
في كتابه (الإيمان بالزائف) (faith in fakes)أو (الترحال في الحقيقة المضخمة)(travels in hyperreality) المنشور لأول مرة عام 1973، لتعاد طباعته مرات بعدها، تناول امبرتو إيكو الحضارة الحديثة واعتمادها على الزائف المضخم لمنافسة الحقيقي الأصيل، معتمداً في تحليله على التجربة الأميركية، حيث يُمَنْطِق إيكو اللا منطقي، وإيكو كما هو معروف من اهم المفكرين تأثيراً في ساحة الفكر المعاصر، يستشهد إيكو بعبارة تقابلك في الإعلانات والدعايات للسلع والمطاعم، عبارة تظهر كبداية في اعلانات كوكا كولا وتتكرر في العبارات اليومية مثل: (الشيء الحقيقي - the real thing) والعبارة الثانية تظهر في المطبوعات والإعلانات التلفزيونية تتلخص في كلمة: (أكثر - more)، بمعنى (زيادة - extra)، فالمذيع لا يقول مثلاً: (سنتابع البرنامج) وإنما يستخدم عبارة (المزيد سيأتي - more to come). في امريكا لا تقول مثلاً: (اعطني كوب قهوة ثانياً)، وإنما تقول (المزيد من القهوة - more coffee)، ولا يقال هذه السيجارة اطول من تلك، وإنما (المزيد منها more of)، اي لدينا اكثر مما انت معتاد عليه، اكثر مما تريد، تاركاً للمتلقي مسافة لا نهائية للتكهن بالمزيد من ذلك الرخاء.
هذا هو الهدف من هذه الرحلة في الحقيقة المضخمة، للبحث في المناسبات التي تتناول فيها المخيلة الأميركية الشيء الحقيقي (او النتاج البشري الإبداعي الحقيقي)، بهدف الاستحواذ عليه، فتلجأ لتزييف المزيف في صورته المطلقة، وتعرضه في منطقة تختلط فيها اللعبة بالوهم (الأصيل المتجذر بالطارئ المستهلك)، حيث تتلوث متاحف الفن بعروض للمسوخ، التي فيها يتم الاستمتاع والتملي في الزيف وما يتمثل فيه من اوضاع (الامتلاء) والرعب. ويستشهد إيكو على ذلك بمشاهد من عالم ديزني ومن المتاحف الأميركية وبالذات متاحف الشمع المنتشرة في المدن الأمريكية، والتي تعرض دراكولا وعوالمه جنباً الى جنب مع مايكل انجلو وعوالمه الفنية العريقة، وتخلط بالمجاورة الحضارات القديمة مع حضارة الخيال العلمي، وتقدم الاثنين كما لو كانا مشهداً متحداً من مشاهد التجلي البشري المعاش حقيقة، أي لايعود ثمة حد بين الواقع و المزيف، بل ويكتسب المزيف وجوداً أعمق تأثيراً من الأصيل والواقع.
يدفعنا هذا للتملي في المشاهد حولنا، للبحث عن الحد بين المزيف والحقيقي، بين المضخم والمعروض بحجمه الطبيعي. هنا نتساءل: ماتعريفنا للحجم الطبيعي أو الوجود الطبيعي؟ ولنتأمل في جسد معروض على الشاشة، ما الحد فيه بين الزائف المضخم والحقيقي؟ هل بوسعك الجزم ما إذا كانت تلك الشعرات على رأس المذيع مزروعة أم موجودة هناك أصلاً هل يمكن اعتبار شعرات منتزعة من قاع الرأس لمقدمته زيفاً، هل يمكن اعتبار شفة هذه السيدة، مساحة الأسود المعمقة لأجفانها، الجزء المظلل المخفي من جسدها وذاك المضخم والمتعرض لضوء وتلميع مؤقت، هل يمكن اعتبار ذلك حقيقة أم زيفاً؟ أليست تلك اللحظة بذاتها هي التي تسحرنا من جسد هذه الممثلة أو ذاك الممثل هي في حينها الخاطف حقيقة؟ هل نقبل تلك اللحظة من الوهم المصنوع البراق والمحفز للمخيلة أم نفضل عليها لحظة من الحقيقة الباهتة المستديمة؟ التي تشبه الاجترار لحقائق كثيرة ومتكررة حولنا، هل مهمة الفن وعوالمه من الأول للسابع تقديم اجترار للواقع أو خروج عليه؟
كيف بوسعنا إطلاق صفة (الحقيقي) على فن اللوحة والنحت، وصفة الزائف على نتاجات فنون (السينما) بصرف النظر عن تقدم أحدها على الآخر؟!
أليس دراكولا وعوالم ديزني هوليود ومتاهات شبكة المعلومات وتحفها، من تجليات العبقرية البشرية؟ ومن يستطيع إلغاء قيمة الحديث بصفته حديثاً لإعلاء القديم بصفته عريقا؟ مثل هذا الإلغاء في تعميمه لو صح لتم بناءً عليه إلغاء مايكل أنجلو قياساً بالإغريق والرومان والفراعنة والسومريين وغيرهم من صناع الحضارات القديمة، أي هو باب يغلق بوجه كل محاولة بشرية تتجدد بلانهاية لمواصلة التجلي والتفوق على ذاتها.
يبقى مفهوم القيمة الذي يترك للزمن، فيخلد أو يستهلك ويقذف للعدم تلك النتاجات المتسارعة، الذائقة والمعايير المستقبلية تأتي في حينها وخارج عن إراداتنا ومقاييسنا التقييمية الآنية. متاحف المستقبل بيد المستقبل وحده، وفيها ستتصدر العبقرية البشرية اليوم، عبقرية الاتصال والتوصيل والتوسع والدمار، عبقرية تحويل الكون لنقطة
يشرف عليها كما من ذروة الأولمب حيث الإنسان ينتصب كُلِّي العلم والرؤية والعنف، وحيث الفنون تتسخر لتجسيد عوالم من الوهم اللانهائي القدرة والتجاوز.