للدكتور زكي نجيب محمود الذي تحتفل مصر بمرور مئة سنة علي ولادته قراءات كثيرة لا قراءة واحدة. فالى جانب من يعتبره فيلسوف العصر وفيلسوف العقل والعقلانية، هناك من يقول انه كان توفيقيا اراد ان يجمع ما لا يجتمع من الاضداد. ولكن هذه «التوفيقية» يسميها بعضهم «تلفيقية»، فيؤكدون ان هذه الشخصية الفكرية المرموقة استطاعت ان تصوغ بدقة وعمق واحداً من اهم التيارات الفكرية العربية المعاصرة، وهو التيار التلفيقي.. ومع ان هذه التلفيقية لا تمثل بنظر هؤلاء النسيج الفكري كله لزكي نجيب محمود، الا انها تقدم اكثر المداخل الى شخصيته حسماً.
بدأ زكي نجيب محمود حياته الفكرية منبهراً بالغرب. فقد اعتبر ان الحضارة الغربية هي آخر ما وصلت اليه الإنسانية من تقدم. ولم يقدم يوماً - الا في ما ندر - وجهة نظر نقدية لهذه الحضارة فيما يخص المادية والرأسمالية الفاشية والنازية والجرائم المنظمة والعنف. كما اعتبر هذه الحضارة هي المقياس والمعيار والنموذج الذي تحتذيه كل الحضارات. فهي وحدها حضارة العلم والعصر والحرية والديموقراطية والإنسان والطبيعة، وكأن هناك مساراً واحداً للبشرية جميعها، وليس لكل حضارة مسارها. فالتاريخ الميلادي هو تاريخ كل الشعوب والحضارات الصينية والهندية والفارسية والبابلية والاشورية والكنعانية والمصرية القديمة، هي حضارات ما قبل ميلاد السيد المسيح، والحضارة العربية الإسلامية بعده.
حسن حنفي، على سبيل المثال، افتقد عنده نقداً كافياً للعصر ولتجاربه السياسية والاجتماعية في الحقبة الناصرية وكان من دعاتها في رئاسة تحرير مجلة الفكر المعاصر، وفي الحقبة التالية بعد انقلاب الثورة على نفسها مقالاته في الاهرام، وتأييد معاهدة الصلح مع اسرائيل في ايامها الاولى باستثناء بعض الانتقادات بين الحين والآخر على مستوى الفكر مثل نقده لاخلاق القرية.
ويأخذ كثيرون عليه اقتصاره على ذكر الجيل السابق له مثل الطهطاوي والافغاني ومحمد عبده وعرابي وسعد زغلول من المفكرين والمصلحين والادباء والقادة والزعماء، او المعاصرين له مثل طه حسين والعقاد وسلامة موسى واحمد لطفي السي وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ، ومحمد عبدالوهاب وصلاح طاهر ومحمد حسين هيكل ومصطفى عبدالرازق ومحمد صادق الرافعي. ولا يذكر زملاء معاصرين له ايضاً مثل محمد عبدالهادي ابو ريدة، وتوفيق الطويل وعبدالرحمن بدوي وعثمان امين وابراهيم مدكور وابو العلا عفيفي وابو ريان. ولا يذكر احداً من الجيل التالي له على الاطلاق، جيل 1967 في مصر والشام والمغرب، على الرغم من التشابه والاختلاف معه في كثير من المواقف، وكأن النجم لا يكون الا واحدا دون مراعاة لضم انوار النجوم ضد الظلام المتضامن حتى يطلع النهار.
وقد جاء كتابه «عربي بين ثقافتين» ليؤكد انحيازه لثقافة ضد أخرى. هو مع ثقافة الآخر ضد ثقافة الأنا، مع ثقافة العلم والعقل والطبيعة ضد ثقافة الدين والوجدان والكتاب مما سبب رد الفعل المضاد في الحركة السلفية المعاصرة، ثقافة الأنا ضد ثقافة الآخر، وكأنه لا مخرج للجمع بينهما جمعاً عضوياً واولياً في مسار تاريخي تطوري طبيعي، وكأن الجيل الحالي ينتقل من فعل الى رد فعل، ومن رد فعل دون ايجاد ميزان التعادل بين الثقافتين، كل فريق يسكب الزيت على النار ليزيد اشتعالاً وهو يظن انه يسطع نوراً.
ولكن على الرغم من كل الانتقادات التي توجه الى زكي نجيب محمود، فلا شك انه احد رواد التنوير في الفكر العربي المعاصر. ويعزى ذلك الى المفاهيم والاهداف التي تبناها ودعا الى شيوعها وتطبيقها. ولا شك ان العقل هو احد هذه المفاهيم. ويقول محمود امين العالم ان العقل يكاد ان يكون جوهر فلسفة زكي نجيب محمود، وان قضية العقل هي همه الاكبر. ويؤكد ذلك الدكتور عاطف العراقي بسبب اعلائه كلمة العقل فوق كل كلمة. ويرى ابراهيم فتحي ان الاهداف المعلنة في كتاباته تشبه من ناحية اتجاهها ما ذهب اليه مفكرو التنوير في فترات التحضير لثورات البورجوازية في اوروبا الغربية، وانه يحاول ان يجعل من وضعيته المنطقية «سلاحاً تنويرياً» على الرغم من ان الوضعية المنطقية ليست فلسفة تنويرية من الناحية المذهبية العامة في موطنها الاصلي.
ان الوضعية المنطقية في مصر والبلاد العربية تستخدم كسلاح تنويري، ولكن من الجانب السلبي، بمعنى انها توجه النقد الى ايديولوجية القرون الوسطى. وبرأي ابراهيم فتحي لا تصلح الوضعية المنطقية اداة تنويرية بعد ان تتجاوز مناوأة تلك اليقينيات القطعية لتلك القرون. ان اختلاف الشروط الاجتماعية في الوطن العربي عن مثيلتها في الموطن الاصلي للوضعية المنطقية، هو الذي ادى الى اختلاف الدور الذي اداه زكي نجيب محمود. لذلك يخلص ابراهيم فتحي الى القول ان سهام النقد الذي وجهه زكي نجيب محمود الحقت ضرراً فادحاً بالقيم الرجعية، فلم يتهاون طوال فترة ليست بالقصيرة مع الكهانة الجاهلية في الكثير من المسائل العملية. أما محمود أمين العالم فلا يكتفي باعتبار زكي نجيب محمود واحداً من ابرز مفكري الحركة التنويرية في عصرنا الراهن، بل يؤكد انه استطاع ان يبلور مفاهيمها بلورة نظرية بحيث اصبحت تشكل منظومة فلسفية منسقة. وان صح ذلك، فإن زكي نجيب محمود يعتبر المنظر الرئيسي للتنوير العربي في القرن العشرين.
وادلى كثيرون بدلائهم في مسألة: «الوضعية المنطقية» التي بدأ بها زكي نجيب محمود حياته الفكرية ثم تراجع عنها تراجعاً تاماً او شبه تام في المرحلة الاخيرة من حياته.
قال الدكتور فؤاد زكريا ان زكي نجيب محمود لم يكن يتحمس للوضعية المنطقية إلا بوصفها «سلاحاً فعالاً» في معركة تحرير العقول من المسلمات غير المدروسة، ومن الخرافات الذهنية التي يراها كثيرون بديهيات لا تناقش. واضاف فؤاد زكريا ان زكي نجيب محمود وجد في الفلسفة المذكورة الكافية الاستعانة بها من اجل تحقيق «هدف اساسي في بيئة غير بيئتها». وهذا الهدف هو هدف التنوير ومحاربة الخرافة والمراجعة النقدية للمسلمات. ويخلص فؤاد زكريا الى ان مجتمعنا كاملاً سيظل يذكر الدور الرائد للدكتور زكي في معركتنا الكبرى من اجل التنوير. وفي اعتقاد امام عبدالفتاح امام ان الدكتور زكي لم يكن يستهدف نشر الوضعية المنطقية، بل كان يريد ان «ينير» عقول الناس، ويسعى الى نشر «منهج جديد». وبكلمة، فإنه أراد «توظيف» الوضعية المنطقية لصالح الفكر التنويري الذي يدعو اليه..
كان زكي نجيب محمود واضحاً كل الوضوح في كل ما يخص دائرة العقل، ولكنه لم ينشد مثل هذا الوضوح في دائرة العاطفة، مؤكداً ان التفكير العلمي وحده هو الذي يستوعب اهتمام الوضعية المنطقية، وان الشروط التي يتطلبها هذا قد لا تكون هي التي تتطلبها الحياة الوجدانية.
وقد بلور لنفسه في سنوات 1940 - 1950 وقفة فلسفية لازمته حتى وفاته، مؤكداً ان ثقافته الانكليزية في ميدان الفلسفة انتهت به الى اختيار أحد التيارات العقلية العلمية، هو تيار التجريبية العلمية، او الوضعية المنطقية.
وقد ذكر انه عندما عاد الى مصر من دراسته الاكاديمية العليا في بريطانيا، في اواخر عام 1947، كان يعتقد انه اذا كانت التجريبية العلمية مجرد اتجاه فلسفي في الغرب، فهي بالنسبة للامة العربية من شأنها ان تضبط اللفظ في مجال التفكير العلمي ضبطاً صارماً.
وقد اعتقد ان الحضارات السابقة قامت على اساس العقل ايضاً. ودلل على ذلك باختيار أربع حضارات هي:
- اثينا في عهد بركليس، في القرن الخامس عشر قبل الميلاد.
- بغداد في عهد المأمون، في القرن التاسع الميلادي.
- فلورنسا بايطاليا في القرن الخامس عشر الميلادي.
- باريس في عصر التنوير ابان القرن التاسع عشر.
مؤكداً ان القاسم المشترك في كل النماذج الحضارية هو «الاحتكام الى العقل». وقد حاول الدفاع عن اهمية العقل مستعيناً بالوضعية المنطقية باعتبارها فلسفة علمية عقلية ضرورية ونافعة. ويبدو ان أمله خاب في الدور الذي اضطلع به لسنوات طويلة، الأمر الذي ادى به الى التوفيق بين العقل والوجدان، مؤكداً على وجود تحالف وثيق الصلات بين فاعلية العقل من جهة، ونبضات الوجدان بما يستكن في ضمير الانسان من «ايمان وعقيدة»، من جهة اخرى، وقائلاً: ان «الدين والعلم يتكاملان في الانسان».