3/3 وثالث هذه المجاميع الشعرية التي نتواصل معها عبر هذه القراءة النقدية، هي للشاعر المبدع حامد بن عقيل الموسومة ب«يوم الرب العظيم» صادرة عن إدارة الحداثة عام 2005م.
وحامد بن عقيل له إنجازات شعرية ونثرية سابقة، وله تواصل كتابي عبر المنتديات الثقافية العنكبوتية، ويرأس تحرير مجلة «جهات» الثقافية. وله ديوان شعري مطبوع «قصدتان للمغني/ مرثيتان توغلان في دمي» صدر عام 1999م عن دار جديد - بيروت.
وحامد بن عقيل، مظلوم نقدياً، فلم أقف على أي دراسة نقدية لإنجازه الشعري، ومظلوم إعلامياً، فلم أسمع أو أقرأ عن مشاركاته في المنابر الإعلامية أو النوادي الأدبية أو المهرجانات الثقافية سواء الداخلية أو الخارجية.
ولعل السبب في ذلك هو بعده عن الأضواء الإعلامية والمنابر الثقافية، فلم ينشر نصوصه في الصحف والدوريات المحلية، ولم يتواصل مع المؤسسات الثقافية ولم يكن له مماحكات نقدية وإعلامية.
«يوم الرب العظيم» ديوان شعر في (144) صفحة من القطع المتوسط، ويحمل (25) نصاً حداثياً موغلة في الغموض وتحتاج إلى مفاتيح للقراءة، وشفرات خاصة لفك رموزها ومراودة آفاقها الشعرية، وكائناتها اللغوية.
ولعل أدوات النقد عندي تقصر عن مكاشفة هذه النصوص، ولكن لا بأس من المحاولة. فإن كان النصوصيون يلجأون إلى العينات النصية كمفاتيح لكشف منغلقات النصوص، فإن أول عينة هي صفحة العنوان، إذ يجللها البياض وعنوان الديوان باللون الأحمر «يوم الرب العظيم» ولوحة زرقاوية داكنة ومربعة تحمل في زاويتها اليسرى العلوية ما يشبه الطائرات الورقية إحداها ذات لون أزرق وتتهامى باللون الأحمر، ثم يبدو خط أسود يخترق الصفحة من أعلاها لأسفلها في الجزء الأيسر باللون الأسود. إن هذه الرباعية اللونية في صفحة العنوان (الأبيض - الأزرق - الأحمر - الأسود* تشي بتعدد المدخلات النفسية التي تقود الشاعر إلى فضاءات نصوصه، فالبياض يشير إلى النفس الواثقة المطمئنة التي يجللها البهاء والنقاء والانفتاح والخيرية والإيجابية وبذلك تنتج نصوصاً فيها من بهاء البياض ونقاوته ما يجعلها نصوصاً دالة على الإيجابيات والإيحاءات الخيرية.
والزرقة والسواد، توحي - دلالياً - بالنفس المنزعجة النفس التراجيدية، الحزينة، المتألمة، الغامضة. وبذلك تتيح نصوصاً فيها من الغموض والسلبية والمتأزمات ما يجعلها نصوصاً دالة على السلبية والتراجيديا.
وأما اللون الأحمر فلون الدم، الحروب، المشكلات العربية - العربية، النفس المتأزمة، الفواجع الإنسانية، النفس القلقة والمتمردة، مما يجعلها تنتج نصوصاً ذات إيقاع دموي وقلق، وغير متصالح مع واقعه وفضاءاته.
وكل تلك الدلالات اللونية نجد انبثاقاتها وتشطياً في نصوص الديوان مما يعكس الحالة النفسية التي يعيشها صانع النصَّ حال الاندماج في الكتابة الشعرية!!
ومن أمثلة ذلك قوله في نص جهات ص ص57 - 60:
- أجردني من الإيغال من الأسماء
....
...
- واكتب قصة للماء
يخالطني - أظن - ويعتري صفة ولوداً....
فتعلوه السنابل من جحيم الروح لا حمراء ولا صفراء
ولا خلواً من التعتيم.
إلى أن يقول:
ها إنني علم
وكل قصائدي ألم
وفواصلي جثث يحيط بها الرواة مسربلين بغيّهم.
وفي نص علي فلاتة ص ص 79 - 84، يتحلى البياض ........
وذلك في قوله:
كبياض الكفن
كان قلبك بالأمس أبيض
أبيض
أبيض
أيهذا البسيط - المطرز بالأبرح الأموي
إلى أن يقول .....
وقد كنت هزجاً لقافية لا تمرر بهجتها للغريب
لتجعل منك
نهاراً من النور
أو مظنة من بهاء
أيهذا المنير
...
...
وفي نص كائنات ص ص 107 - 112 يقول:
إنني وطن
إنني لثغة في شفاه الصبايا
وجع يستعيد زواياه
تغريبة للجنون
حين ترقى الطيور
أعود لنسيج يضيء
حالماً بالبياض
حالماً بالسواد يصير بعيداً
...
إلى أن يقول:
كفى حلماً..
حين يأتي المساء بغاراته
ستجود السنابل بالشعر
وسيكفي القليل من الماء
لنعلن أنه هنا!
والقليل من الضوء في وطن من بياض
لنفتح تاريخ أمتنا
وفي نص «ينحو باتجاه وحدته المشاعة» ص ص135 - 138 يقول:
في هذه الرقعة البيضاء التي تفصل مؤخرة
رأس عن كل الأفياء المضيئة والسارة
والنادرة الحدوث أيضاً
أكتب حقلي المجيد
إلى أن يقول:
إن الألوان لا تلوى على وجد وهي تضمني
وصلتني هزيمة خارجة عن حدود التحية
خارج الرؤيا النافرة من عروق السبات بلا دليل
إن هذه التشظيات اللونية والتي يغلب عليها «البياض» تتماهى مع ما جاء في صفحة العنوان، حيث يكوِّن اللون الأبيض أكبر مساحة الصفحة وتجيء بقية الألوان الأربعة موزعة على زوايا الصفحة. وفي ذلك أكبر إشارة إلى ما في الديوان من نصوص.
أما العبثة النَّصية الثانية التي تغري بالتناول النقدي فهي عنوان الديوان «يوم الرب العظيم» وهي عنوان لنص داخل المجموعة يحتل الصفحات 121 - 130، ولأمر ما تحول هذا العنوان من علامة نصية داخلية إلى علامة نصية جمعية وخارجية، ولأمر - ما - أيضاً اكتسبت هذه العتبة - العلامة مشروعية لتحمل سمات الديوان كاملاً.
ولعل مداخلتنا مع هذا النص وتأويلاتنا النصية توقفنا على السبب الذي دفع بالشاعر إلى اختيار هذا العنوان لكي يسحق شرف التسمية والعنونة دون سواه من نصوص وعناوين القصائد داخل الديوان!!
يتقاطع النص الموسوم ب(يوم الرب العظيم* ما تثبته المعرفة التاريخية حول نهاية العالم بحرب كونية عظمى بين المسلمين واليهود تسمى «هرمجدون» ويبدأ تعاطي الشاعر لهذه الرؤية عبر فضاءات حافراً ومستثمراً بعض المسلمات والأحداث التاريخية القديمة «نبوخذ نصر، في التمثال والحجر».
«نبوخذ نصر» في الرؤيا
نبوخذ نصر في كل شيء يتحدد .. ويعلم.
إلى قوله:
«دانيال» هل كان حظ المتألم الحزين أن يأتي بعدك؟
«دانيال» أيها النبيل
هل كان يعنيك ما سيحدث؟
هل كنت تخبر تفاصيل القصة للعابرين على أسرة التاريخ؟!
إن نبوخذ نصر يحيلنا دلالياً إلى تاريخ مغرق في القدم من الحضارة العراقية القديمة!! مملكة بابل ودوره في الحرب ضد أورشليم ومصر!! وأما «دانيال» فهو صاحب السفر التوراتي أحد أسفار العهد القديم التي تروي قصة الشعب الإسرائيلي ومستقبله!!
إذاً الشاعر هنا يتماهى مع رموز تاريخية لها دلالتها وتشظياتها في العصر الحاضر مما يخدم رؤيته الفنية والشعرية. ثم نراه متوسلاً بالنصوص القرآنية «الرمزية في قصة سيدنا يوسف عليه السلام»:
«لا أريد من ابني أن يسألني عن ولعي بقميص أبي
لا أريد منه أن يدفعني للاعتراف بأن القميص الذي قُدَّ
أن القميص الذي ألقي على وجه نبوءة...
هو هو ذاته الذي سيرتفع على الرايات المختلطة...»
والنصوص التوراتية: فليحذر المختارون(شعب الله المختار) حين تبنى هيكلة الجديد (هيكل سليمان) على المختارين أن يمشوا بعمق وخفة (شعب الله المختار)
ومتكئاً على ذاكرة الأمكنة:
- لا (أورشليم) هنا...
- ترتيل سهول (حوران)
أرض (مجيدو)
- حين تتجه شمالاً من (بحر الجليل)
ثم من جهته (فاران)
يلطمون في (النجف) وجوههم
وفي (قم) القريبة من الرايات السوداء....
عبر هذه الفضاءات التاريخية والدينية والقرآنية والمكانية يتنامى نص «يوم الرب العظيم» عبر (24) مقطعاً قصيراً يحشد فيها الشاعر كل انبثاقاته اللغوية والفنية لتصوير واقع الأمة العربية في مواجهة المد الغربي والإسرائيلي في طريقنا إلى اليوم الموعود يوم المعركة.
«في يوم الرب العظيم
تتكسر «رجسة الخراب» كآمال نتنة
وفي هذا اليوم أيضاً
يبلغ الحزن حد النصر
فلا تنتهي المعركة» ص123.
هنا نستطيع الجزم بأن تحول هذا النص إلى علاقة دالة على مجمل ما في الديوان بحيث يتحول عنوان هذه القصيدة إلى عنوان شامل للديوان نابع من قيمته الفنية في اتكائه على التاريخ الماضي والمعاصر، ومن قيمته الرمزية والدلالية في توظيف الأبعاد التراثية والرموز التاريخية، والنصوص القرآنية لما يخدم النص بشكل متكامل.
وأخيراً فإن ديوان «يوم الرب العظيم» يغري بأكثر من مداخل وتنوير لما يحمله من نصوص غاية في الغموض التي تحفزك على الحفر والمساءلة والتأويل لأنها لا تستجيب للقراءات الأولية والانطباعية، ولكنها تحتاج إلى فن المراودة والتحايل والقراءات المتعددة. وربما تسمح الظروف بوقفة نقدية ثانية. وما هذه إلا مفاتيح أولية يمكن أن توقفنا على ما في هذا المنجز الشعري من بياض وشاعرية تستحق الإنصات إليها والعناية بها نقدياً وإعلامياً.