في كل سنة يتحول خريف فرنسا ولاسيما باريس إلى ربيع الإبداع الأدبي. وفي كل موسم من مواسم حصاد السنة الخريفي الفرنسي يفرض مبدع نفسه على الآخرين عبر تألقه أو عبر الحملة الإعلامية الصاخبة التي ترافق صدور أحد مؤلفاته. ولم يشذ خريف العام الجاري عن هذه القاعدة. فالكاتب الفرنسي ميشيل هولبيك استطاع هذه السنة إثارة جدل كبير من حوله عبر رواته الجديدة الصادرة عن دار «فايار» وعنوانها «إمكانية جزيرة». وقد يبيع من الرواية بعد مرور أسبوعين على نزولها إلى الأسواق أكثر من مائتي ألف نسخة وينتظر أن تتجاوز المبيعات أربعمائة ألف نسخة. وما يشد الانتباه في الفوز بجائزة «جونكور» أهم الجوائز الأدبية الفرنسية أو على الأقل احدى جوائز الخريف وشقا ينتقص من قيمة هذا العمل الروائي ويرى أن هولبيتك ظاهرة أدبية فيها كثير من فن التسويق التجاري والدعاية وقليل من الإبداع.
ويبلغ عدد الروايات الصادرة بمناسبة موسم الخريف الأدبي هذه السنة أربعمائة وتسعة وأربعين عنواناً فيها عشرات الأعمال الأولى بالنسبة إلى كتابها. وكثير من الكتاب الذين ينشرون أعمالهم الإبداعية الأولى يعرفون في قرارة أنفسهم أن الطرق أمامهم محفوفة بالمخاطر ولذلك يتوقف الكثيرون منهم عن الكتابة بعد المحاولات الأولى. ومع ذلك فإن كل سنة تكرس تقريبا ميلاد كاتب جديد في الساحة الأدبية الفرنسية. وقلما يكون هذا الكاتب من أصول غير فرنسية.
ولكن موسم الحصاد الأدبي الخريفي هذا العام يختلف عما جرت به العادة.
فمن الروايات الأولى التي ذاع صيتها حتى قبل صدورها تلك التي وضعها الأستاذ الجامعي التونسي الهادي قدور وعنوانها «فالتنبرغ».. وقد استعار الكاتب العنوان من اسم قرية سويسرية ونشرها في دار «غاليمار» أشهر دور النشر الفرنسية المتخصصة في الإبداع الأدبي.. واسترعت الرواية انتباه أغلب النقاد الفرنسيين وأفضلهم.. بل ان كل المقالات النقدية التي نشرت بشأنها تسهب في امتداحها وفي التأكيد على أنه سيكون لها نصيب من جوائز الخريف الأدبية.
ففي مقال نشرته مجلة «تليراما» الأسبوعية التي تعد من أفضل المجلات المتخصصة في النتاج الثقافي تقول الناقدة «كريستين فيرنيو» معلقة على باكورة أعمال الهادي قدور «ان مشروع الكتاب لذيذ جداً بفضل الكتابة المتمردة والبناء الذي اختاره لشخوص روايته».. وتمضي الناقدة فتقول ان الهادي قدور يتواصل من خلال أول عمل روائي له إلى استخدام الجرأة وسيلة من وسائل الإبداع.. فهو جريء في الدروس التي يعطي في مجال السياسة.. وهو جريء لأنه يخيل إلى القارئ أنه أمام مسلسل لا أمام عمل روائي.. وهو جريء لأنه قادر على أن يبدع دون أن يظهر كما لو كان داعياً». وتبدأ وقائع الرواية مع بداية الحرب العالمية الأولى وتنتهي في تسعينات القرن الماضي.. وفيها حديث عذب ومشوق عن الحب والدبلوماسية والجاسوسية.. ويقول ناقد فرنسي آخر ان الهادي قدور تمكن من خلال عمله الروائي الأول من وضع أفضل رواية بوليسية ولكن بلغة وتقنيات تشبه إلى حد كبير لغة الكاتب الفرنسي الشهير بلزاك وتقنياته.
وفي الرواية كثير من الكلمات والمشاهد الشعرية التي أسهمت في تميز هذا العمل.. ولا غرابة في ذلك باعتبار أن الهادي قدور يقرض الشعر منذ سنوات عديدة.. وقد أصدر من قبل عدداً من الدواوين.. وإذا كان عشاق الشعر يعرفونه في فرنسا فإن باكورة أعماله ستكرسه في المستقبل من خيرة كتاب اللغة الفرنسية من العرب.