الأحد 14صَفر 1428هـ - 4مارس 2007م - العدد 14132

حول العالم

محاكمة داروين

فهد عامر الأحمدي

    محكمة سانت بيتربيرج - في روسيا - رفضت مؤخرا دعوى رفعتها طالبة تدعى ماريا سرابير ضد تدريس نظرية داروين في المدارس ...! ونظرية داروين - كما يعرف معظمكم - تدعي ظهور الحياة من العدم، وتطورها بمرور الزمن. ومنذ نشر تشارلز داروين أفكاره (عام 1857) تم رفضها من قبل الكنيسة ومعظم الأديان العالمية.. فهي ببساطة تتعارض مع الفكرة الدينية حول (خلق الحياة) وظهورها بشكل متكامل ومباشر من قبل الخالق سبحانه وتعالى..

وحسب علمي هذه المرة الأولى التي ترفع فيها قضية كهذه في روسيا؛ ففي الماضي كان يصعب رفع مثل هذه الدعوى خوفا من النظام الماركسي المناهض للأفكار الدينية.. أما في أمريكا فرفعت حتى الآن 218قضية ضد داروين قدمها أهالي الأطفال والجمعيات الدينية المختلفة.. وأول قضية من هذا النوع (وتعد في نظري أم القضايا) رفعتها ولاية تينسي عام 1925على استاذ العلوم جون توماس سكوبز. فولاية تينسي حرمت (منذ بداية القرن العشرين) تدريس نظرية داروين في مدارسها العامة. غير أن المعلم جون خالف هذا الحظر وقدم دروسا للأطفال عن فكرة داروين حول ظهور الحياة وتطورها ( وبالتالي حكم عليه بالسجن والتغريم وتحولت قصته الى فيلم ناجح ظهر قبل أعوام).. أما هذه الأيام فتغير موقف ولاية تينسي من نظرية داروين - وأعادتها للمدارس - في حين تبنت موقفها القديم المتشدد ولايات بنسلفانيا وميتشغان وكنتاكي وجورجيا!!

... أما فيما يخصنا؛ فأرى شخصيا ضرورة تجزئه الموقف الإسلامي من هذه النظرية.. بمعنى لا يجب أن نقبل نظرية داروين بشكل كامل - وفي نفس الوقت - لا يجب أن نتجاهل تضمنها لعناصر حقيقية ووقائع أحفورية مثبتة ومشاهدة (لا تتعارض مع فكرة الخلق، ولا تخرج عن قدرة الخالق عز وجل)!

فرغم أن نظرية داروين تتضمن أفكارا كثيرة إلا أنه يمكن جمعها في فرعين رئيسيين:

-الفرع الأول يحاول إقناعنا بظهور الكائنات الحية من العدم وأن الحياة ظهرت بطريقة عشوائية بدون تدخل قوى خارجية (وهذا بالطبع يخالف المفهوم الديني للخلق)!

- أما الثاني فيتحدث عن تطور وتفرع الكائنات بما يتناسب مع بيئاتها والظروف المتغيرة حولها. وهذه الفكرة ليست فقط حقيقية ومشاهدة بل واستشهد بها القرآن لإثبات قدرة "الخالق" على الإبداع والزيادة في الخلق كيفما يشاء..

فهناك مثلا قوله تعالى {يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير} و {فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة} وأيضا {ومن آياته خلق السموات والأرض ومابث فيهما من دابة}.. فبالاضافة للمعنى الواضح لكلمة {يزيد} في الآية الأولى، تحدث تفسير الجلالين عن كلمة {بث} في الآية الثانية بمعنى فرق ونشر و{فيها من كل دابة} أي ينعمون بخصب الأرض فوقها.. أما الجامع لأحكام القران فتحدث عن كلمة {بث} بمعنى فرق ونشر وال{دابة} معنى يجمع الحيوان كله.. أما ابن كثير فقال: أي ذرأ في الأرض من أصناف الحيوانات ما لا يعلم عدد أشكالها وألوانها إلا الذي خلقها!

وكل هذا يثبت الفرع الثاني من نظرية داروين حول التطور والتفرع المستمر للكائنات الحية (والذي لم يتحرج المفسرون الأوائل من إثباته والحديث عنه).. ومن خلاله يتضح أن محاكمتنا للدارونية يجب أن تكون محاكمة "تفصيلية" تعتمد على موافقة كل عنصر فيها لما جاء في القرآن والسنة... ليس هذا فحسب بل أرى ضرورة التأني في الرد والتعمق في التفكير حين تثبت الأحافير تفرع بعض الكائنات أو تطورها عن أصل قديم منقرض!!

Fahmadi@alriyadh.com