الرئيسية > ثقافة الخميس

ثقافة التفوق العرقي


د. عبدالله إبراهيم

تنتمي كل الأمم الى اعراق، والتعصب الطبيعي للعرق لا خوف منه، فكل فرد لابد ان ينتمي الى عرق ما، ولكن الخطر ينبثق حينما يبلور التعصب ثقافة تقول بتفوق عرق على آخر بناء على جملة من الفرضيات الخاصة باللون، او الشكل، او المناخ، او الذكاء، او العقيدة... الخ. وتنسب الى ارسطو الصياغة الثقافية لفكرة التعصب العرقي، استناداً الى ما اصطلح عليه ب «نظرية الكيوف الطبيعية» اذ اورد في كتاب «السياسة» تقريظاً متعصباً للعرق اليوناني الذي ينتسب اليه، فقال «الشعوب التي تقطن الاقطار الباردة حتى في اوروبا هم على العموم ملؤهم الشجاعة، لكنهم على التحقيق منحطون في الذكاء، وفي الصناعة، من اجل ذلك هم يحتفظون بحريتهم لكنهم من الجهة السياسية غير قابلين للنظام، ولم يستطيعوا ان يفتتحوا الاقطار المجاورة. وفي آسيا الامر على ضد ذلك، فشعوبها اشد ذكاء، وقابلية للفنون، لكن يعوزهم القلب ويبقون تحت نير استعباد مؤبد. أما العنصر الاغريقي الذي هو بحكم الوضع الجغرافي وسط، فإنه يجمع بين كيوف الفريقين. فيه الذكاء والشجاعة معاً. انه يعرف ان يحتفظ باستقلاله، وفي الوقت نفسه، يعرف ان يؤلف حكومات حسنة جداً، وهو جدير اذا اجتمع في دولة واحدة، بأن يفتح العالم».

قبل ان نستنطق نص ارسطو، والطريقة التي أنتج بها من قبل انصار نظرية الطبائع العرقية في العصر الحديث. لابد من القول ان «أبو قراط» اشار الى ان للمناخ تأثيراً في اخلاق الشعوب، وارجع التكاسل العام للآسيويين الى الملوكيات والحكومات المستبدة التي كانت ترهقهم، واشار افلاطون في محاورة «القوانين» الى الموضوع ناسباً الرأي الى «البعض» دون ان يحددهم، قائلاً على لسان «الاثيني» وهو يحاور «كلينياس» ما نصه «ان البعض فيما أتصور ينسبون ما هم فيه من خلق طيب او سيئ او رديء، الى تغييرات الرياح، ودورة الشمس، والبعض ينسبها الى المياه، بينما ينسبها البعض الى محصولات الارض، التي لا تمد الجسم بالحيوية الافضل او الاسوأ، ولكنها تؤثر بالمثل في العقل تأثيراً حسناً او سيئاً».

ينطوي نص ارسطو على جملة عناصر متشابكة، تحتاج الى معاينة تحليلية لبيان اهمية موضوع «الكيوف الطبيعية» والطريقة التي وظفت فيها. فأرسطو، يقسم امم الارض الى ثلاثة شعوب هي: «الشعوب الاوروبية» القاطنة في الاراضي الباردة (شمال اوروبا الحالية) وهؤلاء يتصفون بالشجاعة، لكنهم منحطون من جهة الذكاء والصناعة. و«الشعوب الآسيوية» وهم يتصفون بالذكاء والانتاج الفني، إلا انهم يفتقرون الى «القلب» الامر الذي جعلهم يقبلون الاستعباد والطغيان. واخيراً «الشعب الاغريقي» وهو يجمع بين كيوف النقيضين، وتحديداً يجمع المظاهر الايجابية من تلك الكيوف، وذلك بحكم موقعه الجغرافي، فهو ذكي وشجاع، ولذلك فهو مرشح ل «فتح العالم» اذا توحد في دولة واحدة.

جرَّد ارسطو «الشعوب الاوروبية» من الذكاء وخصها بالشجاعة التي هي أقرب الى التهور كون افرادها لا يقبلون نظاماً سياسياً يجمع شملهم، الامر الذي يؤكد انهم لم يطوروا مؤسسة تدير شؤونهم، ولهذا «لن يفتتحوا الاقطار المجاورة». ومن هذه الناحية تبدو صلة الاغريق بهم ضعيفة، لأن هؤلاء روضوا الشجاعة داخل مؤسسة الدولة، فأصبح التعبير عنها يأخذ بعداً سياسياً. اما «الاوروبيون» فشجاعتهم (في عصر ارسطو) لصيقة بالافراد، وصفة من صفاتهم، ولم يعبر عنها بفعل اجتماعي منظم. اما «الآسيويون» فلم يقل عنهم انهم لا يتصفون بالشجاعة، انما قرر انهم، فضلاً عما لديهم من الذكاء والقدرة على الابداع، يفتقرون الى «القلب». ومصطلح «القلب» غامض جداً. فهل يقصد منه ارسطو «الحس الداخلي» الرافض للعبودية والطغيان؟ واذا وضعنا «كيوف الاوروبيين والآسيويين» تحت النظر، وفحصنا علاقة «الاغريق» بهما في ضوء التاريخ، فإن علاقتهم بالآسيويين تبدو اوثق، لأنهم حسب ارسطو يشاركونهم ب «الذكاء» و«الصناعة» و«قابلية الابداع الغني». في حين انهم لا يشاركون الاوروبيين إلا ب «الشجاعة». وحتى في هذا العنصر، فهم يتصفون بشجاعة مغايرة، غير منفلتة، تقبل النظام، وقادرة على تأليف «حكومات حسنة جداً» فيما يتصف الاوروبيون بأنهم «غير قابلين للنظام».

خلاصة ارسطو التي يمكن استدراجها من النص المذكور هي: «ان الاوروبيين شعوب منحطة من ناحية الذكاء». وهي لا تعرف «الصناعة»، أي العمل الحرفي المنتج، لأنها لا تعرف الاستقرار او الاستيطان. وفي كل هذا فإن الاغريق يختلفون عنهم تماماً. واذا اخذنا الاوصاف التي وسم بها ارسطو الاوروبيين من منظور العصر الحديث، فإن المصطلح الذي يعبر عنهم، هو «المجتمعات البدائية» او «المتوحشة» او «البرية». اما الآسيويون فقد طوروا نظاماً كفل لهم الاستقرار، وابرز ذكاءهم وفنونهم، إلا ان عيبهم انهم «انصاعوا» له، وقبلوا الاستعباد والطغيان. ولا يرد على لسان ارسطو ذم لهم، ذم خاص بطبائعهم، إلا ما يمكن اعتباره سلوكاً اجتماعياً فرضته شروط تاريخية خاصة بالاستبداد العنيف الذي امتص مقاومتهم مع الزمن، فتكيفوا مع النظم المستبدة. و«الاغريق» وحدهم بسبب موقعهم بين هذين القطبين، جمعوا احسن ما في النقيضين. يركب ارسطو دينامية اغريقية مستخلصة من محاسن الآخرين، فالاغريق بجمعهم لفضائل غيرهم قادرون لو توحدوا على «فتح العالم». قضية «فتح العالم» مهمة في منظور ارسطو، ولا مرشح للقيام بها إلا الاغريق الذين انطووا على اسمى الفضائل. علينا ان نفهم ان هذه الخلاصة بصدد الاغريق «الاذكياء الشجعان» كانت في سياق عصرها رسالة معلنة او ضمنية يوجهها ارسطو الى الاسكندر المنشغل في «فتح العالم».

كيف افادت نظرية الطبائع العرقية الحديثة من نظرية الكيوف الطبيعية الارسطية؟ وما هي الاكراهات التي عمقت نزعة التفاضل العرقي التي قال بها ارسطو؟ من الواضح انه جرى دمج واستبعاد لكثير من عناصر النظرية القديمة. واول مظاهر الدمج الغاء التعارض بين «الشعب الاغريقي» و«الشعوب الاوروبية» ودمج المجموعتين في مجموعة واحدة، تتصف بتلك الفضائل التي عزاها ارسطو للاغريق، وهي: الذكاء، والشجاعة، وحب النظام. وعملية الدمج هذه، اذا نظر اليها من منظور تاريخي يتكشف بطلانها، ف «اوروبا البربرية» لم تندمج ب «الاغريق» ولا «الرومان». ولم يظهر لها وجود فعال في جنوب اوروبا إلا في فترة متأخرة، ولهذا فالقول بأن اصل الشعوب الاوروبية هم الاغريق حسب التقسيم الارسطي، هو قول لا ينطبق على الواقع التاريخي، وليس ثمة حجج تثبته. وبمقابل عملية الدمج هذه، جرت عملية استبعاد مقابلة. فقد اقصيت «طبائع» الآسيويين التي اضفاها عليهم ارسطو، وطمس الذكاء والابداع، ودفعت الى الامام «النقائص» فقط وهي الاذعان للاستبداد والطغيان. واختزلت الى طبائع ثابتة، مع ان التحليل رجح كونها سلوكاً اجتماعياً اكثر مما هو طبع حسب سياق ارسطو.

افضت عملية الدمج/ الاستبعاد الى تثبيت هذه الصفات على انها طبائع ثابتة. احتكر الاوروبيون «الطبائع المتفوقة لاسلافهم الاغريق». فيما لم يحتكر الآسيويون «الطبائع السيئة» فحسب، انما عممت الطبائع لتشمل العالم بأجمعه، فانقسم العالم بين نمطين موروثين من «الطبائع». نمط مقوماته القوة، والشجاعة، والذكاء، والنظام، ورثه الاوروبيون عن اسلافهم الاغريق، ونمط مقوماته الخوف، والاستبداد والسكون، والثبات، ورثه «العالم» عن الآسيويين. وهكذا اعيد انتاج نظرية الكيوف الطبيعية الارسطية في ضوء موجهات مغايرة، وطبقاً لسياقات تاريخية مختلفة، فرتبت العلاقات بين عناصرها بما يضاعف نزعة التمركز العرقي الكامنة فيها. ودعمت مضامينها بفرضيات علم اللغة المقارن، ونظرية تطور الانواع، بحيث يمكن تقديمها للعالم على انها نظرية علمية لا يمكن ابطالها. حاولت نظرية الطبائع العرقية تأصيل نفسها من خلال الارتباط بمضمون نظرية ارسطو إلا انها في الحقيقة اعادت تنظيم العناصر المكونة لها، بما يوافق ممارساتها ضمن المؤثرات الحديثة. فشرعيتها التاريخية ما هي إلا إطار عام لشرعيتها الواقعية التي كانت تستمدها من واقع علاقة الغرب الحديث بالعالم.

التقط مونتسكيو خيط الفكرة الارسطية، وبلورها في «روح الشرائع». واسقط عليها كثيراً من مؤثرات عصره، قال «آسيا، ليس فيها بحقيقة الكلام منطقة معتدلة، في اوروبا بالعكس، المنطقة المعتدلة واسعة جداً، فيها المناخ يغدو بارداً من الجنوب الى الشمال بتدرج لا يحس. في آسيا، الامم تقابل الامم، تقابل القوي مع الضعيف: اذ ان الحرارة الشديدة تنرفز قوة وشجاعة البشر، وثمة في المناخات الباردة قوة ما للجسد والروح تجعل البشر قادرين على اعمال طويلة، شاقة، كبيرة، جسورة. في آسيا، الشعوب المحاربة والنشيطة، تلامس مباشرة شعوباً مخنثة، كسولة، خجولة، ينبغي ان يكون هذا مفتوحاً وذاك فاتحاً. في اوروبا، الامم، بالعكس، متقابلة من القوي الى القوي: اللواتي يتلامسن لهن تقريباً نفس الشجاعة. ذاك هو السبب الكبير لضعف آسيا وقوة اوروبا، لحرية اوروبا وعبودية آسيا».

تزامن كل هذا مع بدايات «معرفة الآخر» التي اصبحت شائعة في القرن الثامن عشر، اذ تركزت الانظار على الطبائع الموروثة المتضادة التي تقود الى ميزات متعارضة قائمة على اساس التفاضل والتفاوت. فإذا كانت «الجغرافيا» قدَّرت ان يتصف الآسيويون بالتخنث والكسل والخجل، وان يتصف الاوروبيون بالقوة والجسارة، فإنه من الطبيعي ان يقود «المنطق الجغرافي» الى تكريس ثنائيات ضدية: آسيا الضعيفة واوروبا القوية ،آسيا المستعبدة وأوروبا المتحررة ،ولا علاج إلا بأن تُسعف هذه تلك ، بأن تبث فيها القوة والحرية، وان تطرد عنها الاستعباد والضعف. وسيلة الاسعاف هذه هي ان تخترق اوروبا آسيا بكل الوسائل الممكنة. وكل هذه المعطيات سيجعل منها «غوبينو» نظرية «علمية» لها فروضها وبراهينها. فهنالك «الشرقيون» وهم «الاعراق الدنيا» ودونيتهم العرقية موافقة لنظام الطبيعة الذي اقر مبدأ التفاوت بين الاجناس. وعليه فلا يرجى منهم أي شيء، ولا مكان للتاريخ حيث يوجد الشرقيون لان الحوامل السلالية الشرقية عقيمة. وهناك «الغربيون» وهم «الاعراق العليا» او «الاعراق البيضاء» الذين لهم ميزة التفوق، لانهم سلالة نقية وخصبة وحاملة للامكانات التاريخية، والعرق الابيض وُلد ناضجا. ليس له طفولة بدائية ،خلق مالكا إرادته وتاريخه ،فالتعارض قدر طبيعي بين العرق الشرقي والعرق الأبيض، وتجاوزه هو الغاء لقوة القدر الذي بث الطبائع بين الاعراق بما تجعل التكافؤ بينها مستحيلاً. ولابد ان يتصف عرق بأنه فاعل، والآخر مفعول به. الاول منذور لحمل راية التاريخ، والآخر بانتظار ان يدرج في مسار التاريخ. ولكي يتحقق كل هذا، لابد ان تستغل الاعراق العليا الاعراق الدنيا، استغلالاً كاملاً، لأن تلك الاعراق «خلقت بوصفها عبيداً» انها «آلات حية» شأنها في ذلك شأن «حيوانات جر للاعراق العليا».

abdullah_ibrahem@yahoo.com

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة