الرئيسية > شؤون دولية

الأمير سعود الفيصل يحاضر في معهد جيمس بيكر في هيوستن مدافعاً عن السياسة السعودية البترولية:

المملكة التزمت تعهداتها حتى عندما كانت الناقلات تحرق في الخليج.. ومنشآتنا تقصف بصواريخ اسكود



هيوستن - أحمد حسين اليامي

ألقى صاحب السمو الملكي الأمير سعود الفيصل، وزير الخارجية، فجر أمس (بتوقيت الرياض) محاضرة عن البترول في معهد جيمس بيكر للسياسة العامة بجامعة رايس في هيوستن.

وفي هذه المحاضرة شدد سمو وزير الخارجية على سجل المملكة المثبت في تلبية التزاماتها الانتاجية بغض النظر عن الأزمات الدولية والاضطرابات السياسية أو حتى الحروب.

وقال سموه: نعم، لقد التزمنا تلبية تعهداتنا حتى حين كانت هناك حروب في منطقتنا، وحين كان يتم حرق ناقلات البترول في الخليج وحين كانت مدننا ومنشآتنا البترولية تتعرض لهجمات صواريخ سكود.

وقال الأمير سعود الفيصل ان المملكة قد عوضت النقص في مستويات الانتاج البترولي العالمية عن طريق الاحتفاظ بقدرة انتاج فائضة تصل ما بين (1,5) إلى مليوني برميل يومياً رغم الثمن الباهظ الذي يعنيه ذلك بالنسبة للصناعة والاقتصاد في المملكة على مدى السنوات العشرين الماضية.

وخاطب سموه الحضور، من كبار رجال الطاقة والأعمال والاكاديميين في الولايات المتحدة قائلاً: ان محور تركيز تلطيخ الأداء السعودي الواضح للملأ ما هو في الأساس سوى محاولة لحرف الأنظار عن حقيقة ان حقائق الأسعار والامدادات الرئيسية التي تؤثر عليكم ليست متعلقة بمقادير الانتاج بل هي متعلقة بخلطات البنزين وقدرات التكرير المحدودة وانعدام القدرة على التخزين والقيود العديدة الأخرى التي اقعدت صناعة الطاقة في نصف الكرة الغربي.

وقدم الأمير سعود في بداية محاضرته تعازي الشعب السعودي القلبية الحارة للشعب الأميركي بالمعاناة وفقدان الأرواح والدمار الذي خلفه الإعصار كاترينا.

وقال سموه: ان الموضوع الذي سأتحدث عنه اليوم هو موضوع عظيم الأهمية لبلدي وبلادكم أيضاً - الخلل الهيكلي في صناعة البترول، ان الارتفاع الحاد في أسعار البترول، الذي نشهده على مدى السنوات القليلة الماضية، هو ليس سوى مرحلة من عملية تراكمية كانت بدأت منذ بعض الوقت.

وأضاف: ان التطورات الحاصلة في صناعة البترول هي تطورات مهمة وهي جديرة باهتمامنا الكامل. وأود القول ان أسعار الطاقة المرتفعة يمكن ان تتسبب في عواقب بعيدة الأمد على اقتصاديات العالم وهي ستؤثر علينا جميعاً - المستهلكين والمنتجين، في الاقتصادات الصناعية والاقتصادات الناشئة في العالم على حد سواء.

وان من الهم، بناء على ذلك ان يكرس بلدانا وهما البلدان اللذان يمثلان الدولة المنتجة الأكبر للبترول في العالم والدولة المستهلكة الأكبر للبترول في العالم، الوقت اللازم لتقييم هذا الوضع، علينا ان نحدد القضايا وان نراجع خياراتنا لحلها قبل ان تصبح معقدة أكثر من اللازم بحيث تصعب السيطرة عليها. ولهذا فإن هذا الموضوع يصبح موضوعاً يتسم بالإلحاحية والأولوية بالنسبة إلينا جميعاً، خصوصاً حين أصبحت مهاجمة السعودية موضة، وحين أصبح كيل اللوم جزافاً غاية في حد ذاتها.

وقال سموه: لقد تضاعف سعر برميل البترول الخام مرتين وصولاً إلى مستوى 65 دولاراً للبرميل منذ العام 2002. وقد أفرزت أسعار الطاقة المرتفعة مؤشرات على وجود تأثير يقود إلى الركود في الاقتصاد العالمي.

ان المخاطر عظيمة جداً بحيث نترك الحل في أيدي قوى السوق وحسب. وبسبب العلاقة التكاملية العالمية، فإن الركود يؤدي إلى انعدام استقرار اجتماعي وسياسي لا يمكن حصره في منطقة واحدة من العالم فحسب. وإذا لم تتم معالجة هذا بسرعة وبصورة معقولة، فإن انعدام الاستقرار هذا سينتشر بغض النظر عن القوة السياسية والاقتصادية لأي دولة منفردة.

وتساءل الأمير سعود الفيصل: ما الذي يحدث إذاً في صناعة البترول؟ مستطرداً ان هناك ثلاث فئات من المتغيرات التي يتوجب النظر إليها: الانتاج، الاستهلاك، والمتغيرات السياسية النفسية.

بالنسبة إلى جانب امدادات البترول الخام، أود التأكيد ان ليس هناك اليوم أي نقص في البترول في السوق. ومع ذلك، وللمرة الأولى منذ عقود، ليس هناك فائض كبير في قدرة الانتاج الآن، وقد أدى هذا إلى بعض النقاشات المحتدمة حيال الامدادات البترولية في الأمد البعيد، وهي نقاشات يمكن تفهمها.

بعض المتشائمين، وخصوصاً الجيولوجيين، وعلى عكس طبائعهم المعتادة، يتوقعون حصول نقص حاد في المستقبل، فيما المتفائلون، وخصوصاً من الاقتصاديين ، وعلى عكس طبائعهم ايضاً، يتوقعون ان يؤدي ارتفاع الأسعار في نهاية المطاف إلى خفض معدل نمو الاستهلاك مع زيادة في معدل الانتاج، ولكن جميع هذه التوقعات هي في أفضل أحوالها ليست أكثر من توقعات تخمينية مستنيرة قائمة على افتراضات غير يقينية.

ولكن ما ليس به شك هو الطبيعة المحدودة المتناقصة للبترول، ومع ذلك، فإن الاحتياطيات البترولية العالمية المثبتة قد تزايدت من 550 بليون برميل في العام 1970 إلى 1,2 تريليون برميل اليوم، وليس هناك سبب يحول دون تواصل هذا التوجه في المستقبل.

وفي معالجة حالات عدم اليقين هذه، عليّ ان أشدد على سجل المملكة العربية السعودية المثبت في تلبية التزاماتها الانتاجية، بغض النظر عن الأزمات الدولية والاضطرابات السياسية أو حتى الحروب، نعم، لقد التزمنا بتلبية تعهداتنا حتى حين كانت هناك حروب في منطقتنا، وحين كان يتم حرق ناقلات البترول في الخليج وحين كانت مدننا ومنشآتنا البترولية تتعرض لهجمات صواريخ سكود.

لقد عوضت المملكة العربية السعودية عن النقص في مستويات الانتاج البترولي عن طريق الاحتفاظ بقدرة انتاج فائضة تصل ما بين 1,5 إلى 2 مليون برميل يومياً، وذلك رغم الثمن الباهظ الذي يعنيه ذلك بالنسبة إلى صناعتنا واقتصادنا على مدى السنوات ال20 الماضية. وقد بلغ انتاج السعودية من البترول الاضافي حتى الآن في العام الحالي 2005 بما يصل إلى (700 ألف) برميل يومياً زيادة عن العام الماضي. ان هذا يمثل أكثر من نصف الطلب الزائد على البترول في العالم لهذه الفترة.

وقد أعلنت المملكة العربية السعودية عن عزمها زيادة قدرتها الانتاجية ب2,4 مليون برميل يومياً بحلول العام 2009. ويمثل هذا زيادة في القدرة الانتاجية الصافية الجديدة تصل إلى 1,5 مليون برميل يومياً، فيما ستعمل البقية على تعزيز القدرة الحالية. وفي حال عدم وجود أسباب خارجية معرقلة خارج سيطرتنا، فإننا لا نتوقع أية مشاكل في تحقيق هذا الهدف الطموح.

لقد وقعنا عقود حفر، واخترنا فرق ادارة المشاريع، وخصصنا الأموال ووضعنا الخطوط الهندسية الأولية، وما لم تقم الشركات الدولية باستعمال المعدات التي طلبنا شراءها منها وحولت المتعاقدين من حقولنا البترولية إلى مشاريع أخرى، فإننا لا نتوقع أي مشكلة في تحقيق أهدافنا.

من المقدر ان الاستثمار الكلي الواجب توافره لزيادة انتاج منظمة أوبك لتلبية الطلب في العام 2005 يتراوح بين 258 إلى 382 بليون دولار. وان الفرق البالغ 124 بليوناً عائد إلى التقديرات المختلفة لتوقعات الطلب بناء على افتراضات النمو الاقتصادي المختلفة. ولعل هذا يعطيكم فكرة عن الصعوبة التي نواجهها في التخطيط للاستثمار في الدول المنتجة.

ولكننا الآن، وبحسب مقولة «ملعونون إن فعلنا وملعونون إن لم نفعل»، ورغم ما فعلنا وما نفعله الآن، نتعرض لسيل من التهم، وخصوصاً تهمة انعدام الشفافية، من بين كل الأشياء الأخرى.

ان هذا محيّر لي فعلاً. كيف يمكن لنا ان نكون مفتقرين إلى الشفافية حين نقوم بنشر قدرتنا الانتاجية، واحتياطياتنا البترولية والغازية، وخططنا الحالية والمستقبلية على الملأ؟ وقد فعلنا ذلك بصورة تنسجم تماماً مع الأعراف والمعايير الدولية. وواقع الأمر هو اننا ننزع في هذا باتجاه أن نخطئ لناحية التقليل من حجم احتياطاتنا وقدرتنا الانتاجية.

دعونا نواجه الأمور، فإن توفير معلومات اضافية لن يوقف سيل الأسئلة والتحديات التي لا تنقطع التي يثيرها أولئك الذين يحصلون على رسوم الدعاية والاستشارات لإثارتهم التساؤلات حول كل ما نقوم به. ما من قدر من المعلومات والتحليل قادر على إقناع منظر ملتزم فعلاً بنظرية المؤامرة.

إن محور تركيز تلطيخ الأداء السعودي الواضح للملأ ما هو في الأساس سوى محاولة لصرف الأنظار عن حقيقة ان حقائق الأسعار والامدادات الرئيسية التي تؤثر عليكم ليست متعلقة بمقادير الانتاج، بل هي متعلقة بخلطات البنزين وقدرات التكرير المحدودة، وانعدام القدرة على التخزين والقيود العديدة الأخرى التي أقعدت صناعة الطاقة في نصف الكرة الغربي.

ومن دون التقليل من أهمية القضايا البيئية، فإنه ينبغي الوصول إلى نوع من التوازن بين الحاجة إلى المزيد من استكشاف حقول النفط وتطويرها وبين الحفاظ على البيئة. وفي هذا الاطار فإن المملكة العربية السعودية تدعو إلى زيادة في الأبحاث في هذا الميدان.

إننا مستعدون للانضمام إلى الآخرين في تطوير قواعد موحدة تكون مواتية ومستديمة بيئياً مع توفيرها الاستعمال الأكثر فعالية للطاقة.

وفي الواقع، فإن قضايا الطاقة الحقيقية التي نحتاج إلى معالجتها اليوم لا علاقة كبيرة لها بالمملكة العربية السعودية، تمعنوا في الأمر بما يتعلق ببعض أكبر شركات البترول.

في السنوات القليلة الماضية، شهدنا عمليات اندماج غير مسبوقة وعمليات شراء من قبل شركات لأخرى في جانبي المحيط الأطلسي. وقد أدى هذا إلى تركيز موارد وقدرات هائلة في أيدي حفنة من الشركات الكبرى.

وان لدى كل من هذه الشركات الموارد والخبرة للاستثمار في البترول وادارة سلسة القيمة للصناعة البترولية.

وكانت التوقعات الجماعية هي ان صناعة البترول والغاز ستشهد عملية احياء هائلة نتيجة لعملية اعادة الهيكلة والاندماج بين الشركات. ولكن ذلك لم يحدث.

وأضاف سمو وزير الخارجية انه يبدو ان الإفراط في التنظيم قد جعل من السهل تجنب الاستثمار في عمليات التكرير والتخزين والتوزيع، التي لا تعود سوى بعائدات هامشية، عن طريق إغراء المستثمرين بالسعي إلى عائدات أعلى واستثمارات أكثر أماناً. وكانت النتيجة هي هذا الانكسار الذي نشهده في سلسلة القيمة في هذه الصناعة.

ولعلمي انني أخاطر بأن أغضب بعض أصدقائي في هذه القاعة، فإن شركات البترول ربما نسيت أن ركوب المخاطر المحسوبة هي الوسيلة لجني أرباح أعلى. وقد تكون هذه الشركات قد اختارت سهولة النصيحة الحذرة للمحاسبين الشركائيين بدلاً من روح المغامرة التي ميزت صناعة البترول منذ بدايتها.

لقد تشكل نقص حرج في قطاع التكرير في هذه الصناعة، وهو خارج كلياً عن سيطرة الدول المصدرة. وقد أدى هذا بدوره إلى ثغرة بين انتاج البترول الخام واستهلاك المنتجات المكررة.

المستهلكون يطلبون المزيد من أنواع الوقود التي لا يمكن توفيرها بسبب انعدام قدرة التكرير. وكان يتم في العادة ردم هذه الثغرة عن طريق دمج عمليات الشركات البترولية.

ولكي أكون منصفاً لشركات البترول، فإن السبب الرئيسي للنقص في القدرة التكريرية هو القيود البيئية والقيود على استعمال الأراضي التي تحول دون بناء المصافي المحلية. مشاريع المصافي التي تتطلب العديد من السنوات لبنائها عليها ان تنتظر سنوات اضافية للموافقة على مواقع البناء، هذا إن كانت هذه الموافقات سيتم الحصول عليها أصلاً.

وفي الحقيقة، وبغض النظر عن بعض التعديلات والتوسعات في المنشآت القائمة، لم يتم بناء ولو مصفاة واحدة في الولايات المتحدة خلال العقود الثلاثة الماضية.

وحسب ادارة معلومات الطاقة، فإن قدرة التكرير العالمية زادت بواقع 1,3 مليون برميل يومياً على مدى السنوات الخمس الماضية، هذا في الوقت الذي تزايد فيه الطلب على البترول بواقع سبعة ملايين برميل يومياً.

ورغم هذه الاختناقات في منشآت التكرير، فإن المملكة تُطالب بزيادة انتاجها بصورة يومية. من الواضح ان زيادة الانتاج لن تساعد كثيراً أبداً في تلبية متطلبات المستهلكين من أنواع الوقود المختلفة في العالم. أما نحن فقد دأبنا على زيادة قدراتنا التكريرية في ينبع والجبيل، وهما مدينتانا الصناعيتان ومركزانا الرئيسيان للصناعات البيتروكيماوية والتكريرية، وهناك مجال لمزيد من التوسع. ونحن نحث جميع المستثمرين على الانضمام إلينا لبناء منشآت تكرير اضافية وتوسيع المنشآت القائمة لدينا حالياً، من أجل تخفيف الاختناقات الحالية في توفر المنتجات البترولية المكررة.

هذه الدعوة لا تتطلب أي تأخير في التطبيق الذي من شأنه أن يشكل كلفة إضافية للمستهلكين.

وكل ما تتطلبه هو الإرادة في المساهمة في تخفيف الضغوط المتشكلة. وفي الوقت نفسه فإننا مستعدون للانضمام إلى أي جهد للقيام ببناء المنشآت التكريرية في الولايات المتحدة.

إن الإفراط في التنظيم يترك تأثيراً كبيراً على الحد من الإمدادات ورفع الأسعار. وإن مواصفات البنزين تختلف عادة من ولاية إلى أخرى. إن تطبيق معايير موحدة من شأنه أن يزيد من فعالية إدارة المصافي والسماح بالاستعمال الأفضل لقدرات تخزين المنتجات البترولية.

إن فرض مواصفات خاصة جداً على أنواع الوقود في كل ولاية على حدة وفي كل دولة على حدة إنما يعقد الجهود الهادفة إلى وضع حلول عالمية للنقص العام في أنواع الوقود في العالم.

وإن الحقيقة هي أن فيما يتواصل تخلف الإمدادات البترولية من بحر الشمال وألاسكا والولايات المتحدة القارية عن الطلب، فإنه ستكون هناك حاجة متزايدة لبترول خام أثقل يحتوي على نسب أعلى من الكبريت لتلبية الطلب المتزايد. وعليه يجب توحيد معايير مواصفات الوقود من أجل تعديل عمليات التكرير بصورة سريعة. إن هذه القضية علينا أن نحلها بصورة عاجلة من أجل ضمان فعالية مواصفات أنواع الوقود والمصافي خلال العقد القادم.

إن قضية الاستقرار في الشرق الأوسط هي مثار قلق رئيسي في هذا الإطار. إن الصراعات في منطقة الشرق الأوسط التي تتضمن 65 بالمائة من احتياطات البترول العالمية و45 بالمائة من احتياطياته الغازية، يسمح لها بالتواصل والخروج عن السيطرة.

وقد أدت الاضطرابات الإقليمية والمواجهات العسكرية إلى إيجاد جو هش قابل للاشتعال وهو ما يقوض الاستثمارات في صناعة البترول في المنطقة.

وقد أصبحت هذه الهشاشة أرضاً خصبة للتكهنات بشأن أسعار البترول، كما أصبح كل حادث كارثي في الشرق الأوسط بمثابة ضوء أخضر لتجار البترول لرفع أسعار إمدادات البترول.

إن الحاجة إلى وضع نهاية عادلة ومنصفة للصراع العربي الإسرائيلي هي أمر في غاية الأهمية والإلحاحية. وإن من شأن ذلك ألا يضع حداً لعقود من المعاناة الإنسانية فحسب، بل وسيعمل أيضاً على تخليصنا من التكهنات غير الصحية التي ألحقت كبير الأثر بالأسواق البترولية.

لقد أخذت الكثير من الوقت لشرح هذه الأمور لأنها في غاية الأهمية والحيوية، وهي كذلك لا حل بسيطاً لها. إن تحديد المشكلة هو عادة أسهل من البحث عن حلول فعالة. ولكن الثابت هو أن علينا أن نتجاوز لعبة إلقاء اللوم، وأن ندرك الحقيقة البسيطة المتمثلة في أنه يمكن التوصل إلى الحلول المرجوة عبر التعاون الجماعي.

إن مواجهة هذه التحديات إنما تتطلب جهداً مشتركاً من قبل منتجي البترول ومستهلكيه والشركات البترولية نفسها. ومن أجل مأسسة حوار مثمر بين كل هذه الأطراف المعنية، بادر الملك عبدالله بن عبدالعزيز، خادم الحرمين الشريفين، إلى تأسيس أمانة عامة لمنبر الطاقة الدولية في الرياض.

وإن واحدة من وظائف هذا المنبر الأساسية هي تسهيل تبادل المعلومات والشفافية عن طريق إدارة مبادرة المعلومات المشتركة التي تتضمن تقديم الدول المنتجة والمستهلكة معلومات عن إنتاجها واستهلاكها شهرياً إلى هذه المبادرة. وقبل عدة أشهر، حين كان في مدينة دالاس، دعا خادم الحرمين الشريفين إلى عقد مؤتمر تحت رعاية هذا المنبر.

إننا نتطلع إلى جهد تعاوني متزايد وإننا نقف مستعدين للعمل مع الولايات المتحدة للقيام بما علينا القيام به لمواجهة هذه التحديات.

وختم سموه محاضرة قائلاً: «دعوني اختتم باستعارة هذا المثل الصيني القديم: «ان من الأفضل أن تضيء شمعة واحدة بدلاً من أن تعلن الظلام دائماً».

حوار مفتوح

ثم جرى حوار بين الأمير سعود الفيصل والحضور.

وأجاب سموه على سؤال:

٭ أين ترى التوازن في الاستثمارات التي تقودها الحكومة في المراحل النهائية للصناعات البترولية وبين تلك التي يقودها القطاع الخاص قائلاً:

٭٭هناك رغبة لدى بترومين وأرامكو لبناء مصافي بترول ولدينا هنا بالمناسبة مصفاة تساعد في اعادة الوضع الى طبيعته في ولاية لويزيانا وهذه واحدة من الفوائد في كون اننا نتواجد في الولايات المتحدة، لذلك فنحن راغبون في زيادة الاستثمار في المراحل النهائية للعملية الصناعية البترولية، التكرير والتخزين والتوزيع، ونرى في بناء مزيد من مصافي البترول في المملكة أمراً ضرورياً.

والقطاع الخاص في المملكة اصبح قادراً على الدخول في حقل الاستثمار في المراحل النهائية للصناعات البترولية فهناك شركات كبرى لديها المصادر والقوى البشرية والقوة المالية تمكنها من الدخول كشركاء إما في مشاريع حكومية سعودية أو في مشاريع حكومية اجنبية.

ومع انضمامنا لمنظمة التجارة العالمية سنتبع قوانين المنظمة بما معناه ان المستثمرين في المملكة سيكون بامكانهم ملكية مصاف وأراض إلى آخره.

ورداً على سؤال آخر حول تنويع الاقتصاد السعودي واعتماد بدائل غير البترول قال وزير الخارجية:

٭٭ ربما لدي وجهة نظر تختلف عن وجهة النظر العامة في بلادي فأنا لا أرى خطأ في تأسيس اقتصادك على البترول بدلاً من تنويعه، إذ ما هو المصدر الأفضل الذي يمكننا إيجاده كأساس لتنميتنا الصناعية عدا البترول؟وفي تنويع مصادر الاقتصاد، لا أعرف كيف يتم العثور على المصدر الذي نتحول إليه ويكون اهم من البترول الذي في حوزة المملكة.

والأمر صحيح بعدم الاعتماد على مصدر واحد، ولكن، حين يكون هذا المصدر الواحد هو البترول فهذا ليس بالأمر السيئ».

«وهنا ضجت القاعة بعبارات الاستحسان من قبل الحضور».

٭ وسئل سموه: أنتم هنا في هيوستن وأحد أبناء هيوستن، ماثيو سيمنز، كتب عن احتياطي المملكة من البترول، فهل لسموكم أن تعلقوا على استنتاج ماثيو سيمنز بخصوص احتياطي المملكة البترولي؟

فأجاب الأمير سعود الفيصل ٭٭ في آخر اعلان فإن احتياطي المملكة البترولي (261) بليون برميل وهذا ايضاً ليس بالأمر السيئ».

«وعادت تعابير الاستحسان في القاعة تتعالى مجدداً».

٭ سمو الأمير، نتحول الآن إلى السياسة الخارجية، الا يثير الانقسام الطائفي الذي بدأ يظهر في العراق بين السنة والشيعة قلقكم؟

٭٭ مع الأسف، أن هناك أكثر من مؤشر على أن العراق يتحرك باتجاه الانقسام.

الأكراد لديهم دائماً علاقات خاصة مع غالبية العرب الذين يشكلون غالبية سكان العراق لذلك فليس هناك مشكلة اذا انهم حصلوا على كيان منفصل في شمال العراق.

ولكن الخطر الحقيقي هو في الانقسام الذي جرى التنبؤ به بين عرب العراق بتقسيمهم إلى شيعة وسنة وإنشاء كيانات منفصلة لكل منهما.اذا حدث هذا فذلك يعني ان العراق سوف ينقسم إلى ما لا يقل عن ثلاثة اجزاء وهذه هي الوصفة الصحيحة لادخال البلدان المجاورة للعراق في صراع فيما بينها. فإيران من جانب ستتدخل لصالح الشيعة والاتراك سيأتون لمقاتلة الأكراد والعرب، بالتأكيد، سوف ينجرون إلى معركة السنة.

إن الطريق الذي يجب سلوكه هو جمع العرب معاً، سنة وشيعة، لأجل الحفاظ على السمة العربية للبلد التي ظلت قائمة لآلاف السنين وليس فقط لعشرات السنين فالعراق أحد اقدم البلدان في الشرق الأوسط عمره ثمانية آلاف سنة فهو ليس بلداً جديداً يمكن اللعب معه او التلاعب به.لذلك فإن على الولايات المتحدة ان تفكر في الأمر، فإذا لم يتم جلب السنة والشيعة معاً في حكومة ذات اغلبية للابقاء على وحدة البلد والا فإن العراق سينقسم الى كيانات منفصلة.

وعندئذ فإن كامل اقليم الشرق الأوسط سينقسم والصراع - الذي لم نحلم به - سيحدث وسيواجه المجتمع الدولي وهذا هو ما لا يتمناه أحد.

على ضوء الانسحاب الاسرائيلي من غزة، ما هي تقديراتكم لاحتمالات حل النزاع العربي - الاسرائيلي؟ وهل ستواصل المملكة لعب دورها لتحقيق سلام شامل وفقاً لمرجعية مدريد؟

٭٭ على الأقل أن لدينا حركة من شارون بالانسحاب في الاتجاه الصحيح. ولكن الانسحاب من غزة وحدها، إن كانت هي نهاية تحركه نحو السلام، فإن ذلك مؤشر لا معنى له. غزة في كل الأحوال هي قطعة الأرض الأكثر كثافة بالسكان في كل العالم ولذلك فالانسحاب منها ليس تضحية كبيرة من جانب شارون.

ولكن، مع هذا فالانسحاب مؤشر ايجابي كونه يثير لدى الفلسطينيين ممارسة سلطتهم الوطنية دورها كحكومة على أرض فلسطينية.

إلا أن على شارون أن يتبع ذلك الانسحاب بخطوات اخرى وانا لا أدري إن كان شارون، مع الأخذ في الاعتبار تاريخه وسنه المقارب ل «75» عاماً، بمقدوره أن يجعل من نفسه صانع سلام فهذا شيء عليه أن يؤكده.

وقبل شارون كان هناك رابين الذي، هو الآخر كان يقول ان لديه سياسة القبضة الحديدية ضد الفلسطينيين، إلا أن رابين تحول إلى صانع سلام وجرى قتله بسبب ذلك. ولذلك فالمعجزات تحصل حتى في اسرائيل.

وان حصلت هذه المعجزة لشارون بأن يصبح صانع سلام، فإن عليه سلوك طريق محدد فلديه خارطة الطريق وهي موجودة بامكانه اتباعها. ولديه ايضاً، مبادرة الملك عبدالله بن عبدالعزيز التي قبلت بها وتبنتها بالاجماع قمة دول الجامعة العربية لاقامة علاقات طبيعية بين كل البلدان العربية واسرائيل فوراً لأن العرب لم يخفوا ما طرحوه ودعوا الاسرائيليين الى وضع ما لديهم على الطاولة.

ومتى كان هناك رد ملائم لخارطة الطريق ولمبادرة السلام التي تبنتها البلدان العربية وكانت لدى شارون رغبة في التحرك للتفاوض، فعندئذ ستكون هناك ملامح للسلام.

إنه لمن الغباء استمرار الصراع لأنه يولد الكراهية ويقتل أناساً ابرياء، وقد شاهدنا على شاشة التليفزيون شباناً اسرائيليين يجبرون على مغادرة منازلهم وينقلون بعيداً بعد سنوات من خداعهم ببناء منازلهم على أرض فلسطينية. كما أننا شاهدنا الدهشة على وجوه الفلسطينيين انفسهم في رؤية الاسرائيليين وهم يجبرون بهذه الطريقة على المغادرة من قبل الجيش الاسرائيلي.

هؤلاء الشباب الاسرائيليون جرت المناورة بهم من قبل حكومتهم كأوراق ضغط في المفاوضات بالقول لهم ان بامكانهم بناء مستعمرات على الأرض الفلسطينية وفي النهاية يتم التفاوض باجلائهم. لذلك فإن الضحايا الحقيقيين هم الشباب الاسرائيلي والشباب الفلسطيني.

إن على الشعوب أن تجعل اصواتها مسموعة فالملك عبدالله بن عبدالعزيز حين طرح مبادرته تحدث مباشرة للشعب الاسرائيلي لأنهم هم الشعب الذي يجب أن يصنع السلام.

إن الشعوب هي التي عليها صنع السلام فهي التي تعاني وهي التي تموت.

الشرق الأوسط لم يعد المكان الذي يمكنك التلاعب فيه تجاه الشعوب أو استخدامها لاغراض في عملية تفاوضية. يجب عليك ان تتعامل بجدية مع مسألة الشعوب ومع حياة الشعوب وإتاحة المجال امامها للعيش معاً فلا أحد يمكنه العيش في منطقة رغماً عن رغبة السكان الآخرين في المنطقة فالاسرائيليون لا يمكنهم العيش في العالم العربي رغماً عن العرب بل عليهم ان يعيشوا مع العرب وعلينا ان نعيش مع الاسرائيليين ونحن مستعدون لذلك ونأمل ان الحكومة الاسرائيلية مستعدة للتحرك بالقدر الذي نحن نرغب في التحرك عليه.

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة