية > طــب

فقدان الأحباب والأمراض يوقعانهم فريسة للاكتئاب

المسنون.. غرباء تؤرقهم فكرة الموت!



د.ابراهيم بن حسن الخضير

الاكتئاب أحد أكثر الأمراض النفسية انتشاراً في العالم أجمع. ويُشكّل مرض الاكتئاب المرض رقم واحد في الولايات المتحدة الأمريكية من حيث عدد نسبة الأشخاص المصابين به.

وفي العالم هناك أكثر من 450مليون شخص يُعانون من الاكتئاب حسب تقرير منظمة الصحة العالمية عام 2002.وتقول الدراسات والتوقعات التي أجرتها الأمم المتحدة بأن الاكتئاب سوف يكون المرض الثاني المُسبب للوفاة والإعاقة بين الشباب بعد أمراض القلب، خاصةً النوبات القلبية وذلك في سنة 2020.ويُمثّل الاكتئاب الآن المرض الخامس في سبب الوفاة والإعاقات بين الشباب.

الاكتئاب يكثر بين المتقدمين في السن وكذلك متوسطي العمر. ولكن الاكتئاب بين المسنين يكون أكثر إيلاماً وشدة وقد يقود إلى الوفاة بسبب الضغوط النفسية التي يُعاني منها المسن، خاصةً الوحدة بعد رحيل رفيق العمر، وتفرّق الأبناء وإنشغالهم بحياتهم وحياة أبنائهم وأحفادهم. إضافة إلى أن المسنين يُعانون من أمراض عضوية كثيرة مثل السكر وارتفاع ضغط الدم وآلام المفاصل والروماتيزم وربما أمراض القلب وتصّلب الشرايين.

كنتُ أتوقع بأن مرض الاكتئاب أكثر انتشاراً بين كبار السن في الدول المتقدمة، حيث يُصبح المسن إنساناً غير ذي فائدة، ولكن يكّرمه المجتمع والحكومة بأن تجعل هناك مأوى للمسنين . ولكن اكتشفت بأن المسنين لدينا وفي بلادنا يُعانون من نفس المشكلة، ولكن نظراً لقلة الثقافة المتعلقة بالأمراض النفسية والعصبية فإن مرض الاكتئاب لا يُعطى له أهمية ويتم التركيز على الأمراض العضوية التي يُعاني منها الشخص الكبير في السن، والتي غالباً ما تكون أعراضه العضوية انعكاساً لمرض الاكتئاب ولكن المُسن لا يستطيع التعبير بوضوح عن اكتئابه ولذلك يلجأ إلى الإفصاح عن الأعراض العضوية والتي تكون غامضة في كثير من الأوقات وتُحيّر الطبيب والذي قد يُجري فحوصات كثيرة قبل أن يحوّل المريض إلى الطبيب النفسي.

مريض من أكثر الأشخاص الذين قابلتهم في عيادتي لطفاً ودماثة خلق، يراجعني بين الحين والآخر حيث يُعاني من الاكتئاب.

يُحدثني هذا المريض بأنه قِدم من قريته إلى الرياض قبل 72عاماً، حيث لم يكن في الرياض أي شارع مرصوف (مزفت) على حد تعبير هذا المسن المكتئب. وبدأ حياته في التجارة بشكلٍ بسيط وتوسعت تجارته، حيث كان رجلاً نشيطاً، أميناً، كسب ثقة الناس في السوق، ومع ذلك لم يكن جشعاً بحيث أنه استغل الطفرات التي مرّت بها المملكة العربية السعودية لكنه بقي ميسور الحال، بنى منازل وتزوج وبنى بيوتاً له ولأولاده وأحفاده، وعلمّ أولاده حتى أصبحوا في وظائف جيدة.

توالت الأيام عليه، وبدأ يوّدع قريباً وصديقاً وزميلاً تلو الآخر. في آخر سنوات عمره لم يعد أحداً من جيله.. عندما يأوي إلى الفراش يُفكّر في زوجاته اللاتي ودعنه، زملائه في السوق لم يعد منهم أحد على قيد الحياة، رفاق الطفولة والمراهقة والرجولة والشيخوخة لم يبق منهم أحد.. أصبح في جيلٍ غريبٍ عنه..! أولاده انشغلوا بوظائفهم وأبنائهم وأحفادهم.. زبائنه الذين كانوا يأتون ليستدينوا منه أو يبتاعوا بالنقد لم يعد أحد منهم على قيد الحياة..! كل مساء عندما يأوي إلى الفراش تنتابه نوبة من القلق الشديد الذي يبلغ مرحلة الهلع.. يُفكّر في الموت..! ترك التجارة وانعزل في منزله، أصبح وحيداً فكلٍ لاهٍ عنه في دنياه وأشغاله في هذه الحياة.. الأبناء أصبحوا أجدادا وتقاعدوا أيضاً، ولم يعد أحد يمر عليه من أقاربه، فالذين في سنه تركوا الدنيا وانتقلوا إلى رحمة الله، أما أبناؤه فهم عنه لاهون.. يمرون عليه مجاملة ثم يستأذنوه في اللحاق بأعمالهم التي تنتظر أن يُنجزونها..! أصبح وحيداً، وتذكرّ قول الشاعر:

إذا مرّ القرن الذي أنت فيهم

وخُلِفت في قرنٍ فأنت غريبُ

فعلاً لقد أصبح غريباً، فكرة الموت تُسيطر عليه طوال يومه وليله، كل يوم يقول لنفسه هل سيكون في هذه الدنيا غد أما لا؟ وعندما يأوي إلى الفراش يتذكر أقرانه الذين ماتوا وهم نيام، عندما أتى من يوقظهم من النوم فإذا صاحب الحق أخذ حقه.

أصبح مُكتئباً بشكلٍ جدي، قلت شهيته للطعام، نقص وزنه، أصبح لا ينام ويخاف من الليل حيث يقضيه ساهراً يُرقب ضربات قلبه وصوت تنفّسه، وينتظر ببلوغ الصبر أن يؤذن الفجر حتى ينبلج النور ويترك الفراش ويذهب إلى المسجد ليصلي بين أشخاص لا يعرف عنهم شيئاً.. وبعد ذلك يحتار إلى أين يذهب. يعود إلى المنزل ويطلب من العاملة المنزلية أن تصنع له القهوة العربية ولكنه، لا يستطعمها بعد أن كانت تأتيه القهوة بعد كل صلاة فجر مع الحليب من زوجاته اللاتي انتقلن إلى رحمة الله.

لاحظ أبناؤه هذا التغير في الوالد، وجاء إلى العيادة رجل بشوش الوجه، حزين التقاطيع تدمع عيناه في كل كلمةٍ يقولها يذكر الموت بداعٍ وبدون داع.. يودعني وهو يقول لي هل ترى سأراك مرةً أخرى أم لا.. يا بني ادع لي بأن تختار لي الصالح فقد سئمت أخذ الأدوية المضادة للاكتئاب، وأدوية السكر والضغط والكلسترول وآلام البروستاتا ووجع المفاصل وأكثر شيء ضقت بهذه الوحدة وعدم وجود أحد من أقراني.. لا أدري وأنا أكتب هذا المقال ماذا حدث لهذا الرجل الوحيد..؟

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 8

  • 1
    سنة الحياة ان (دوام الحال من المحال )،والشباب لايدوم والصحة والنشاط ينال منهما كر الجديدين(الليل والنهار)، وفي القرآن الكريم :( ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون) الآية 68سورة يس، ولهذا ينبغي للمرء أن يُعد نفسه لهذه المرحلة من العمر، ويحافظ على نفسه في شبابه وكهولته، ويحرص على طاعة ربه في سائر وقته، فقد وجد بالتجربة أن الطاعة (صلة العبد بربه) تبارك في الحواس وتمتع صاحبه بها، وقد سئل أحد السلف عن سر تمتعه بقواه وحواسه الى سن متقدمة، فقال :(هي جوارح حفظناها في الصغر فدامت لنا في الكبر) فحري بنا أن نستلهم من سير السلف الصالح الحكمة ونتعظ بذلك، فالعاقل من وعظ بغيره، والجاهل من وعظ غيره به 0 والله نسأل أن يمتعنا الله باسماعنا وابصارنا وجوارحنا ويجعلها الوارث منا ويختم بالصالحات أعمالنا 00آمين يارب0

    محمد الخنيني - زائر

    09:18 صباحاً 2007/03/09


  • 2
    نعم هذا المسن مازال موجوداً.. في كل حارة.. وكل عائلة..
    طرحت تساؤلات يا دكتور ولم تطرح حلول.. فتحت الألام ولم تستشرف الآمال..
    ماذا عنا نحن؟ نحن الشباب.. كيف نستعد لتلك الظروف؟ لأني أرى الكثير من المسنين سعداء أكثر من الشباب المترفين! كيف فعلوا ذلك؟
    ودم بعقل سليم ونفس جميلة.

    أبو عدي - زائر

    10:12 صباحاً 2007/03/09


  • 3
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    اخي الدكتور ابراهيم لاشك بأن البعد عن الله وعن الدين الحق ولايمان بالله عز وجل هو من اعضم مسببات الهموم والامراض فأن العبد مدام قريب من ربه يكون سعيدآ في حياته ومماته بأذن الله

    ابومحمد.الحربي - زائر

    02:01 مساءً 2007/03/09


  • 4
    هذه سنة الحياة وكلنا بنفقد ناس
    كان الله في عون المسنين والله يبارك فيهم ويحفظهم

    محمد - زائر

    06:50 مساءً 2007/03/09


  • 5
    شكر ا لك يادكتور على اسلوبك الأدبي الرائع وشكرا للخنيني على تعليقه الذي لايقل روعة وانا أريد هنا ان أضيف ان إعطاء المسن جرعة صغيرة يوميه من مضاذ اكئاب أو مضاد قلق مناسب له مفعوله السحري العجيب من حيث تحسين نوم المسن وتحسين نفسيته وشهيته للاكل ولكن للأسف الشديد الدكاتره دائما مايغفلون هذا الموضوع ولايتنبهون الا للأشياء العضويه فقط. وقد كان صلى الله عليه وسل يتعوذ بالله من ان يرد الى أرذل العمر وكان يتعوذ أيضا من الهرم.
    لكم مني كل الحب

    خالد التميمي - زائر

    08:18 مساءً 2007/03/09


  • 6
    الله يحفظ كل مسن ’مين يارب
    الحياة دروس لازم نستعد لأي مرحلة من حياتنا
    ومثل ماقالت أمي الأدوية مامنها الا الشر أذكروا الله في السرا والضرا
    بارك الله فيكم

    المطيري - زائر

    08:33 مساءً 2007/03/09


  • 7
    للمدينه اثرها السلبي لقسوتها وجفاف اهلها ونمط معيشتها وكتل الاسمنت وماتسببه لاهلها من قلق وتوتر واكتئاب لبعد الحميميه بين سكانها وانهماكهم بمشاغلها عكس اهل القرى والباديه متوحيد ومتناغمين مع الطبيعه بشكل عجيب وعندهم حب للحياة بشكل خيالي وقدره على الابتهاج من ابسط شئ واصغر شي خاصه المطر تلاقيهم مبسوطين وفرحانين من قلب عكس اهل المدن احنا نتضايق لان الشوارع راح تتعبا مويه وطين ومداخل البيوت تتوسخ والسيارات وكثير اشياء هم يبتهجون بالمطر كاضيف عزيز كانه يوم عيد بمقارنه بسيطه بين اقاربي اللي عايشين بالمدن وبين اللي بالقرى الصغيره فيه فرق كبير بكل شي بالصحه بالبساطه بالنفسيه بالمزاج بنظرتهم للحياه نفسها فيه فرق تلاقيهم عايشين بسعاده ورضى ماتلاقيه عند اهل المدن وناجحين وفاعلين بمجتعمهم الصغير بكل سلاسه وفطريه الامر يحتاج لدراسه جديه

    منى الجهني - زائر

    09:39 مساءً 2007/03/09


  • 8
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    الانسان المسن كلم تقدم في السن يتعرض الى الاكتئاب بسبب الضغوط النفسيية التي يمربها والخلافات والقلق والايراى البيئة التي تناسبة على
    سبيل المثال لا يوجد مجلس يجتمع فيه المسنين لكي يرفهو ما بنفسهم
    من تعب الحياة. المسن يحتاج الى من يخدمة ويكون قريب منه ويتكلم معه
    وسولف معه لكي يشعر براحة النفسية وانا جلسة مع جدي رحمة الله ومر
    بمثل هده الظروف المريرة التي عاشها ولكن في الايام هدة المسن لا يحضى
    بلهتمام به يوجد تقصير من الابناء

    حلمي آل بدوي - زائر

    03:19 صباحاً 2007/03/10



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة