في خضم الدينامكية المتسارعة وسهولة النشر الحاصلة على شبكة الويب، والتي من أهدافها نشر الأعمال الإبداعية لأكبر عدد من القراء، ظهرت الحاجة لتطوير قوانين تحفظ للمبدع حقه وفي نفس الوقت تمنح للجميع حق الاستفادة من العمل أو البناء عليه.
فظهرت تراخيص مختلفة مصدرها العالم الغربي كترخيص GPL وترخيص Creative Commons وغيرها، وجميع هذه التراخيص تخاطب في المقام الأول المستخدم الأجنبي مع إمكانية تعميمها للثقافات الأخرى.
ومع انتشار رقعة استخدام شبكة الإنترنت في العالم العربي وتوجه العديد من المبدعين لنشر أعمالهم فيها، ظهرت الحاجة لوجود ترخيص مقنن لخدمة العالم العربي وبيئته وهذا ما نجده في ترخيص العموميات العربية.
صفحة تقنية المعلومات التقت بالمهندس أنس طويلة مؤسس موقع العموميات العربية (www.arabcommons.org) ليطلع القراء على ماهية هذا الترخيص وكيفية الاستفادة منه وتوظيفه لنشر الأعمال الإبداعية على الشبكة العنكبوتية.
@ من يقف خلف موقع العموميات العربية؟
- لقد بدأت فكرة العموميات العربية بالتبلور في ذهني أثناء محاولتي لاختيار اتفاقيات الترخيص الملائمة لكتاب كنت قد ألفته منذ عامين تقريباً (بعنوان المصادر المفتوحة: خيارات بلا حدود)، وعلى الرغم من أنني قمت بمجهود متواضع لترجمة اتفاقية المستندات الحرة GNU Free Documentation License إلا أنني ومن خلال التجربة تأكدت بأن هذه الاتفاقية لن تصلح لجميع الأعمال الفكرية والإبداعية. بدأت رحلة البحث عن بديل ملائم لاكتشف خلالها ما سأسمح لنفسي بتسميته (أزمة) المحتوى العربي الرقمي وخصوصاً ذلك المتوفر عبر شبكة الإنترنت. معظم المواقع العربية على الإنترنت لا تعنى بتقديم محتوى علمي أو فني أو أدبي ذي نوعية متميزة، فمعظم التواجد العربي على الشبكة العالمية محصور في منتديات الحوار والمواقع التجارية. لذلك فقد عقدت العزم على العمل للإسهام ولو بالقدر اليسير في تغيير هذه الصورة القاتمة نوعا ما عبر إطلاق مبادرة العموميات العربية. وهنا لا بد لي من التوجه بخالص شكري وامتناني للفنانة هنادي طريفة والمهندس وسام طويلة اللذين أسهما بالكثير من وقتهما وجهدهما لإنجاح هذه المبادرة والتي لم تكن لترى النور لولا دعمهما المميز ومثابرتهما.
@ هل لنا بتعريف بسيط بما هي العموميات العربية ولأي جهة تتبع؟ وما هي الخدمات الذي يقدمه الموقع للمتصفح العربي؟
- تنطلق فكرة العموميات العربية من ضرورة نشر الثقافة العربية وصيانتها عبر تشجيع الكتاب، الأدباء، العلماء، الباحثين، الفنانين والمبدعين العرب على نشر أعمالهم بصيغة إلكترونية وإتاحتها ضمن اتفاقيات ترخيص مرنة تتيح وصولها إلى أكبر جمهور ممكن. للمبادرة ثلاثة أهداف رئيسية: نشر ثقافة الملكية العمومية في الوطن العربي والتوعية بأهمية نشر المحتوى العربي ضمن اتفاقيات ترخيص تمنح المتلقي حرية أكبر في استثمار هذه المواد، تسعى المبادرة في هذا السياق إلى توعية المبدعين العرب بأهمية قوانين حماية الملكية الفكرية وكيفية استخدام هذه القوانين بالطريقة الأمثل والتي تلائم المبادئ التي دفعتهم إلى الإبداع بالدرجة الأولى. كما تهدف المبادرة أيضاً إلى مساعدة المبدعين العرب في اختيار اتفاقيات الترخيص الملائمة لتلبية حاجاتهم المختلفة. أخيراً وليس آخراً تهدف العموميات العربية إلى بناء دليل للمواد الإبداعية العربية (العلمية والفنية والأدبية) المنشورة ضمن اتفاقيات ترخيص العموميات الإبداعية ضمن موقع المبادرة لتسهيل وصول القارئ أو المتصفح العربي إلى هذه المواد وتوسيع القاعدة الجماهيرية لأعمال المبدعين العرب.
@ هل العموميات العربية مستلة وتتبع نفس قانون العموميات الإبداعية Creative Commons؟ وهل هناك أي علاقة بينهما أو اتصال؟
- بكل تأكيد، تعتمد مبادرة العموميات العربية على تراخيص العموميات الإبداعية Creative Commons كحجر أساس لتوفير الحماية القانونية للمبدع العربي. ولا بد لي في هذا السياق من توضيح فكرة العموميات الإبداعية للأخوة القراء: تعتمد قوانين حماية الملكية الفكرية التقليدية على مبدأ (جميع الحقوق محفوظة All Rights Reserved) أي أن الشخص الذي يقوم بإنتاج العمل الإبداعي يملك جميع الحقوق القانونية المتعلقة بهذا العمل كحق الاستخدام والنسخ وإعادة الإنتاج والتعديل..الخ. وبما أن هذا المبدع يمنح حقاً محدوداً للمتلقي لتذوق هذا العمل الإبداعي، وبالتالي فإن استخدام هذا العمل لأية غايات أخرى يتطلب الحصول على موافقة خاصة مسبقة من صاحب حقوق الملكية الفكرية. قد يتوافق هذا المبدأ في التعامل مع أهداف بعض المبدعين، إلا أنه وبكل تأكيد لا يتلاءم مع غايات كثير منهم. ويجدر بنا هنا ذكر نقطة غالباً ما نسهى عنها في قوانين حماية الملكية الفكرية التقليدية: تنطبق هذه القوانين بشكل تلقائي على أي عمل إبداعي (سواء كان مقالاً أو قصيدة شعرية أو لحناً أو عملاً مسرحياً أو كتاباً جامعياً أو حتى محاضرة أو خطبة دينية) بمجرد الفراغ من إنجازه دون أن يضطر المؤلف إلى تحديد ذلك. قد يرغب بعض المبدعين في إتاحة أعمالهم لأكبر قدر ممكن من الجمهور، لكن ذلك سيحتاج منهم إلى تأكيد ذلك فور فراغهم من إنجاز أعمالهم عبر تحديد الحريات التي يريدون منحها للقارئ بشكل واضح لا لبس فيه. قبل ابتكار فكرة العموميات الإبداعية لم يكن أمام المبدع سوى واحد من خيارين: إما الانصياع للشروط القاسية لقوانين حماية الملكية الفكرية أو إطلاق أعمالهم على شكل مشاع. وهنا تكمن روعة العموميات الإبداعية، نظراً لما تمنحه للمبدع من مرونة في اختيار شروط الترخيص التي يريد تطبيقها على أعماله. لنفترض مثلاً أنك أديب أو داع تريد تأليف كتاب عن موضوع يهم الأمة العربية والإسلامية ويهمك بالدرجة الأولى إيصال رسالة هذا الكتاب لأكبر قدر ممكن من المتلقين، يمكنك استخدام اتفاقيات ترخيص العموميات الإبداعية لتحديد الشروط التي تريد توزيع كتابك ضمنها، فقد ترغب مثلاً بإتاحة تعديل الكتاب شريطة ذكر اسمك في العمل المعدل على أنك المؤلف الأصلي، كما يمكنك إتاحة توزيع هذا العمل شريطة عدم تعديله، يمكنك أيضاً منع الاستثمار التجاري لعملك دون الحصول على إذن مسبق منك شخصياً وهكذا. تتحقق بهذه الطريقة الاستفادة للطرفين: المبدع والمتلقي وفي الوقت ذاته يزداد انتشار لغتنا الغراء نتيجة انتشار الإبداع العلمي والفني والأدبي العربي.
ترتبط العموميات العربية مع العموميات الإبداعية بروابط وثيقة كونهما تسعيان لتحقيق نفس الأهداف والغايات باستخدام نفس الأدوات والأساليب.
@ وجدنا الموقع يقدم أعمالاً لشعراء وفنانين وأيضا دورات تعليمية تحت رخصة العموميات العربية؟ ما هي تلك الأعمال وكيف يمكن حفظ حقوقهم الفكرية تحت رخصة العموميات؟
- يتضمن موقع العموميات العربية دليلاً للأعمال العربية المنشورة ضمن اتفاقيات ترخيص العموميات الإبداعية، وذلك لمساعدة القارئ العربي على الوصول إلى هذه المواد بسهولة ويسر. تتنوع هذه المواد لتشمل جميع أشكال الأعمال الإبداعية الفنية والعلمية والأدبية، فالموقع يحتوي مجموعة من الكتب العلمية والأكاديمية، الدورات التدريبية ، الدواوين الشعرية، اللوحات الفنية، الصور الفوتوغرافية، المقالات، الملفات الصوتية والمدونات الشخصية. ولا بد لي هنا من التوجه بالشكر الجزيل لرواد العموميات العربية: الفنانة هنادي طريفة، الشاعر ريان الحلو والمهندس وسام طويلة والذين اقتنعوا منذ البداية بفكرة هذه المبادرة وقاموا بنشر أعمالهم ضمن اتفاقيات ترخيص العموميات الإبداعية. يمكننا القول باختصار أن أي عمل إبداعي عربي يمكن توزيعه بصيغة رقمية وضمن إحدى اتفاقيات ترخيص العموميات الإبداعية سيجد له مكانا ضمن المبادرة.
إن حماية الحقوق الفكرية لمؤلفي الأعمال المنشورة ضمن اتفاقيات العموميات الإبداعية ينبع من طبيعة هذه الاتفاقيات بحد ذاتها وبقوتها القانونية. لقد تمت صياغة هذه الاتفاقيات من قبل أشهر أساتذة القانون في جامعات الولايات المتحدة بالإضافة إلى العديد من الدول الأخرى، وهي اتفاقيات تستثمر المبادئ التشريعية للقوانين التقليدية لحماية الملكية الفكرية لمنح المؤلف أو المبدع مطلق الحرية في اختيار الشروط التي يرغب بتوزيع عمله الإبداعي ضمنها. وهكذا فإن هذه الاتفاقيات تعتبر بمثابة عقد قانوني ملزم بين القارئ أو متذوق العمل الإبداعي وبين منتج هذا العمل، ويتوجب أن يلتزم الطرفان بجميع شروط هذا العقد دون استثناء. لنفترض مثلاً أن أحد الشعراء العرب أراد نشر ديوان له ضمن اتفاقية ترخيص اسم المؤلف - طبق الأصل - غير تجاري. تمنح هذه الاتفاقية القارئ حرية تذوق هذا الديوان، إعادة نشره وتوزيعه والاقتباس منه شريطة التزامه بنسبة العمل إلى مؤلفه الأصلي وعدم تعديل هذا العمل أو استثماره تجارياً دون الحصول على موافقة الشاعر. إن انتهاك أي من هذه الشروط يعتبر انتهاكاً لحقوق الملكية الفكرية للشاعر ويمنحه حق مقاضاة منتهك هذه الحقوق تماماً كما هي الحال في قوانين حماية الملكية الفكرية فائقة الصرامة. أي أن حقوق المؤلف محفوظة تماماً كما في القوانين التقليدية إلا أنه يمتلك المزيد من الحرية في تحديد شروط توزيع أعماله.
@ هل لرخصة العموميات أي مرجع قانوني تماما كما هي رخصة العموميات الابداعية، سواء كان على المستوى العربي أو الدولي؟
- إن رخصة العموميات العربية والتي ما زالت حالياً قيد الإنجاز مبنية على رخصة العموميات الإبداعية وبالتنسيق التام مع فريق العموميات الإبداعية. نهدف حالياً إلى إنجاز إصدار عام باللغة العربية لتراخيص العموميات العربية ليتم بعدها تعديله بما يتلاءم مع القوانين المحلية في كل دولة عربية. هذا الأسلوب سيمنح الاتفاقيات قوة التأثير في المحاكم وبالتالي يضمن للمبدعين العرب حماية أعمالهم وإبداعاتهم.
@ هل تعتبرون رخصة العموميات العربية أول مبادرة على المستوى العربي وهل هناك أي محاولات شبيهه على المستوى العربي؟
- لقد قام بعض الأخوة العرب في المملكة الأردنية الهاشمية بالبدء في ترجمة تراخيص العموميات الإبداعية منذ فترة، ونحن نهدف إلى دعم هذه المبادرة وتوسيع نطاقها لكي تشمل أيضاً دعم المبدعين العرب وتقديم المساعدة اللازمة ونشر فلسفة العموميات الإبداعية إضافة إلى تشجيع نشر الإبداعات العربية إلكترونياً وضمن اتفاقيات ترخيص العموميات الإبداعية.
@ كيف تجد إقبال المستخدم العربي على رخصة العموميات العربية؟
- لقد كان أملنا كبيراً عندما بدأنا بإطلاق مبادرة العموميات العربية بأن هذه الفكرة ستستقطب الكثير من المبدعين العرب وستنجح في تحقيق أهدافها في نشر ثقافتنا ولغتنا العربية. لكن الإقبال الذي شهدته المبادرة وموقعها على الإنترنت تجاوز أكثر توقعاتنا تفاؤلاً، فخلال ما يقل عن شهر واحد، توسعت قاعدة بيانات المبادرة عبر مساهمات الكثير من المبدعين والمفكرين العرب والذين قاموا بكل كرم وسخاء بنشر أعمالهم ضمن اتفاقيات ترخيص العموميات المبدعة لتصل إلى ما ينوف عن أربعة دواوين شعرية، مدونة شعرية واحدة، مجلة دورية، أربعة كتب علمية، دورتان تدريبيتان، عدة دراسات علمية، عشرات المقالات العلمية والأدبية، مقابلة صوتية، 28صورة فوتوغرافية و 18لوحة فنية.
من جهة المستخدم العربي فنحن نتابع عن كثب إحصائيات زيارة الموقع والإطلاع على المواد المنشورة ضمنه، والتي تؤكد مجدداً وبالأرقام أن القارئ العربي يتمتع بشغف منقطع النظير لتذوق الفن والأدب والإطلاع على آخر نتاج العلم والمعرفة.
@ ما هو مستقبل الرخصة العمومية العربية؟ وهل ستستمرون بدعمه؟
- شخصياً أنا ملتزم بالكامل بدعم مبادرة العموميات العربية قدر الإمكان حتى تتحقق غاياتنا في دعم المبدع والقارئ العربي على حد السواء في سبيل نشر ثقافتنا العربية الغنية والرائعة ولكي تستعيد مجدداً مكانتها المرموقة بين ثقافات المعمورة. ونسأل الله العون والتوفيق.
@@ كلمة أخيرة
- إن بوادر النجاح المبشرة التي تحققها مبادرة العموميات العربية قد تكون مؤشراً على استعادة اللغة العربية لمكانتها في عالم العلم والمعرفة والأدب، ولتحقيق ذلك لا بد من تضافر جهودنا جميعاً ما بين مبدعين وعلماء وفنانين وأدباء ومفكرين لكي نصبح منتجين لا مستهلكين في مجتمع المعلومات المقبل، شركاء لا أجراء في بناء الحضارة الإنسانية، أسياداً لا عبيد في غابة العولمة.
hend@alriyadh-np.com