أفضل ما في الكتابة والاكثر سوءاً، يكمن في ان كل الشخصيات الافتراضية التي ينسجها خيال الفنان هي ذات صلة وثيقة بالواقع.. لانها مستمدة منه.. كحصيلة لمجموعة من التجارب والعلاقات والمعايشة والمراقبة.. او حتى المشاهدة العابرة.
فقد يلفت انتباهك في شخص ما اناقته المبالغ فيها وشدة بياض ثيابه وسواد صبغة لحيته.. او دقة عنايته بتلوينها بين سواد او بياض. هذا بدوره قد يقودك لنسج شخصية خاصة تعطيها مظهره واوصاف ملامح وجهه ودقة حف شاربه ولثغة لسانه.. وانفعالات حركة اصابعه ودلاقة ابتسامته.. وشهوانية نظرته.. وغباء حديثه الذي يتجلى في دأبه على تكراره دون ملاحظة ملل الآخرين من اعتقاده بأهمية الاضافات التي يقدمها في كل مرة.. ثم تكتشف انك تحدثت عن نفسك - مثلاً - وليس عنه.. لأنك في واقع الحال تكون قد اسقط عليه صفات منك.. رأيت ان الشكل الذي لفت انتباهك وهو الأكثر تناسباً معها.. او ربما تكون قد سقطت في مخيّلك وقمت باستحضارها من مجموعة أشخاص وجدته في المظهر الذي وجدت انه اناء مناسب للشخصية الافتراضية التي قررت الكتابة عنها.
كل هذا لا بأس به.. غير ان المدهش حقاً قد يأتي من قارئك حين تجد ان احدهم قد وجد ان هذا الخليط الافتراضي العجيب.. ينطبق بالفعل على شخص بعينه فيقول لك بغرابة او باعجاب: يا اخي كأنك تتحدث عن «فلان».
يقولها وهو على يقين من انك لاتعرف هذا ال«فلان» ولم يسبق لك رؤيته او ربما يأتي الامر الفني مشابهاً لما حدث في جائزة «اوسكار» السينمائية الشهيرة.. التي صب قالبها المثال من مخيلته وفق مواصفات خارجية اراد بها تجسيد المعنى التكريمي الذي ترمز اليه اكاديمية السينما الامريكية دون تحديد اسم او شخصية هوية.. ثم بعد ان اصبح جاهزاً.. وقف الجميع لمشاهدته.. فلم تلبث احدى العاملات ان صرخت باعجاب قائلة:
- ياه.. انه يشبه خالي اوسكار.
فأخذ الاسم من الشخصية الافتراضية التي وجدت ما يماثلها في الفن والابداع، قد يحتاج الفنان الذي ينسج حول المتأنق مادته القصصية.. لبناء ماض افتراضي لها.. هذا الماضي يسقط - بلا وعي - من شخصيات اخرى.. قد تكون لابن ذوات اناقته متأصلة تحتم عليك اسقاط صفة التأنق عنه.. وقد تعود به مخيلة الفنان لجذور فقيرة.. تجعل من اناقته محاولة لتجاوز عقد نقص مزمنة يصبح معها مدعاة للسخرية من حالة المبالغة الغريبة التي تجعل صاحبها يسعى جاهداً للتنكر لمافيه او ربما حتى اصله.
وقد تجد للجذور الفقيرة قصة كفاح جميلة تجعل صاحبها مدعاة للاحترام.. وقد تسقط عليه مجموعة من القصص التي قام عليها تسلقه عن طريق القرب من اصحاب القرار.. او المواقع المناسبة لدفعه للصعود ومن ثم تلقي طعناته.. ثم بعد ان اصبح شديد التلوث روحياً ونفسياً.. واكتمل سواده الداخلي.. سعى لمحاولة التعويض عن طريق محاولة اخفاء غدره وحقده وسواده خلف مظهر شديد البياض..
لنقل ان هذه لا بأس به كشخصية افتراضية في الفن والابداع.. غير ان القارئ لن يلبث ان يطل برأسه.. ليقول لك انك نسجت فيما كتبت شخصية فلان ويحدد موقعه ومنصبه ويحدثك عن المزيد من المخزي من مواقفه.. دون ان يلحظ استغرابك ودهشتك وانت تسمعه يتحدث عن شخص لاتعرفه ولم يخطر ببالك ان ما نسجه خيالك له وجود فعلى على ارض الواقع من المواقف الشخصية، في كتابة مثل هذا.. جاءت قصة (وموت ايوب) فقد استعرت من اناس حياتي شخصية الام والزوجة.
اما الام فلا بأس بها.. غير ان الامر كان يدعو لأن تكون زوجة البطل خائنة.. وهذا يتطلب معرفة خاصة بأسلوب وسلوك المرأة الساقطة.. وانا لم اشاهد هذا النوع من النساء الا على شاشة السينما.. لذا كان علي ان اجسد شخصية امرأة طبيعية زوجة وام وربة بيت.. لم اجد صعوبة في رصدها تحوم حولي وانا اكتب.. ثم كان علي اسقاط اي سلوك غريب عنها لتكون مزيج من الوفاء الذي عهده فيها... واظهار ذلك السلوك الذي جعل البطل يرى فيها المرأة الخائنة.. لم يكن كافياً ترك زوجته تلوك اللبان بطريقة لاتبالي معها بحالته... لكنني وجدت ام عيالي تبدد كثير من انفعالاتها عن طريق افراغها بحالة عصبية من خلال السلسال المعلق على عنقها.. فجعلت لزوجة البطل سلسال تحركه وهي تلوك لبانتها بطريقة تؤكد خيانتها..
زوجتي عندما قرأت المقطع قبل اكتمال القصة بكت.. وكانت سعيدة جداً فيما بعد واعترفت انني كتبت قصة ناجحة.
اما ما اسعدني حقاً وجعلني أتأكد انني كتب قصة لا بأس بها.. فهي ردة فعل الصديق الاستاذ عمر طاهر زيلع.. الذي قرأ القصة بعد سنوات من كتابتها... وبدماثه خلقه وتواضعه.. اراد ان يعزيني في مصيبة بطل القصة.. بعد ان كاد يصل لظنه انني انما تحدثت عن مأساة شخصية مع زوجتي الحبيبة حفظها الله وادامها لي محبة وفية وصابرة على نوائب الدهر.. فلا سند لي في حياتي سواها منذ ان جمعنا رباط المحبة قبل اكثر من ثلاثين عاماً.