
في هذه الايام ينتقل كثير من الطلاب الى الجامعات من مدنهم، بالنسبة للذين ليس في مدنهم جامعات او الذين يرغبون في تخصصات لاتتوفر في الجامعات التي في مدنهم، تغيير المكان والبعد عن الاهل مهما كان يعد من الضغوط النفسية التي تؤثر على نفسية الطالب، خاصة في هذا السن المبكر، والتي غالباً ما يكون اكثر الطلاب اعتادوا ان والديهم يرعون شؤونهم ويتدبرون مسائل حياتهم اليومية. بعد الانتقال والبعد عن الاهل يبدأ الشاب في تحمل مسؤولية دراسته، وكذلك عبء حياتيه المعيشية اليومية. قد يساعد بعض الطلبة تجمعهم معاً، عندما يكونون من منطقة واحدة، فذلك يخفف وطأة الغربة، هناك طلاب آخرون يذهبون لطلب العلم في دول اخرى، عربية كانت ام اجنبية، هناك يحس الطالب فعلاً بالغربة.. وينتابه الحنين الى الوطن والاهل ولكن طلب العلم والطموح لابد لهما من ضريبة وقد جربت شخصياً كلتا الحالتين، فقد جئت من تبوك للدراسة في جامعة الرياض آنذاك (جامعة الملك سعود حالياً) ورغم انني لم ابتعد كثيراً عن اهلي الا ان العيشة والحياة داخل مساكن الجامعة والبعد عن الاهل والاصدقاء، والاماكن المألوفة التي اعتدتها شكلت لي ضغوطاً نفسية لا أزال اذكرها حتى يومنا هذا. فالدراسة صعبة في بداية سنوات كلية الطب الاولى، وان تكون مسؤولاً عن تصريف شؤون حياتك اليومية ليس امراً يسيراً.. وكدت عدداً من المرات ان اترك الكلية واعود الى اهلي خاصة عندما فعل هذا بعض الزملاء الذين حضروا معي من تبوك لكن كان هناك من يشجعني من طلبة الكلية الاقدم منا. كانوا يهونون علينا مشاعر الغربة وانها فترة محددة سوف تنتهي بعد فترة زمنية قد تقصر او تطول، وهذا ما خفف عني وطأة العيش منفرداً في الرياض، وكذلك خفف علي عبء وصعوبة الدراسة في كلية الطب وفعلا بعد سنوات اصبحت الرياض هي المكان الذي الفت العيش فيه، واصبحت افتقد الحياة في الرياض عندما اغادرها، التجربة الاخرى عندما غادرت للدراسة العليا والتدريب في مدينة ادنبرة في اسكتلندا فهذه غربة حقيقية، فقد تركت اهلي وذهبت الى بلد غريب في كل شيء..! ولكن دائماً هناك الطموح والمساعدة والمعاضدة من الزملاء السعوديين الذين سبقونا الى ادنبرة، حيث ساعدونا في الحصول على سكن، وبعض منهم كان كأنه اخ حقيقي بكل ما تعني هذه الكلمة، ولعلي اذكر الصديق الدكتور عبدالرحمن المطرودي وكيل وزارة الشؤون الإسلامية والاوقاف لشؤون الاوقاف ومساعدته التي لايمكن لي ان اصفها.. فقد ساعدني في ايجاد سكن، وكان دائماً يدعوني الى منزله مع بعض الاصدقاء من الطلبة السعوديين هناك للاجتماع وكان يساعد كل من يحتاج مساعدة من الطلبة السعوديين في ادنبرة. ولكن هذا وبقية الامور الاخرى لم تغن عن افتقادي لمدينة الرياض التي فعلاً اصبحت جزءاً من كياني، افتقدت الاهل والاصدقاء والاماكن الحميمة التي اعدتتها.. واصبحت احلم بعودتي الى الرياض متى..؟ كان هذا السؤال لايغيب عن ذهني يوماً من الايام.. لكن اعود مرة اخرى الى ان من يريد زيادة العلم والارتقاء لابد له من معاناة وتكبد الصعاب مهما كبرت، ودائماً نتذكر الاجيال التي سبقتنا هناك، وكانت معاناتهم اكبر، والضغوط النفسية التي مرت عليهم اكثر.
هذه الاختلافات في تحمل الضغوط النفسية تختلف من شخص لآخر، بعض الاشخاص تكون قدرتهم على التكيف ضعيفة، وتأثرهم بالتغيير في حياتهم شديداً، بل ان بعضاً من الناس تكون ردة فعلهم تحت تأثير التغير الحياتي قوياً جداً، وربما ادى الى حدوث بعض الاضطرابات النفسية والتي تعرف باضطرابات التكييف. (Adjustent Disorders)
ماهو اضطراب التكيف؟
الامر الاساسي في هذا الاضطراب هو استجابة نفسية لضغط او ضغوط نفسية معلومة للشخص تكون نتيجتها اعراضاً ظاهرة عبارة عن اختلال عاطفي او اضطرابات سلوكية. يجب ان تحدث هذه الاضطرابات خلال ثلاثة اشهر من حدوث الضغط او الضغوط النفسية. اهمية هذه الاستجابات العاطفية المختلة والسلوكيات المضطربة هو مقدار هذا الاضطراب السلوكي او الاختلال العاطفي مع شدة الضغط النفسي، سواء كان هذا الضغط النفسي هو نتيجة امور اجتماعية او نتيجة ضغوط في العمل او الدراسة بحيث انها تكون مؤثرة على سلوكيات وتفكير وعواطف الشخص الذي يعاني من هذه الاضطرابات النفسية نتيجة هذا الحدث الذي حصل. ايضاً يجب ان يكون تأثير هذا الضغط النفسي هو اختلال في العلاقات العاطفية والاجتماعية، ويؤثر بصورة واضحة على الاداء الوظيفي او الدراسي بالنسبة للشخص الذي حدث له هذا الامر.
لقد مر علينا اثناء عملنا طلبة ابتعثوا للدراسة خارج المملكة وبعد فترة عادوا الى المملكة وهم يعانون من اضطرابات نفسية وبعضهم من اضطرابات عقلية حيث كانوا من الأساس لديهم القابلية للامراض العقلية وعندما حدث هذا الامر وهو السفر للخارج وشكل ضغطاً نفسياً قوياً على هذا الطالب المبتعث وتكون هناك عوامل وراثية مثلا للإصابة بهذا المرض فإن ضغوط الغربة ترسب المرض العقلي، وتسرع في حدوثه، وقد حدث هذا الامر لطلبة صغار في السن ابتعثوا للدراسة بعد المرحلة الثانوية، وكذلك لطلبة ذهبوا بعد الدراسة الجامعية ومنهم اطباء اصابتهم هذه الامراض العقلية، وكانت مثار الدهشة لمن يعرفونهم حيث كانوا متفوقين في دراستهم انهوا دراسة الطب في المملكة وعملوا لعام او عامين ثم ابتعثوا للتخصص في الدول الغربية، ولكن نظراً لقابليتهم للاصابة بالامراض العقلية فإنهم اصيبوا بهذه الامراض، وكما هي العادة فإن الاهل والاقارب يؤولون الامر على انه عين او حسد بحكم تفوق الابن، وان ما حدث له ليس مرضاً، بل عين او سحر، او ربما به مس...!! لأنه حسب فهمهم بأن الامراض العقلية لاتصيب من هم في مستواهم العلمي والدراسي. واقع الامر ان الغربة ليست سهلة، وقد يرى البعض بأنها على العكس من ذلك، بأنها انطلاقة وسنوات يقضيها الشخص حراً.. طليقاً، بعيداً عن قيود المجتمع ومراقبة الاهل، وان الطالب عليه ان يستمتع بهذه السنوات التي سوف يقضيها في الخارج ولكن التفريط ايضاً له مساوئه، فالطالب الذي يقضي وقته في اللهو واللعب، ولا يجتهد في دراسته فإن وقته وبعده عن اهله اضافة الى المبالغ المالية الكبيرة التي صرفت عليه من قبل الدولة او من قبل اهله، هي اموال ضائعة، لم يستفد منها احد.. وللاسف فإن هناك اعداداً لايستهان بها عادت الى ارض الوطن كما ذهبت.. دون شهادة او علم الا في الامور التافهة.. حدث هذا الامر عندما فتح باب الابتعاث على مصراعيه في منتصف وبداية السبعينيات من القرن الماضي.
ان تقبل الناس للحوادث او الضغوط النفسية يختلف من شخص لآخر فما قد يكون طبيعياً ومقبولاً عند شخص يشكل ضغطاً نفسياً كبيراً عند شخص آخر، وتكون ردة الفعل حسب احتمال الشخص ونظرته للضغط او الضغوط النفسية التي يتعرض لها وبها يعاني الشخص الذي لايستطيع تحمل الضغوط النفسية لما يعرف باضطراب التكيف اذا كان هذا الشخص يعتبر هذا الضغط النفسي المقبول من البعض والذي يعتبر طبيعياً جداً عند الآخرين مما يسبب اختلال في المشاعر والعواطف وكذلك اضطراباً في السلوك. في هذه الفئة يجب ان لايكون يعاني من اضطراب نفسي آخر مثل اضطرابات المزاج كالاكتئاب او اضطرابات القلق.
اضطراب التكيف يجب ان يشخص به الشخص بعد وفاة شخص عزيز عليه على اية حال يجب ان تنتهي اعراض اضطراب التكيف خلال ستة اشهر من بداية الضغوط النفسية، ولكن يمكن لاعراض اضطراب التكيف ان تستمر في بعض الحالات لاكثر من ستة اشهر، خاصة عندما تحدث نتيجة لضغوط نفسية مزمنة، مثل امراض عضوية معوقة او عندما يحدث اضطراب التكيف نتيجة لمشاكل مالية او عاطفية تنشأ مثلاً من مشكلة عاطفية، اجتماعية مثل الطلاق فمشكلة مثل الطلاق وما يترتب عليها من مشاكل مالية وعاطفية واحياناً الانفصال عن الابناء، لذلك يعتبر الطلاق من الحوادث والضغوط النفسية الكبيرة، خاصة على المرأة التي يعتبر الطلاق في حياتها امراً غاية في الصعوبة، خاصة اذا كانت تعاني من مشاكل مادية، بسبب انها كانت تعتمد على زوجها في تدبير امور حياتها المادية والاصعب من ذلك اذا اخذ منها اطفالها عندئذ تصبح هذه الضغوط مزمنة، وكثيراً ما تتحول الى اكتئاب مزمن. لقد حدثني شخص عن سيدة، طلقها زوجها ولها اطفال منه، ونظراً لأنه لايوجد عائل لها، فإنها قبلت ان تعيش في كراج السيارة الخاص بزوجها، ولكن ابناءها يستطيعون الدخول الى منزل والدهم رغم سوء معاملته لهم، واضطرت الام للعمل في وظيفة كفراشة غير رسمية في مدرسة ونظراً لكثرة العمل عليها فإنها تستعين بابنتها الطالبة في الصف الاول ابتدائي في نفس المدرسة، ويراها زميلاتها وهي تساعد والدتها في اعمال التنظيف، مما جعل هذه الفتاة منكسرة الخاطر، خجولة لاتستطيع ان تواجه زميلاتها في الصف او المدرسة، لانهم يرونها ووالدتها وهي تقوم باعمال الخادمة.. واعتقد ان هذا ابشع اساءة للطفولة!! وان الجرح الذي سوف يفتح داخل نفسها الحساسة لن تدمله السنوات، وستظل عالقة في نفسها سنوات عمرها الصغير وهي تعمل كخادمة مع والدتها، وبعد ذلك تذهب الى الفصل مع زميلاتها اللاتي يسخرن منها ومن والدتها..!
ان هذه الضغوط النفسية المزمنة كتلك التي تحدثنا عنها قد تخلق اضطراب تكيف مزمن، او ربما اضطرابات اكثر خطورة من اضطراب التكيف، مثل الاكتئاب وهو مرض مزعج للغاية..! كذلك من الاضطرابات المزمنة ان يعيش الشخص في مناطق غير آمنة أي لا يأمن فيها على نفسه وعلى عرضه وماله، ويتوقع في أي لحظة بأن يعتدي احد عليه، اعتداء قد يؤدي الى وفاته او اعاقته لاسمح الله، ان العيش تحت ضغوط نفسية مزمنة مثل هذا الامر - عدم الامن - امر في غاية الصعوبة. خاصة على الشعوب او الجماعات التي لم تعهد مثل هذه الامور. فبعد احداث الحادي عشر من سبتمبر، وتحطيم مركز التجارة العالمي في نيويورك، وقتل الآف الاشخاص وهذا امر لم يعتده ولم يتوقعه الامريكيون حيث دائماً يصرح المسؤولون بأن امريكا محمية من الجو بنسبة 100٪ وهم بذلك يقصدون ضد الصواريخ والطائرات المقاتلة.. ولكنهم لم يتوقعوا ان يأتي هذا الخطر من طائرات تجارية عادية لنقل الركاب، بعد هذه الاحداث عانى الامريكيون ما يسمى باضطراب التكيف حتى ان الجمعية الامريكية للاطباء النفسيين طلبت من اعضائها التبرع بالمال والعمل لتخفيف آلام الاشخاص الذين يعانون من اضطرابات التكيف، والشعور بعدم الامان، فكيف بشعوب تعيش سنوات تحت القتل والتشريد كما يحدث لاخواننا في فلسطين والآن في العراق التي اصبحت منطقة تسودها الفوضى ولايأمن المرء فيه على نفسه او ماله او عرضه..!! ان الجرح الذي يزداد اتساعاً في العراق، سوف يخلف متاعب واضطربات نفسية في نفوس الاطفال على وجه الخصوص الذين يرون الآن اباءهم يقتلون واقاربهم يشردون، واصبح العراق الآن بلداً غير آمن على الاطلاق بل انه اصبح من اكثر البلدان في العالم دموية وتقتيلاً شبه يومي، وهذا بالتأكيد سوف يكون له التأثير على اهله في الحاضر والمستقبل.
ان اضطراب التكيف كثير الحدود ولكن في اغلب الاحيان يكون مؤقتاً، وينتهي خلال ستة اشهر من حدوث الضغط او الضغوط النفسية التي يتعرض لها الشخص، فاضطراب التكيف ينتج عن ردة فعل الشخص تجاه ضغط او ضغوط نفسية معينة، قد يختلف في تفسيرها الاشخاص كل حسب قدرته على تحمل الضغوط النفسية التي تحدث له، فما يكون ضغطاً نفسياً عظيماً عند شخص يراه الآخرون انه امر طبيعي وعادي ويمكن التعايش معه بكل هدوء.
في العدد القادم سوف نتحدث عن انواع اضطراب التكيف وعلاجه.