يبدو للمتابع - وبشكل واضح - كم هي مظلومة "ثقافة التقنية" في مجتمعاتنا العربية مع أنها مفتاح الدخول لمجتمع وعصر المعلومات بل هي الركن الأهم في سياسات نشر المعرفة المعلوماتية جماهيريا. تُرى هل صورة التقنية السلبية في المجتمع هي بسبب الإعلام. ربما يكون هذا الكلام صحيحا إذا نظرنا إلى الموضع من زاويتين أساس، الأولى: غلبة الخطاب الإعلامي التحريضي ضد التقنية والمبالغة في وصف سلبياتها (وشرورها)، والثانية مساعدة وسائل الإعلام - بوعي أو دون وعي- لشركات التقنية على نشر (ثقافة استهلاكية) غير واعية لمنتجات التقنية (واكسواراتها) المختلفة متزامنا مع غياب لا مبرر له لمشاريع توطين التقنية في مجتمعات هي في أمس الحاجة إليها. وهكذا جريا على عادة بعضنا في الخوف والتخويف من كل جديد يرتفع الضجيج مع كل منتج تقني قادم وقد رأينا كيف غلب خطاب التحذير والتخويف من مخاطر الانترنت ومساوي الجوال على (ما ينبغي أن يكون) من خطاب عاقل يستند إلى برامج مدروسة وخطط مجدولة للتوعية بفوائد هذه التقنيات ودورها في تسهيل حياة الإنسان وتيسير سبل حصوله على الخدمات بأقصر وقت وأقل كلفة. ويتبيّن اثر الإعلام وخطره في تشكيل الصور غير الحميدة عن التقنية من خلال الكتابات والبرامج بل وحتى في لقاءات المختصّين في الندوات الإعلامية والعلمية حيث لا تنتهي معظم هذه المناشط إلا وقد استهلك الحوار عن الجانب السلبي للتقنية معظم الوقت إن لم يكن كله.
قليلون في المشهد الإعلامي والاجتماعي أولئك الذين يحلّلون الظواهر المرتبطة بالتقنية بإنصاف، بحيث يفصلون بين (ضرورة) حضور المخترعات في حياتنا (وانتكاسة) القيم الأخلاقية عند من يسيئون استغلالها. في كل مجمع للناس تجد كثيرين يتدافعون متطوعين لبيان شرور هذه التقنيات وكيف أفسدت الأخلاق وبعض ما يقولونه فيه حق، ولكن أساس القضية كلها عند من لم يأخذ على (يدّ) أو يوقظ (قلب) (وضمير) من أساء التصرف وانتهك المحظورات.
تأمل معي كم هي وافرة فوائد الهاتف الجوال، وكم هي بديعة ثمرات الانترنت ثم قارن هذه المكاسب مع هذا الكم الهائل من البرامج والمنشورات وخطب التحذير من شر التقنية وما جلبت. كل ما عليك أن تنظر حولك قريبا من أبواب المدارس والأسواق وحتى أبواب المساجد وسترى كيف تتراص النشرات وأشرطة الكاسيت المحذرة من خطر "البلوتوث"، ومن "فتنة" الانترنت وليت بعضهم يستدرك ويستثني ويهب وقتا موازيا لبيان اثر هذه النعم التقنية وكيف يمكن استثمارها لتكون وسيلة لصلة الرحم ، ومنجدا لإغاثة الملهوف، ومعينا للباحث، ومساعدا للطالب، وسوقا لا وسيط فيه بين المستهلك والتاجر.
وفي سياق هذا الرصد الناقد للمشهد الثقافي التقني نجد أن البعض يلقي باللائمة على (التقنيين) الذين ربما نجحوا بامتياز في تطوير مخرجات التقنية وتسهيل الكثير من تطبيقاتها في المكاتب والمنازل ولكنهم - أي التقنيين- بحسب هؤلاء المنتقدين لم يُحسنوا بذات المستوى حين تصدّوا للثقافة المعلوماتيّة الجماهيرية التي تحتاج إلى متخصصين في فنون وعلوم أخرى. وهذه الجدلية تعيدنا إلى النقاشات القديمة التي تكرر التأكيد على أن وسيلتي التلفزيون والإذاعة ما كانتا لتنجحان كوسائل جماهيرية فعالة لو تُرِك أمر إنتاج المحتوى وترويجه وإدارته للمهندسين العباقرة الذين طوروا هاتين الوسيلتين.
وتشير تقارير بعض مؤسسات التسويق إلى أننا في المملكة من (أسرع) المجتمعات العربية نموا في استهلاك التقنية، وتشير ذات المراجع إلى أن سوق المعلومات في بلادنا هو الأضخم والأهم زد على ذلك أن النسبة الكبرى من سكان بلادنا هم من الشباب الذين نُعِدُّهم لمستقبلٍ تعتبر التقنية أحد أهم ركائز القوة فيه. وهذه المؤشرات تعني أهمية مضاعفة التوعية (بفوائد) التقنية، وضرورة التخطيط السريع والتنفيذ العاجل لمشاريع بناء المدن الذكية والجامعات الالكترونية وهذا يتطلب أن تكون "ثقافة التقنية" في المرحلة القادمة هدفا استراتيجيا جنبا إلى جنب مع مشاريع ومبادرات توطين التقنية.
مسارات
قال ومضى: صوت المعرفة لا يُطرِب إلا آذان الحكماء.
fayez@alriyadh.c
1
كلام جميل يا دكتور فائز قبل أيام كنت أستمع لشريط لأحد المشائخ اسمه بلوتوث وكان كما ذكرت في مقالك فيه تهجم وظلم لهذه التقنية " البلوتوث" المشكلة يا عزيزي أن نفس هذا الشيخ كان قد أصدر شريط عن الإنترنت و قام فيه أيضا بالظلم والتهجم على هذه التقنية "الإنترنت" و عندما تستمع لهذين الشريطين تستغرب من كلام هذا الشيخ فهو ينهانا عن الإنترنت والبلوتوث والمشكلة عندما تذهب لأكبر موقع عربي مخصص للمرأة على الإنترنت تجده قد قام بالتسجيل هناك مع أن الموقع خاص بالمرأة وشؤونها ولا يقوم بالتسجيل فيه إلا النساء و نفس هذا الشيخ يقوم بتقديم برنامج في إذاعة القرآن الكريم وبعض القنوات التلفزيونية عندما تسمع كلامه لا تمتلك إلا أن تقول له " الله يعطيه على قد نيته "
أ.د. محمد صالح - زائر
05:44 صباحاً 2007/03/04
2
كل كلامك صحيح وعلى العين والراس
لكنك نسيت ان شركة الاتصالات وحتكاره لعب دور كبير بااتخلف المعلومات
فااكثر الاحيا لاتدعمها مقسمات الاتصالات ولا كباينها والانتظار فيها بالسنوات
وطبعاً هيئة الاتصالات هي التى ساعده الاحتكار وفرض الاسعار الخياليه
لخدمه بسيطه مثل الدايل اب.
ali - زائر
11:37 صباحاً 2007/03/04
3
شكرا لك ايها الكاتب الكريم وهذا صوت العقل
نعم لقد استقبلنا التقنية بالخوف والشك هي بريئة من عيوبنا
لم نستطع ان نتحدث عن سلوكياتنا الخاطئة فهاجمنا التقنية
واصل التوعية والتذكير
سلمت يمينك
saad - زائر
02:57 مساءً 2007/03/04
الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة