ترسخت في أذهان العموم بأن الغرب هو مصدر المعرفة ومنبعها، فمنذ نحو قرنين اتجهت الأنظار إليه لتنهل الأفكار الجديدة، والمناهج الحديثة، وطرائق التحليل المبتكرة، إلى درجة توهم كثيرون أن العالم يصنع هناك، وأن الفكر الغربي يتضمن الحقائق النهائية لكل زمان ومكان. هذا التعلق بالفكر الغربي عبرت عنه نخب ثقافية وسياسية طوال القرنين التاسع عشر والعشرين في سائر أرجاء العالم. ومع الاقرار بأهمية هذا الفكر، فشأنه شأن أي فكر تاريخي لابد أن يعبر عن تجربته التاريخية الخاصة به، وليس التجربة الكونية، ويتعرض لأزمة داخلية، وتتكشف نقاط ضعفه وقصوره في معالجة قضايا كثيرة.
ويمكن عد منتصف القرن العشرين اللحظة الرمزية التي تباطأ فيها المد الجامح للفكر الغربي، وبدأت حقبة نقده وتحليله من مفكرين ينتمون إلى ثقافات غربية وغير غربية، وبمرور الوقت أصبح هاجس إعادة النظر بمعطياته ملموسا داخل الغرب وخارجه، ومن الصعب قطع كل ذلك عن الأثر الذي أحدثته حركات التحرير الوطنية والقومية التي نقدت التجربة الاستعمارية، وأحدثت حراكا ثقافيا لايقل أهمية عن الحراك السياسي. ومع أن كثيرا من تلك الحركات تبنت نزعات الغلو والتطرف، وأنتجت أيدلوجيات قومية ودينية فيها درجة عالية من الكراهية للآخر، فإن حركات أخرى قدمت نقدا عقليا تحليليا وليس أيدلوجيا للتجربة الاستعمارية الغربية، وتمكنت من تفكيك كثير من ركائز الفكر الغربي المتمركز على نفسه، ومن هنا انبثقت (دراسات ما بعد الاستعمار Postcolonial Studies) التي هدفت إلى إعادة النظر بالتركة الاستعمارية الثقافية في العالم خارج المجال الغربي.
في مطلع ثمانينيات القرن العشرين ظهرت إلى الوجود جماعة (دراسات التابع Studies Subaltern ) وهي جماعة أكاديمية جريئة من المؤرخين الهنود الذين قلبوا تاريخ الهند الرسمي الذي كتبته النخبة المتأثرة بالسياسات الاستعمارية البريطانية، واقترحوا إعادة كتابته في ضوء مفاهيم مغايرة متصلة بالتاريخ الشفوي المنسي الذي استبعدته النخب الاستعمارية، فتاريخ الهند، بالنسبة لهم، يمثله صراع الطبقات المغلقة، والتحيزات الدينية والفئوية، والمرويات السردية، وأحوال المعدمين في الأرياف والمدن، وتبعية المرأة، وكل الجماعات التي لم تنتج تاريخا مكتوبا، أما التاريخ الرسمي الذي ودوّن في ضوء التصور الاستعماري فهو مجتزأ، ونخبوي، وزائف، ولا يمثل حقيقة بلاد غنية بتاريخها، وأفكارها، وأعراقها، وعقائدها.
استفادت جماعة (دراسات التابع) من التراث الخصب الذي تركه المفكر والسياسي الإيطالي غرامشي (1881 - 1937) المعروف بخلفياته الماركسية، واستثمرت أفكار المارتنيكي «فرانز فانون» وبخاصة في كتابه (معذبو الارض) الذي يعد المدونة الأكثر أهمية في الفكر المقاوم للخطاب الاستعماري، إلى ذلك وظفت التحليلات النقدية الصارمة للفكر الغربي عند ميشيل فوكو، وجاك دريدا، ولكن محرضهم على قلب المفاهيم الاستعمارية، وربما ملهمهم، هو «إدوارد سعيد» الذي نسف مفاهيم الفكر الاستشراقي، حينما توصل إلى أن الغرب اصطنع شرقاً متخيلا يوافق رغباته، فالشرق لم يكتشف كما هو، إنما رسمت له صورة متخيلة توافق رغبة الغربيين، فالغرب أسقط تصوره على العالم الشرقي، وأنتجه حسب المعايير التخيلية له، ولهذا فالشرق الاستشراقي زائف وليس حقيقيا، ولكي نتعرف على الشرق الحقيقي لا مناص من إزاحة الفكرة الاستشراقية والاستعمارية، ونشتق رؤية بديلة تنبثق من صلب العالم الشرقي، تكون قادرة على تحليل مكوناته التاريخية، والاجتماعية، والدينية، والثقافية.
هذه الأفكار عبرت عن نفسها في بداية الثمانينيات، وقادها كل من (رانا جيت جحا) و(غاياتري سبيفاك) وأثمرت إلى الآن عن نحو عشرين مجلدا كبيرا من الدراسات المتنوعة التي تطرح نفسها بديلا للدراسات القديمة، وسرعان ما عرفت ب(دراسات التابع) في سائر أرجاء العالم، وهي، في عمومها، تهدف إلى نقد الخطاب الاستعماري، واقتاح المناهج البديلة لدراسة التاريخ الاجتماعي، والسياسي، والثقافي، ومعالجة شؤون الطبقات، والمرأة والأقليات، وأساليب المقاومة، والنزاعات المحلية، والولاءات، وتفكيك المقولات الغربية في الآداب، والثقافات، والمناهج، وسحب الثقة العلمية والثقافية منها عبر اقتراح مغاير أكثر كفاءة تعالج بها شؤون المجتمعات خارج المركز العربي.
بعد الهند عرفت دراسات التابع في الباكستان، والصين واليابان، وإفريقيا، وأمريكا اللاتينية، ويمكن القول إن الثقافة العربية عرفت هذا الاتجاه من الدراسات منذ بداية تسعينيات القرن الماضي، وذلك في سعي بعض المفكرين والنقاد إلى إعادة النظر بقضايا المجتمعات العربية في ضوء رؤى جديدة، ومحاولة تفكيك المركزيات التقليدية المهيمنة في الثقافة العربية الحديثة، وإبطال المفاهيم الاستعمارية عبر النقد العميق لركائزها، ولكن لم يجر إلى الآن رصد منهجي وتاريخي للجهود العربية في هذا المجال. ويمثل دراسات التابع الآن مفكرون ونقاد مثل: سبيفاك، وجحا، وهومي بابا، وطارق علي، وإقبال أحمد، وروميلا ثابا، وماساو يوشي، وغايان برافاش، وشهيد أمين، وديبش تشاكرا بارتي، وعشرات سواهم، وتبلور المصطلح المعرف بهم (Studies Group Subaltern) ويعرف اختصارا (SSG) وهو مصطلح يحيل على جماعة من الباحثين شغلت تماما بدراسات المجتمعات التي خضعت للتجربة الاستعمارية الغربية استنادا إلى مفاهيم جديدة مشتقة من واقع مجتمعاتهم. وهذه الجماعة تتباين في وجهات نظرها التحليلية والمنهجية، لكنها تندرج كلها في أفق واحد عام تترتب فيه رؤية جديدة في معالجة الموضوعات المدروسة.
وعلى الرغم من أن الجماعة الأولى تبلورت في الهند وجنوب شرق آسيا إلا أن تأثرها وصل بسرعة إلى أمريكا الجنوبية فظهرت هنالك (جماعة دراسات التابع في أمريكا اللاتينية American Subaltern Groudies Gruroup Latin) وتعرف ب(LASSG) وقدمت تحليلات شديدة الاهمية عن أوضاع المجتمع الكاريبي الذي خضع للاستعمار الاسباني منذ نهاية القرن الخامس عشر الميلادي، وتتناهبه مشكلات الهوية، والتركة الاستعمارية، واللغة، والمجتمعات الأصلية. وتسيطر هذه الجماعة على الدراسات الفكرية والنقدية والتاريخية في البرازيل، والأرجنتين، وكولومبيا، وتشيلي، وجامايكا. ومن المفيد التأكيد أن الجامعات، ومراكز البحوث، في أوربا وأميركا، هي الحاضنة حالياً لخيرة الجماعات الفاعلة ضمن هذا النوع من الدراسات، وذلك لتوفر ظروف البحث المناسب، والحريات العامة، والمصادر، والتمويل، وتداول الأفكار والمعارف، وتلاقحها.
لم تبق دراسات التابع حبيسة الهند التي بدأت فيها، إنما أصبحت عابرة للقارات، وهي تتقاسم رؤى ووجهات نظر كثير من النقاد والمفكرين في كل العالم تقريباً، بما فيه العالم الغربي، وقد شمل ذلك الفنون والآداب والفكر بسائر اتجاهاته. وهذه الدراسات تريد رؤية التاريخ الاجتماعي والثقافي والسياسي من الأسفل وليس من علٍ، وتطمح إلى كشف الحراك الاجتماعي من أسسه، وقواعده الاصلية، وليس من نظرة متعالية تتجاهل أعماقه السحيقة، وقدمت كشوفات مهمة في مجال دراسات المرأة، والجنوسة، والأقليات، والأديان، والأعراق، والطبقات، ثم سعت إلى تصحيح السرد المسطح الذي دونه المستعمرون لتاريخ مجتمعات شديدة التعقيد في مكوناتها، وتركيبها، وتاريخها. ومن الطبيعي أن يكون خطاب التابع مغايرا للخطاب الاستعماري، فبلاغته واقعية وصارمة وليست طنانة وإنشائية، وهو لا يهدف إلى الاقناع إنما التحليل، وتفكيك المقولات السائدة، وإنشاء مقولات جديدة تريد تقديم تحليل مغاير لكل ما تقدم من تحليلات.
abdullah-ibrahem@yahoo.com