
أن يسجل لاعب كرة قدم هدفاً ذهبياً في مباراة حاسمة ويجد نفسه مشهوراً وصورته تتصدر أغلفة المجلات وله حضوره في الصفحات الرياضية فهذا أمر طبيعي مع وجود اللعبة في خانة الضوء وتحظى بكثافة جماهيرية. إن تحقق أغنية فيديو كليب لأحد المطربين شهرة فائقة خلال فترة وجيزة فهذا أمر معتاد. ولكن أن تحقق كاتبة غير معروفة تماماً، برواية لم تتجاوز أيام صدورها أسابيع كل هذا الضجيج الهائل فهذا أمر غير معتاد في المشهد الثقافي المحلي.
ورواية «بنات الرياض» للمؤلفة رجاء الصانع فعلت هذا الفعل الجماهيري. وأصبحت الرواية متداولة بين القراء. والمدهش في الأمر أن الرواية لم تتكئ على روافع إضافية لكي تنهض بالعمل. كاحتفاء نقدي مبالغ فيه. أو الاتكاء على ملامسة التابو بحدة. لذا جاء الاحتفاء بشكله العفوي. من مختلف الأطياف الثقافية وكذلك من مختلف الشرائح الاجتماعية. ليؤكد أن العمل الروائي المحلي قادر على أن يحدث زلزلة في ذاكرة القارئ إذا ما لامس تفاصيله الصغيرة. وإذا ما انطلق من حكاية سردية متقنة.
رجاء الصانع الشابة التي فاجأت الجميع برواية «بنات الرياض» دخلت دائرة الضوء والتي أصبحت بعد صدور الرواية تتلقى عشرة ايميلات الكترونية في الساعة. وتجد صعوبة في جدولة مواعيد الحوارات الصحافية. وتتحدث مع كبار النقاد المحليين. تحكي بعفوية.. وتستعيد ذاكرتها أشياء من طفولتها، تقول: كنت وأنا صغيرة اهجس بملامح الكتابة.. كنت أطمح لأن أكون كاتبة في المستقبل. وكانت أشد مدرسات اللغة العربية حزماً يكتبن لي في كراستي جملا من نوع: كتاباتك تجمع خصائص القصة أو الرواية كاملة وتبشر بمستقبل باهر في عالم الأدب. وعندما دخلت الطب كنت أعرف أن عملي الحقيقي سوف يكون في الكتابة.. وان كليهما عمل إنساني لخدمة المجتمع بشكل أو بآخر... لكن الكتابة «ما توكل عيش!» ولو تحولت هوايتي إلى مهنة أعتقد أني لن أحبها بنفس القدر ولن أمارسها بنفس الاستمتاع الذي أمارسها به الآن كهواية.
كنت أعمل بصمت وصبر بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وفي السنة الأخيرة تراكمت علي ضغوط مشاريع التخرج ومحاولاتي مع الناشر وتصحيح الرواية.. كنت أصبر نفسي بكلمات غازي القصيبي التي قالها لي بعد أن قرأ الرواية، وأقول يالله هانت! لم يبق إلا القليل.... كنت كلما أحبطتني الكلية أقول لنفسي: غداً سوف يعرفون من تكون رجاء الصانع! وسوف تكون الصدمة لمن يعرفني أكثر.. حينما أطل بعمل له ثقله هكذا بدون مقدمات. كنت أشعر بأنني لم أحصل على ما استحقه في الحياة «رغم أن هذا قد يكون أمراً طبيعياً لفتاة في مثل سني» وأن جهدي في الرواية سوف يمنحني التقدير الذي أحلم به.
بعدما تخرجت وبدأت أعمل كطبيبة امتياز وتم نشر الرواية، شعرت بأنه أصبحت لي شخصيتين منفصلتين كما دكتور جيكل ومستر هايد! بينما أنهمك في معالجة إحداهن أشهر بذبذبات الجوال في جيب معطفي الأبيض فأعرف أنه اتصال مهم يتعلق بالرواية من ناقد أو صحافي أو مذيع تلفزيوني، وفي الدقائق القليلة بين مريض وآخر أمضي وقتي في مكتبة المستشفى على الانترنت لأجيب على الرسائل الالكترونية التي تصلني على عنوان موقعي حتى لا تتراكم خلال الساعات التسع التي أقضيها يومياً في المستشفى، وأرد على استفسارات الصحافيين واتصالاتهم وأنا أرى الاستغراب في عيون زملائي من الأطباء والطبيبات من هذه الطبيبة الجديدة المشغولة باستمرار! مع أن بعضهم أطلع على الرواية إلا أنني أظل في عملي «طبيبة فقط»، بينما في «العالم الخارجي - خارج المستشفى» يعرفني الناس حالياً كرجاء الصانع؛ مؤلفة بنات الرياض».
والدة رجاء والتي لم تكمل تعليمها الابتدائي لأن والدها كان يكتفي من تعليم البنات ب «فك الخط». وهو تعبير متداول في تلك الفترة ويعبر عن رغبة الاكتفاء بالتعليم البسيط للمرأة والذي يمكنها من القراءة والكتابة.. تقول: لم تخبرنا رجاء عن مشروعها الروائي. فقط كانت تقول لنا باستمرار: عندما أكتب رواية هل تتكفلون بطباعتها؟! كنت أظن أنها تقول تلك العبارة على سبيل المزاح. لم نأخذ الأمر بجدية ولم أكن أعلم أن الوقت الذي تقضيه في غرفتها كل يوم وهي منهمكة أمام شاشة الكمبيوتر تعيش فيه لذة السرد وأنها من خلاله تتعايش مع شخصيات الرواية التي تكتبها. تستعيد والدة رجاء طفولة ابنتها: كان لدى رجاء منذ طفولتها استعداد فطري للكتابة، فهي كانت تتعلق كثيراً بهدايا والدها «رحمه الله» والتي لم تكن سوى قصص متنوعة. وأنا أيضاً كنت محظوظة بتلك الهدايا من الكتب التي عوضتني عن انقطاعي عن الدراسة لأستعين بهذه القراءات المفتوحة في زيادة ثقافتي وإطلاعي بمساعدة ذلك الزوج المثقف. ما زلت أتذكر عندما ذهب إلى عمله وبرفقته كتابة بخط ابنته رجاء ذات السبع السنوات، كان يفاخر بتميز كتابة ابنته الصغيرة أمام زملائه، وكانت دفاتر التعبير في مراحلها الدراسية تشهد بتفوقها في الكتابة حيث كانت المعلمات يصررن على الاحتفاظ بدفاترها خاصة رجاء وكنت أرفض لأني اتعلق بكل ما هو لرجاء. وتضيف والدة رجاء: عندما صدرت الرواية تخوفنا من ردة فعل القراء. ولكن ابتهجنا ونحن نرى الاحتفاء من الكثير. وعندما تقوم إحدى صديقاتي باحتفالية وتجمع فيها سيدات مثقفات وأكاديميات من المجتمع للاحتفاء برجاء وبصدور روايتها فهذا أمر أسعدني وجعلني أشعر بالفخر. وعن ردة الفعل المغايرة والتي يتمثل صداها في منتديات الانترنت تقول والدة رجاء: في بداية الأمر كنت أغضب وكنت اتحسس من أي رأي يهاجم الرواية. ولكن بمرور الوقت تفهمت أهمية أن تكون الآراء متباينة ومختلفة تجاه الرواية. وتخبرنا والدة رجاء بأنها قرأت الرواية أكثر من عشر مرات. وتضيف: بأنها تفرح وتحزن وتتألم تبعاً لأحداث الرواية. وتؤكد أن رجاء لم تتغير ولم يصبها الغرور بعد الضجيج الذي حدث لها بعد صدور «بنات الرياض». فهي لا تزال حريصة على أن تكون الفتاة التي تحب الجميع وتؤمن أن ما حدث لها من صدى جميل هو بداية لطريق شاق وصعب في عالم الكتابة.
رشأ الصانع شقيقة رجاء الوحيدة والتي تتخصص في تقويم الأسنان خارج المملكة تقول: أنا سعيدة جداً ببنات الرياض، هذه الرواية لها منزلة خاصة عندي فهي الطفلة التي جاءت بعد مخاض استمر لسنوات وأنا أتلهف لاستقبالها بين يدي ولن تتصور مدى فرحتي عندما فتحت الرواية بعد صدورها لأجد أن رجاء أهدتها لي ولوالدتي. ولا أنسى عندما اكتشفت بالصدفة ملفاً على جهاز كمبيوتري بعنوان (رواية)، فتحت الملف لأتصفح ووجدت أنه يحتوي على أغان واقتباسات كما يحوي الإيميل الأول كما هو الآن، من لحظتها وقعت في غرام الرواية وتيقنت أنها ستكون ناجحة ومميزة وبدأت أحث رجاء (أو بالأحرى أغثها) لإنهائها ولكنها انشغلت بالدراسة ولم تتمكن من اكمال العمل على الرواية حتى نسيناها، وفي الصيف الذي يليه سألت رجاء عن أخبار الرواية، وشعرت بحماسها لكتابتها لكنها لم تكن تجد الوقت الكافي لانشغالها بدراسة الطب، عندها اتفقنا أن أساعدها في أبحاثها ودراستها بشرط أن تكثف هي من جهدها على الرواية حتى تتمكن من إصدارها قبل تخرجها، والحمد لله أتمت رجاء كتابة الرواية في سبتمبر 2004م ونشرتها في سبتمبر 2005م بعد تخرجها بأسابيع قليلة.
أما عن ردة فعل الناس فلم نتوقع كل هذا الحماس، حيث ان الرواية تحتاج لقارئ على قدر كاف من الثقافة لكي يستوعب تماماً ما جاء فيها، ولكنني أفاجأ وأفرح عندما اتصل برجاء لتخبرني عن إعجاب الناس بها سواء من كتاب ونقاد أو شباب وفتيات وحتى أمهات وآباء وهذا شيء يثلج الصدر، هذا بالطبع لا يمنع من رفض البعض لما جاء في الرواية ولكنني استغرب ممن يهاجم الرواية وهو لم يقرأها بعد!!
أسيل العنزي صديقة رجاء والتي استعانت بها المؤلفة في توصيف الأماكن والأسماء لتستوحي الصدق الفني من خلال كتابة الأحداث التي تتعلق بشخصيات سديم وفراس والتي كان مسرحها مدينة لندن. تقول أسيل: عندما جاءتني رجاء قبل بضع سنوات طالبة المساعدة بخصوص رواية تود أن تكتبها لم استطع اخفاء الحماس الذي راودني. لم أر جانباً جديداً منها فقط ولكني أعجبت بطريقتها في تدبير الأمور. إن سر رجاء هو الاتقان في كل عمل تؤديه، فهي تصرف طاقة كبيرة في التأكد من تفاصيل الأمور الدقيقة. بحكم زياراتي الكثيرة لمدينة لندن، طلبت مني اقتراح اسماء أماكن وشوارع وحقائق عدة، من أجل قصة سديم وفراس، وهذا أظهر لي أيضاً جهد رجاء المكثف في البحث، حتى عندما أتت لزيارتي أصرت على الوقوف في تلك الأماكن كي تتشرب الاحساس بالواقع وتأخذ انطباعاً عنه. كانت تجتاحني سعادة غامرة كلما رأيتها منهمكة على كتابة الرواية بكل عطف ورعاية، تلتها مشاعر فرحة الحصاد لرؤية نتاج هذا العمل والتعب عند نشر الرواية.
وتعلق أسيل على أحداث الرواية: الرواية نفسها تشد القارئ بكل ما فيها من مشاعر وسلاسة التعبير وأسلوبها المنعش، إنها تنشط مخيلتك حتى تعيش واقعيةالرواية وحبكتها المحكمة، وأنا واثقة من أن الكثير يشاركني هذا الاحساس، فبحكمي فتاة سعودية استطعت أن أربط بين الكثير من المواقف في الرواية وحقائق موجودة في الحياة من حولي. الرواية تشمل الكثير والكثير من الحكم والنصائح المهمة والتجارب المفيدة التي أحث الجميع على قراءتها والاستفادة منها ومن أخطاء شخصياتها. صياغة وتسلسل أحداث الرواية تأسر لب القارئ بتميزها النابض بحياة حقيقية تلامس حياة القارئ وتجعله يعيش أحداث الرواية الواحدة تلو الأخرى بفضل أسلوب رجاء في الوصف الدقيق. فعلى سبيل المثال: روح المغامرة لدى خروج الفتيات ولقاء ميشيل بفيصل، ومشاعر الحيرة والارباك عندما حاولت سديم تحليل نفسية وليد وموقفه، وكذلك مدى الحب والرعاية التي كان يحملها فراس لسديم والحماس الذي أثاره عندما عاد إلى حياتها ليغادر مرة أخرى بمشاعر الاستفزاز والغضب. الصعوبات التي واجهت قمره والفرحة للميس التي أحكمت وضع الخطة. جميعها أمور ساقت أحاسيسنا كلها للتركيز في أصغر تفاصيل الرواية.
وعن ردة الفعل المتوقعة تجاه الرواية تقول أسيل: كأي عمل يتطرق لبعض الأمور الصادمة في مجتمعنا، لن استغرب أو أندهش لمعرفة أن البعض سيرونه كفضيحة أو كبيرة من الكبائر تستلزم النقد والتعوذ من الشيطان أيضاً!! لا أعتقد بأن عملاً كهذا سيؤثر في نفس إلا من خاض بعض تجاربه أو مل وضعه وأراد التغيير - على الأقل تغيير طريقة التفكير وليس أسلوب الحياة. فلماذا يشعر البعض بالتهديد حيال ذلك؟
منار أحمد سمان إحدى قارئات الرواية تقول: بين حبكة الرواية وسلاسة الأسلوب تلاطمتني أمواج من الأحداث لامست شغاف قلبي.. فقد أبدعت الكاتبة رجاء في عرض واقع بنات الرياض المخمليات.. وأخذتني بروعة أحداثها الصادقة لأعانق عنان السماء.. حتى انني أنهيت قراءة الرواية في يومين دون أن تنتابني لحظة ملل. الرواية كانت في غاية الواقعية وبأسلوبها الحديث المبتكر كشفت ما لا يعرفه كثير من الناس رغم أنه يحدث كل يوم.. ونا على يقين أن من يقرأ الرواية سيجد جزءاً منه بين أحداثها.. كما وجدت نفسي وزوجي في ملاطفة نزار للميس وتحديداً في الرقم أربعين.. حيث كان يطلب نزار من لميس إعادة بعض الكلمات والألفاظ بطريقة ذكية تحمل معها دهاء الرجل لأنه يحب سماع تلك الكلمات وطريقة لفظها منها. أذهلتني ثقافة الكاتبة واطلاعها ودهشت من حنكتها ومعرفتها حتى بخبايا حياتنا نحن اللواتي لا نعرفها شخصياً.. واهتمامها بأدق التفاصيل التي تمر في حياتنا يومياً دون أن نعيرها أدنى انتباه.. كوصفها لشارع خمسة (الشانزيليزيه) في الجامعة والرهبة التي كانت تعتري كل طالبة جديدة حين تمر فيه. وها أنا أجدها لم تغفل صغيرة ولا كبيرة لتسردها بين ثنايا كتابها الممتع. أتمنى لها مزيداً من التقدم.. وأنتظر منها مزيداً من الإبداعات الروائية.
سفانة المشهدي وهي إحدى صديقات المؤلفة تعبر عن تعايشها مع الرواية لدرجة كبيرة تقول سفانة: تصور أنني كرهت طعم الكاري تضامناً مع قمرة لأنه أصبح يذكري بشخصية كاري في الرواية! فرحت في زفاف قمرة في البداية، وبكيت مع سديم وهي تبكي والدها المتوفى وتردد الدعاء مع فارس بالرحمة له. وحييت ميشو لارتدائها ثوب روبرتو كافالي لإغاظة فيصل المتعجرف!! وضحكت عندما تخيلت حركة خراطة الملوخية التي تقوم بها لميس أثناء الرقص! الروائية مبدعة في كونها ربطت أحداثاً عشناها سوياً في خيالنا أو في واقعنا.. كم هي رائعة في كونها طرحت كل مشاكلنا وحكاياتنا. أجد نفسي أحياناً في سديم وأحياناً في فارس رغم أنه رجل وأتساءل في الصباح هل قصدت رجاء شخصيتي أو شخصية سديم؟! ولكنني مساء أعود وأقول إنني قد أشبه لميس.. أيا كان.. فإن هذه الرواية تحكي بكل تفصيل عن أحداث نعيشها وتعيشها كل شابة وكل شاب في مجتمعنا، ولم تغفل الكاتبة عن أبسط المشاعر والأحداث اليومية المعتادة لدرجة أنها لم تنس وصف موقف الشباب الذين يقفون كل مساء مترجين حراس الأمن عند أبواب المجمعات التجارية للدخول بعد صلاة العشاء.. أنا فخورة بروايتها كثيراً وبكونها صديقتي أكثر.